فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

dec2004
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
أخبار وتقارير
عرفات رجل المهام
مراحل من حياته
هل مات مسموماً
اللاعبون الجدد
فتح والمنظمة
المقاومة
القيادة الموحدة
منظمة التحرير
التوجهات السياسية
تصريح الزهار
قيادة السلطة
شؤون إقليمية
الملف1
الملف2
شؤون عربية
شؤون دولية
رأي - ياسر الزعاترة
قضايا
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
مع الغروب
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
ما قلّ ودلّ
صور فنية

 

أوروبا وفترة بوش الثانية:
هل ستزداد العلاقات سوءاً وتوتّراً؟


بون/نبيل شبيب
تابع الأوروبيون مجرى معركة الانتخابات الأمريكية باهتمام كبير يتجاوز المعتاد في انتخابات سابقة، ففي السنوات الأربع الماضية مع وجود جورج بوش الابن في السلطة مع فريقه من ((المحافظين الجدد)) تحوّلت الخلافات التقليدية إلى أعمق شرخ علنيّ في تاريخ العلاقات على جانبي الأطلسي، ولم يعد السؤال هل سينتهي التحالف الغربي القائم على أنقاض الحرب العالمية الثانية ولمواجهة الشيوعية في الأصل، بل متى تصل التناقضات المتزايدة باستمرار إلى مستوى يتجاوز المفعول الكبير للمصالح المتشابكة الناشئة عبر أكثر من أربعين عاماً في حقبة الحرب الباردة، ثمّ كيف يمكن التعامل مع ما أصبح متوقعاً، آجلاً أو عاجلاً، لتخفيف الأضرار المحتملة على الجانبين وعلى مستوى العلاقات الدولية عامة.

بين الآمال والثوابت
كما هو معتاد دبلوماسياً التزم المسؤولون السياسيون الصمت أثناء المعركة الانتخابية على الرئاسة الأمريكية تأكيداً لقاعدة عدم التدخّل فيها، بينما لم تنقطع وسائل الإعلام عن تأكيد أنّ معظمهم إن لم يكن جميعهم يفضّلون نجاح المرشّح الديمقراطي جون كيري، على استمرار وجود جورج بوش الابن في السلطة أربع سنوات أخرى. وهذا ما يسري على السكان الأوروبيين، كما سبق أن كشف الاستطلاع الأوروبي المعروف منذ عامين، ولم تختلف عنه كثيراً نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة قبيل انتخابات الرئاسة الأمريكية، وقد عبّر عن ذلك أحد المعلّقين في القناة التليفزيونية الأولى بألمانيا فبدأ الحديث عن نتائج الانتخابات بقوله، لو كان يحقّ للأوروبيين التصويت في انتخابات الرئاسة الأمريكية، لضمن كيري النجاح لنفسه بغالبية ساحقة.
وكانت غالبية التحليلات الأوروبية تنطلق عند المفاضلة بين كيري وبوش، من أنّ نجاح الأوّل يرجّح تكثيف المشاورات مع الأوروبيين حول القضايا الدولية، بينما سيؤدّي استمرار وجود بوش وفريقه في الحكم أربع سنوات أخرى، إلى مزيد من التهديد للمصالح الأوروبيّة العالمية، لا سيّما على صعيد مستقبل الطاقة النفطية، والمزيد من أخطار سيطرة أجواء الحرب عالمياً، جنباً إلى جنب مع الخروج الأمريكي على القانون الدولي.
على أنّ هذه الصورة لم تخلُ من التحذير أن يعلّق الأوروبيّون أملاً غير واقعيّ على تبدّل السياسات الأمريكية تبدّلاً جذرياً لو فاز كيري في الانتخابات، فكثير من الثوابت السياسية الأمريكية بقيت قائمة بغضّ النظر عن اسم الرئيس الأمريكي والحزب الذي ينتمي إليه، ولم يختلف سوى أسلوب التعاطي مع الآخرين لتمريرها أو فرضها عالمياً، وما مارسه بوش وفريقه سبق أن ظهرت بداياته في عهد أسلافه. هذا علاوة على أنّ ما طرأ من خلافات بين جناحي الأطلسي يعوّضها ازدياد المخاوف المشتركة إزاء المنطقة الإسلامية على وجه التخصيص، وهي مخاوف يغلب على تصويرها حتى الآن جانب واحد، وهو الإحساس الغربيّ بالحاجة إلى التعاون في مواجهة ظاهرة الإرهاب بالذات، وكأنّ هذا وحده ما يدفع الأوروبيين إلى التحرّك أو التردّد على هذا الصعيد، إلاّ أنّ كثيرا من الدراسات والبحوث تطرح أيضاً عامل ((الخطر الحضاري)) وفق المقولة الأمريكية القديمة ((الإسلام عدوّ بديل))، وتناقش مدى سريان ذلك على أرض الواقع تجاه الغرب الأوروبي والأمريكي معاً.

