بعد تحليق طائرة ((مرصاد واحد)) التابعة لحزب الله فوق الأراضي الفلسطينية
المحتلة، تبادر إلى الذهن سؤال بسيط: لماذا ردّ الفعل الإسرائيلي الهستيري
والمرعوب من طائرة استطلاع معروفة وظائفها وإمكانياتها وحجمها وقدراتها، ولا
يرتعب العدو الصهيوني من مئات الطائرات العربية المقاتلة التي تختفي –إن لم نقل
تختبئ- في المطارات العربية، وهي المصنّفة من أحدث الطائرات في العالم، ولها
قدرات دفاعية وهجومية، وأنفق العرب في شرائها مئات الملايين من الدولارات.
الجواب على هذا السؤال بسيط ويرجع إلى النقاط التالية:
- إن هذه الطائرة تتبع –سياسياً وعسكرياً- لقوة من قوى المقاومة اللبنانية
العربية الإسلامية، التي واجهت الاحتلال ودحرته عن جنوب لبنان. والعدو يخشى من
العرب أي مظهر أو أي شكل من أشكال المقاومة.
- إن قرار تحريك هذه الطائرة وتوجيهها يرجع للمقاومة وللمقاومة وحدها. وبذلك
فهي تختلف عن باقي الطائرات التي يكون قرار تحريكها مرتبطاً بمعادلات وتوجهات
ومرتهنة لأكثر من جهة. فتحريك طائرة ((مرصاد واحد)) يعود للمقاومة ولها فقط،
وهي بالتالي المخوّلة بتحديد وقت طلعاتها وعمق توغلها، وهي بالتالي تخضع لقرار
حزب الله، الذي وإن تعمّد اليوم أن لا يجهّز هذه الطائرة بعبوات أو قذائف وهي
قادرة على حمل 40 كيلوغراماً من المتفجرات، فإن الحزب قد يبدّل رأيه هذا إذا
اقتضت الظروف وقد يرسل الطائرة لمهمات عسكرية أو حربية، إذا استدعت المصلحة.
- توقيت إطلاق الطائرة كان مفاجأة للإسرائيليين. فالطائرة أطلقت من جنوب لبنان
على مقربة من الحدود وعلى تماس مع أجهزة الإنذار والرادار والمراقبة، حلّقت
حوالي عشرين دقيقة فوق المناطق الشمالية من فلسطين المحتلة، وشاهدها
المستوطنون، فيما لم تتحرك آليات المراقبة ولم تطلق الصواريخ باتجاهها، ولم
تقلع الطائرات الصهيونية لإسقاطها. وبهذا يكون حزب الله فعلاً شكّل مفاجأة
استخبارية أمنية وحقّق هدفاً نوعياً في مرمى الإسرائيليين، الذين كعادتهم
حاولوا تطويق إنجاز حزب الله هذا من خلال الادعاء بأن الطائرة هي من صنع إيراني
وأن قرار إطلاقها هو قرار سوري – إيراني، وأن خبراء من الحرس الثوري الإيراني
أشرفوا على إطلاقها وأداروا حركتها من غرفة عمليات في جنوب لبنان. وهو ما تعمّد
الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الرد عليه، والتأكيد بأن الطائرة
تصنيعاً وتسييراً هي من إعداد وتنفيذ كوادر لبنانية في حزب الله.
- تحليق الطائرة فوق المناطق الفلسطينية الشمالية المحتلة كان له أثر نفسي عند
المستوطنين. فصار هؤلاء يعتقدون أن حزب الله قادر على الوصول إليهم في العمق
الصهيوني عبر وسيلتين: الصواريخ والطائرات. ولا أحد يعلم منهم ما هي الوسائل
التي سيصل من خلالها حزب الله إليهم في الفترة القادمة. لذلك بات قادة العدو
الصهيوني يحذرون من الرد على أي استهداف يطالهم من لبنان بسبب سياسة الردع
والتوازن التي تؤثّر على الوضع في المنطقة، وهذا ما حصل مع عملية إطلاق صاروخي
كاتيوشا من جنوب لبنان، باتجاه مستوطنة ((شلومي))، إذ اكتفى العدو بالمواقف
الإعلامية والتهديد الكلامي.
ولا شكّ أن الأجواء في المنطقة منذ أربعة أعوام خدمت حزب الله في تحريك طائرته
هذه. فالعدو واصل بعد انسحابه من لبنان انتهاك الأجواء والأراضي والمياه
اللبنانية، وطائراته تجوب كل يوم سماء لبنان من شماله إلى جنوبه، وتخرق جدار
الصوت فوق المدن ما يرعب السكان، والزوارق الصهيونية تتعدى على المياه
الإقليمية وجنود الاحتلال يتجاوزون الشريط الشائك باستمرار. وتكتفي الأمم
المتحدة بالرصد وتسجيل عدد الانتهاكات، ويكتفي المبعوث الشخصي للأمين العام
للأمم المتحدة ستيفان دي ميتسورا بالطلب من الاحتلال ((احترام الخط الأزرق)).
ويسجّل أن الدولة اللبنانية ووزارة الخارجية كانت تلفت نظر الأمم المتحدة
باستمرار إلى الخرق الإسرائيلي، لكن سلطات الاحتلال الصهيوني ظلت متمسكة
((بحقّها)) في استباحة الأجواء اللبنانية.
