|
ياسر الزعاترة
نكتب هذه السطور فيما تعترف قوات الاحتلال الأمريكي بأن جيوباً للمقاومة لا
زالت تتحرك في مدينة الفلوجة على رغم القتال الذي دار من بيت إلى بيت، لكن ذلك
لا يعني أننا نعول على تحول عسكري لصالح المقاومة في مواجهة جنود الاحتلال أو
أننا نعول على صمود المدينة لزمن طويل، فقد تم احتلالها من الناحية الواقعية،
وإن بدا أن عودة السكان الذين هجروها ستستغرق وقتاً في ظل التدمير الهائل الذي
أصاب مبانيها.
نشير إلى هذه الحقيقة على رغم قناعتنا بأن المدافعين عن المدينة قد خاضوا معركة
بطولية، ولعل الأرقام المعلنة للقتلى والجرحى الأمريكيين، والتي يستبعد أن تكون
حقيقية، تشكل شاهداً على شراسة المقاومة التي واجهها جنود الاحتلال.
نقول ذلك لأن ميزان القوى العسكري في المعركة هو من الاختلال لصالح قوات
الاحتلال بحيث لا يسمح للمقاومين سوى بتسجيل بطولات استثنائية تترك آثارها
التالية على المعركة الأساسية بين المقاومة والاحتلال. أما الانتصار فكان
مستحيلاً، أعني في جانبه العسكري.
في معركة الفلوجة كان أقل من ألفي مقاتل لا يملكون غير الأسلحة الخفيفة
والقاذفات اليدوية العاجزة عن التأثير في الدبابات، يواجهون أكثر من عشرين ألف
جندي مدججين بأقوى الأسلحة فيما تدعمهم الدبابات والطائرات، ومعلوم أنه في
معارك من هذا النوع يكون الطيران هو سيد الموقف.
ليس ذلك فحسب، فنحن نتحدث عن إرادة اجتثاث المقاومة من المدينة بصرف النظر عن
سقوط المدنيين أو تدمير المدينة بالكامل، سيما بعد أن تأكدت قوات الاحتلال
والمتعاونين معها أن معظم السكان قد هجروها قبل بدء العمليات العسكرية
الأساسية.
في معارك من هذا النوع لا يبدو بالإمكان تحقيق انتصار عسكري من قبل المقاومين،
لكن الآمال تظل معقودة على تحقيق انتصار سياسي، ومثل هذا الانتصار يأتي كمحصلة
لظروف موضوعية مهمة، منها الفضاء الإعلامي الذي يحرض على المحتلين بفضح جرائمهم
ضد المدنيين، الأمر الذي يستدعي موجة ضغط سياسي دولي تؤدي بدورها إلى تسوية ما
تكون معقولة بالنسبة للمدافعين عن المدينة.
حدث ذلك في معركة الفلوجة التي جرت في شهر نيسان/أبريل الماضي، والتي صمد فيها
المجاهدون وقاتلوا بشراسة، فيما لم يكن بوسع قوات الاحتلال ممارسة القتل
العشوائي بوجود أهالي المدينة داخلها وفي ظل وجود كاميرات الفضائيات تنقل الحدث
على الهواء مباشرة.
لكن ذلك لم يكن كل شيء، ذلك أن الإعلام لا يمكنه صناعة انتصار لا تتوفر ظروفه
السياسية، وهنا من الضروري القول إن الموقف العربي والدولي خلال المعركة
الماضية كان مختلفاً عما هو عليه الآن، فقد كان أفضل إلى حد كبير، الأمر الذي
شكل أداة ضغط على قوات الاحتلال ودفعها إلى قبول تسوية بدت شكلاً من أشكال
الانتصار لرجال المقاومة.
هذه المرة كان الموقف سيئاً إلى حد كبير، فقوات الاحتلال أخرجت وسائل الإعلام
من المدينة واكتفت بالكاميرات العاملة معها أو التابعة لوسائل الإعلام المؤيدة
لها، فيما كانت قد عملت على إخراج السكان من المدينة عبر حثهم مباشرة على ذلك،
ثم كان الموقف السياسي العربي والدولي في حالة تراجع أمام الأمريكان. أما الحشد
العسكري فكان أقوى بكثير من المرة الماضية. لكن أسوأ ما في القصة هو أن الغزو
قد تم هذه المرة بغطاء من الحكومة العراقية المؤقتة، بل ومشاركتها المباشرة
أيضاً عبر قوات الحرس الوطني. وهو خلاف الحال في المرة الأولى حيث كان الوضع
الداخلي أكثر توازناً، سيما وأن التيار الصدري كان يخوض بدوره مواجهات سياسية
وعسكرية مع قوات الاحتلال تستقطب تعاطف الشارع الشيعي، فيما تعزز الموقف السلبي
من الاحتلال.