تمنيّات غير واقعية
ويظهر من السياسات الأوروبيّة الأخيرة، في قضايا محدّدة مثل دارفور والسودان، والسلاح النووي وإيران، ومنظمات المقاومة وسورية، أنّ الدول الأوروبيّة الرئيسية حريصة على التحرّك مع واشنطن بقدر معيّن، لا سيّما وأنّ المخاطرة بأيّ قطيعة في الوقت الحاضر تعود بالضرر الأكبر على الطرف الأوروبي، الذي ما يزال حتى الآن في بداية طريقه باتجاه التميّز على صعيد السياسات الأمنية والقدرات العسكرية، وهو ما يراه الأوروبيون شرطاً أساسياً إلى جانب الطاقة الاقتصادية والمالية، لترسيخ قدرتهم على المشاركة الفعّالة في صناعة القرار الدولي بما يحقّق مصالحهم، بغضّ النظر عن أيّ انتخابات أمريكية وعمّن يصل إلى السلطة من خلالها.
وكانت ردود الفعل الأولى على نتائج الانتخابات لا تعبّر عن خيبة الأمل المستترة، قدر ما تعبّر عن الأمل في أن يكون بوش قد استوعب مع فريقه الدروس من الفترة الرئاسية الأولى، وأنّه لا يمكن أن يتحرّك دولياً بنجاح –وفق منظوره- دون المشاركة الأوروبية، التي لم تعد ممكنة دون أن تقوم علاقات ((ندّية)) تختلف عما ساد في الحرب الباردة، وهذا ما سبق للأوروبيين، لا سيما في فرنسا وألمانيا، أن سعوا لإبرازه من خلال تعاملهم مع احتلال أفغانستان بأسلوب يختلف عن تعاملهم مع احتلال العراق، وفي هذا الإطار يأتي تحرّك الاتحاد الأوروبي عبر سلسلة من التصريحات في اتجاه إبداء استعداد للتعاون مع الحكومة الأمريكية الجديدة القديمة، وبدا أنّ كثيراً منهم علّق أهمية خاصّة على لقاء بوش مع رئيس الوزراء البريطاني بلير عقب الانتخابات مباشرة، ممّا جعل الرئيس الفرنسي شيراك حريصاً بدوره على اللقاء مع بلير بعد أيّام معدودة، وإبراز نقاط الالتقاء في المواقف وتجنّب التصريحات الاستعراضية بصدد الخلافات المستمرّة.
ولكن لا يبدو أنّ توقعات التعاون الأفضل ستتجاوز حدود التمنيات غير الواقعية، فنتائج الانتخابات الأمريكية لم تسفر فقط عن احتفاظ بوش وفريقه بالسلطة، إنّما أسفرت في الوقت نفسه عن تعزيز الجناح الأكثر تشدّداً، سواء من خلال سيطرة الجمهوريين على مجلسي النواب والشيوخ، أو من خلال تفسير الانتخابات بأنّها تأييد شعبي لسياسات ما يسمّى المحافظين الجدد والمسيحيين التوراتيين, ومن هنا كان تصريح وزير الخارجية الأمريكي واضحاً، وهو يقول إنّ بوش سيتابع ((سياسته الهجومية)) كما كانت حتى الآن.
وقد حفلت بعض التحليلات الإعلامية الأوروبية في البداية بتوقّع أنّ بوش بعد تثبيته في الفترة الثانية للرئاسة، وعدم وجود ضغوط انتخابية عليه لاحقاً، سيعمل على تحقيق توازن أفضل بين أركان جهازه الحكومي، وبدا ذلك وهماً محضاً، فعلى النقيض من ذلك جاءت الاستقالات من حكومة بوش بما في ذلك وزير الخارجية كولن باول وتعيين كونداليزا رايس مكانه، مؤشراً واضحاً للعزم على ممارسة سياسات أكثر تشدّداً ممّا مضى، ودون وجود من قد يعترض على بعض جوانبها داخل الحكومة نفسها.
وكان ممّا يلفت النظر أنّ الموقف السياسي الأول لبوش أثناء زيارة توني بلير رئيس الوزراء البريطاني، بصدد الخلاف مع الأوروبيين بشأن التعامل مع ما يسمّى أزمة ((الشرق الأوسط))، كان في حدود ((كلام عام)) سمع الأوروبيون مثيله مراراً من قبل، فواشنطن تؤكّد دوماً رغبتها في التعاون والتحرّك مع الأوروبيين، ولكنّ الدور المطلوب منهم سيبقى كما كان محدوداً في إطار القبول بما يقرّره الأمريكيون أنفسهم، ولا يتوقّع تغيّر ذلك بعد وفاة عرفات التي يتحدّث المحللون الغربيون عنها بوصفها ((فرصة)) لتنشيط السياسة الأمريكية، فالأرجح هو تنشيطها في الاتجاه الذي كانت عليه، أي العمل على انتزاع المزيد من التنازلات الفلسطينية والعربية دون مقابل يستحقّ الذكر، سواء اعترض الأوروبيون أم لم يعترضوا. ويؤكّد التوجّه الأمريكي مؤخراً نحو ((تدويل)) ملاحقة ما يسمّى العداء للسامية، عزم واشنطن على المضي خطوة أبعد في ممارسة الضغوط على مستويات فكرية وثقافية وإعلامية وليس على المستوى السياسي والعسكري فقط، لفرض الهيمنة المطلقة في المنطقة العربية عبر البوابة الفلسطينية والعراقية معاً.

