الفلوجة... عنوان آخر لصمود الأمّة
إذا كانت مخيمات ((جباليا)) و((رفح)) و((جنين)) وغيرها من
مخيمات وقرى ومدن فلسطين تمثّل عناوين مشرّفة للصمود في مواجهة العدوان
الصهيوني المتواصل على الشعب الفلسطيني، فإن مدينة ((الفلوجة)) باتت تمثّل
عنواناً جديداً لصمود هذه الأمة، ولكن في مواجهة عدوان غاشم آخر، هو العدوان
الأمريكي، الذي يكتوي الشعب العراقي بنيرانه منذ أكثر من عام ونصف.
لقد تعرّضت الفلوجة، هذه المدينة الصامدة الشامخة بأهلها الأشاوس الأبطال إلى
حرب إبادة جماعية قامت بها قوات الاحتلال الأمريكي مستخدمة أبشع الأسلحة
الفتّاكة، ولكن ذلك لم ينل من عزيمة وإرادة أهل الفلوجة، الذين سجّلوا بصمودهم
المشرّف نموذجاً جديداً في المقاومة والتضحية والاستشهاد، وتمكّنوا بإمكانياتهم
المحدودة -قياساً بإمكانيات الاحتلال الأمريكي- من تكبيده خسائر باهظة في
الأرواح والمعدّات.
وإذا كنا نسجّل للشعب العراقي –وأهل الفلوجة جزء لا يتجزأ منه– هذه المقاومة
الباسلة، وهذا الصمود المشرّف، فإنه ليؤسفنا أن نسجّل هذا الصمت المطبق، الذي
يلفّ أمّتنا العربية والإسلامية إزاء هذه المجازر الوحشية التي ترتكب بحق
إخواننا وأهلنا هناك، نستثني من ذلك بعض الأصوات القليلة التي صدرت مندّدة بما
تتعرّض له الفلوجة.
بل إن الأشد أسفاً وألماً، هو صدور بعض الفتاوى من بعض علماء السلاطين، الذين
شكّكوا بشرعية الجهاد والمقاومة في العراق، على اعتبار أن الجهاد يحتاج إلى إذن
ولي الأمر (وهو غازي الياور في الحالة العراقية!).
وحسناً فعلت ثلة من علماء الجزيرة العربية، الذين أصدروا بيانهم الجريء مؤكدين
على شرعية المقاومة العراقية في مواجهة الاحتلال الأمريكي الغاشم، ناسفين بذلك
الأسس الهشّة التي قامت عليها فتاوى علماء السلاطين المذكورين.
لقد كشفت معارك الفلوجة عن وحشية الاحتلال الأمريكي ولا إنسانيته، ولعلّ أصدق
دليل على ذلك قيام أحد الجنود الأمريكان بالإجهاز على المواطن العراقي الجريح
في بيت من بيوت الله دون مراعاة لحرمة الإنسان، ولا لحرمة بيت الله.
إن سيطرة القوات الأمريكية على مدينة ((الفلوجة)) إذا تحققت بالفعل، لم ولن
يوقف المقاومة العراقية، فهذه المقاومة انطلقت بسبب وجود الاحتلال، ولن تتوقف
إلا بجلائه أو دحره.. هذه هي سنن الشعوب المحتلة في مواجهة المستعمر والمحتل.
والشعب العراقي ليس بدعاً من الشعوب، وهو شعب يختزن في وعيه وذاكرته حضارة أمة
عظيمة، وينتمي إلى جغرافيا كانت في يوم من الأيام حاضرة من حواضر الخلافة
الإسلامية. لذا فإن على الاحتلال إدراك هذه الحقيقة، وعليه أن يتذكّر ما جرى له
في فيتنام في يوم من الأيام.
رحم الله شهداء الفلوجة والشعب العراقي، والخزي والعار للأمريكان وعملائهم
وأذنابهم.
التحرير