هذه المرة وتبعاً للظروف التي أشرنا إليها سابقاً، كان ميزان المعركة العسكري
والسياسي والإعلامي فاعلاً لحساب قوات الاحتلال، الأمر الذي كان من الطبيعي أن
يؤدي إلى اقتحام المدينة، سيما حين أضيفت إليه استراتيجية الأرض المحروقة، وحيث
لا يتقدم جنود الاحتلال إلا بعد التأكد من أن المقاومة قد خمدت عبر تدمير
المباني التي يتحصنون فيها بقذائف وصواريخ الطائرات ومدافع الدبابات.
نعود إلى القول إن صمود رجال المقاومة في المدينة كان أسطورياً بشهادة
الأمريكان أنفسهم، فضلاً عن بعض الصحافيين الذين كانوا في المدينة، وإذا كنا
نكتب هذه السطور، فيما خسائر الأمريكيين المعلنة هي 51 قتيلاً و425 جريحاً،
فإننا نذكر بأن خسائرها أثناء احتلال العراق كله لم تزد عن ستين قتيلاً وربما
أقل من رقم الفلوجة بالنسبة لأرقام الجرحى.
لكن الأهم من ذلك كله هو السؤال عن النتيجة النهائية وربما الحقيقية للمعركة،
والتي تتمثل في تحقيقها للأهداف التي شنت من أجلها. ونتذكر هنا أن الهدف الأول
كان يتمثل في ضرب المقاومة، فيما الثاني هو إنجاح الانتخابات المزمع إجراؤها في
شهر كانون الثاني/ يناير المقبل.
على الصعيد الأول، فقد جاء الرد سريعاً إذ أن معركة الفلوجة قد أشعلت المقاومة
في كل المناطق في العراق، الأمر الذي يؤكد أن فعالياتها لم تكن حكراً على
الفلوجة، لكن الأهم هو أن المدينة ذاتها ستعود للمقاومة على نحو أقوى بعد دخول
قوات الاحتلال وتسلل المقاتلين إليها من جديد. وكل ذلك يؤكد أن المقاومة في طور
التصاعد كما تأكد منذ تشكيل حكومة علاوي إلى الآن.
أما الانتخابات فقد بد واضحاً أن معركة الفلوجة ستدفعها نحو مزيد من الفشل، إذ
أدت في واقع الحال إلى إخراج العرب السنة تماماً من اللعبة السياسية، وذلك بعد
ما يشبه الإجماع في أوساطهم على مقاطعتها، وحين يقاطع السنة فإن شرعية
الانتخابات ستضرب على نحو كبير. ولم تتوقف المقاطعة عند العرب السنة بل شاركهم
فيها عدد كبير من القوى والأحزاب الشيعية والكردية والتركمانية المنضوية تحت
لواء المؤتمر التأسيسي العراقي الأول لمقاومة الاحتلال.
قد نضيف إلى ذلك فضائح الحكومة المؤقتة ومعها قوات الاحتلال، أكان من خلال
الجرائم البشعة التي ارتكبت، أم من خلال فضيحة المقاتلين العرب الذين ثبت أنهم
لا يتجاوزن 5% من رجال المقاومة، بل إن الأمريكان قد اعترفوا أن من بين 1000
مقاتل اعتقلوا لم يكن هناك سوى 15 شاباً من جنسيات غير عراقية.
لذلك كله يبدو من الطبيعي جداً أن نقول إن ما جرى في واقع الحال كان بمثابة فشل
لقوات الاحتلال، فيما لم يكن هزيمة للمقاومة، بقدر ما شكل تأكيداً على بسالتها،
الأمر الذي سيمدها بالمزيد من الشبان والمقاتلين والمؤيدين خلال المرحلة
المقبلة، مع أنها لا تعاني أزمة على هذا الصعيد منذ شهور.
كان ميزان المعركة العسكري والسياسي والإعلامي فاعلاً لحساب قوات الاحتلال،
الأمر الذي كان من الطبيعي أن يؤدي إلى اقتحام المدينة
معركة الفلوجة أشعلت المقاومة في كل العراق، الأمر الذي يؤكد أن فعالياتها لم
تكن حكراً على الفلوجة، لكن الأهم هو أن المدينة ذاتها ستعود للمقاومة على نحوٍ
أقوى
أما الانتخابات فقد بد واضحاً أن معركة الفلوجة ستدفعها نحو مزيد من الفشل، إذ
أدت في واقع الحال إلى إخراج العرب السنة تماماً من اللعبة السياسية، وذلك بعد
ما يشبه الإجماع في أوساطهم على مقاطعتها، وحين يقاطع السنة فإن شرعية
الانتخابات ستضرب على نحو كبير
|