تناقضات دون مستوى المواجهة
كذلك فإنّ التحرّك العسكري الوحشي في الفلوجة وغيرها من المدن العراقية وتوقيته المتزامن مع الانتخابات الأمريكية، يعطي الأوروبيين مؤشراً آخر على عزم واشنطن المضيّ قدماً في سياسة الهيمنة العسكرية بأي ثمن، ودون مراعاة أي معيار من المعايير الدولية والإنسانية، ورغم أنّ الموقف الأوروبي يلتزم الصمت بصورة غير مسبوقة تجاه أحداث دامية بهذا الحجم وقريبة جغرافياً من الحدود الأوروبية نفسها، فإنّ ازدياد الضغوط الداخلية على الساسة الأوروبيين واضحة للعيان، كما يشير إلى ذلك مسلسل المواقف المعلنة من جانب الدول الأوروبية ((الحليفة)) لواشنطن حتى الآن، للانسحاب عسكرياً من العراق، كما هو الحال مع المجر وبولندا.
إنّ العلاقات الأوروبية - الأمريكية بعد الانتخابات لا يُتوقّع لها أن تشهد تحوّلا في اتجاه التفاهم بعد الخلاف، قدر ما يتوقع أن تشهد استمرارية التطوّر القائم منذ مطلع التسعينات من القرن الميلادي العشرين، وبلغ ذروة علنية خلال فترة رئاسة بوش الابن الأولى، والقائم على محورين متوازيين، أحدهما بذل مزيد من الجهود لتميّز أوروبي عسكري وسياسي عن الولايات المتحدة الأمريكية، وثانيهما عدم الوصول إلى مستوى مواجهة مفتوحة في المرحلة الراهنة، وهي مواجهة لا يملك الأوروبيون مقوّمات خوضها مع ضمان النجاح فيها إذا اندلعت.
ويشير إلى ازدياد عمق الهوّة الفاصلة بين الأوروبيين والأمريكيين ازدياد نقاط التلاقي بين الدول الأوروبية الغربية والاتحاد الروسي، ممّا انعكس أخيراً في موافقة موسكو على ميثاق المناخ العالمي مع بقاء واشنطن خارج نطاقه، وكذلك اتفاقات الجانبين في ميادين عديدة، كالتجارة والنفط والغاز، وهو ممّا يشير إلى الرغبة الأوروبية في التعويض عن النتائج السلبية لترسيخ السيطرة الأمريكية على مصادر النفط وطرق إمداداته، لا سيما في منطقة الخليج، وهو ما يتوافق أيضاً مع تكرار التأكيد الأوروبي لهدف الوصول إلى مستوى القوّة الاقتصادية الأكبر عالمياً مع حلول عام 2010، بل يمكن القول إنّ من عوامل الميل إلى قبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي الرغبة في تعزيز الجناح الأوروبي نفسه في نطاق العلاقات الأطلسية.
ويبدو الاتحاد الأوروبي في الوقت الحاضر أشدّ تماسكاً ممّا كان عليه في فترة بوش الرئاسية الأولى، فعلاوة على التحوّل في سياسات دول كانت أقرب إلى واشنطن كأسبانيا وبولندا، لم يعد مستبعداً وقوع تحوّل في السياسة البريطانية أيضاً، سواء مع رئيس الوزراء البريطاني الحالي بلير أو من خلال سقوطه في انتخابات مقبلة. ويشير إلى اتجاه الريح في السياسات الأوروبية تجاه واشنطن ما بذلته الدول الرئيسية الثلاث، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، لنزع فتيل الأزمة مع إيران على صعيد صناعتها النووية، بما تعارض مع الرغبات الأمريكية بوضوح، وتزامن مع إعلان موسكو عزمها على مواصلة تزويد إيران بالتقنيات النووية، إضافة إلى الإعلان الروسي بصورة استعراضية عن صناعة صاروخ نووي جديد. كذلك فإن اعتراض بعض الدول الأوروبية بمشاركة روسيا والصين ساهم في تعديل موقف مجلس الأمن الدولي عن أسلوب التهديد الذي أرادته واشنطن تجاه السودان في قضية دارفور.
لقد كان من شأن فوز كيري أن يوفّر ((استراحة)) زمنية مؤقتة في مسيرة التوترات والتناقضات المتصاعدة بين حلفاء الأمس، وهو ما لم يتحقق، ولا يعني ذلك حدوث قطيعة، إنّما استمرار العمل على الجمع بين ما تفرضه المصالح المشتركة، وما يضمن الاستقلالية الأوروبية المتنامية بصورة موازية طرداً لتنامي قوّة الاتحاد الأوروبي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وتماسكه داخلياً.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003