وكان من اللافت في هذا المجال حالة التفهّم الكبيرة التي أبدتها السلطات
الرسمية اللبنانية لإنجاز طائرة ((مرصاد 1)) وكذلك التأييد الحزبي والشعبي
اللبناني، مما وفّر مناخاً جيداً لحزب الله وخطّ دفاع حصيناً ضدّ محاولات تشويه
هذا الإنجاز والقفز عليه.
بقي أن نشير إلى أن المحصلة النهائية لما أفرزته طائرة ((مرصاد 1)) إسرائيلياً
هي أن حزب الله يواصل تسلّحه وعينه يقظة على الحدود. وأن الكيان الصهيوني يعيش
أزمة وجودية حقيقية فمن الشمال طائرة تخترق أجواءه، ومن الجنوب صواريخ المقاومة
الفلسطينية تهطل على مستوطنيه، ومن الناحية الاستراتيجية تعتبر الخطوتان نجاحاً
استراتيجياً للمقاومة في فلسطين وتطوراً نوعياً في المواجهة. لذلك ليس غريباً
أن يقول شاؤول موفاز وزير الحرب الصهيوني إن الاستراتيجية الأساسية لكيانه في
العشر سنوات القادمة تشمل ضرب المقاومة في فلسطين ولبنان وإضعاف سوريا وتهديد
إيران. لكن يبدو أن حسابات موفاز لا تطابق الواقع.
الكيان الصهيوني يعيش أزمة هاجس
فشل اكتشاف الطائرة
أصيبت الطبقة السياسية الحاكمة في الدولة
العبرية، وكذلك مؤسستها الأمنية بحرج شديد عندما أعلن حزب الله تحليق طائرة
استطلاع بدون طيار تابعة له فوق التجمعات السكانية اليهودية شمال فلسطين. وزاد
الحرج عندما وثق حزب الله لهذا الإنجاز الأمني الكبير بعرض صور للطائرة وهي
تحلق بكل حرية فوق المدن الإسرائيلية، حيث حلقت الطائرة فوق مدينة ((نهاريا)).
جيش الاحتلال والأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية عادة ما تباهي بكل ما تملكه من
تقنيات متقدمة، وتحديداً شبكات للإنذار المبكر التي بإمكانها إعطاء تحذير مسبق
لسلاح الجو الإسرائيلي لكي يقوم بإسقاط أي طائرة معادية حتى قبل أن تدخل المجال
الجوي لفلسطين، لكن تمكن الطائرة التي أطلق عليها حزب الله ((مرصاد واحد)) من
التجول بكل هذه الحرية في الأجواء فوق التجمعات السكانية اليهودية في شمال
فلسطين، دل على أن هذا التباهي في غير محله. والذي فاقم الأزمة هو أن الجيش لم
يفطن لاختراق الطائرة، بل سكان المدن اليهودية هم الذين أخبروا الجيش بوجود
الطائرة في الأجواء، وحتى هؤلاء لم يتنبهوا لها لرؤيتهم بالعين المجردة في بادئ
الأمر، بل عندما تأثرت أجهزة الاتصال والاستقبال الرقمية التي يقتنونها بوجود
الطائرة في الجو.
عرض حزب الله لصور الطائرة فضلاً عن التصريحات التي أدلى بها أمين عام حزب الله
السيد حسن نصر الله الذي تهكّم فيها على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عارضاً
بشكل ساخر استعداد حزب الله لبيع الطائرة لكل من يرغب، فاقمت أوضاع المؤسسة
الأمنية حرجاً، بشكل أدى إلى حملة تبادل الاتهامات بين أذرع الجيش والاستخبارات
المختلفة. فسلاح الجو يحمّل جهازي الموساد والاستخبارات العسكرية المسؤولية عن
عدم تقديم معلومات استخبارية حول القدرات الجديدة لحزب الله، في حين تعتبر
المؤسسة الاستخبارية أن الفشل هو فشل سلاح الجو وقيادة المنطقة الشمالية في
الجيش على اعتبار أنه كان بالإمكان إسقاط الطائرة، واختصار كل ما جرى.
جرّاء الجدل الذي لا زال متواصلاً حول الحادثة تم تشكيل لجنة تحقيق عسكرية
داخلية لتفحص سبب عدم تمكن أجهزة الاستطلاع المبكر المنصوبة في شمال فلسطين من
رصد الطائرة. الاستنتاج الذي توصل إليه الكثيرون داخل الدولة العبرية وهي أن
الوهم الذي تحاول المؤسسة الأمنية زرعه من أن العمق الاستراتيجي للدولة العبرية
وجبهتها الداخلية محصنة من أي اختراق من المحيط العربي لم يعد ينطلي على أحد
بعد هذه الحادثة. فقدرة اختراق طائرة استطلاع أجواء الدولة العبرية يعني أن
طائرة عسكرية أخرى بإمكانها أن تخترقها إن كان هناك ثمة من يرغب في المحاولة.
إن كان من لحظات قليلة تجمع فيه وسائل الإعلام فضلاً عن النخب السياسية في
الدولة العبرية على انتقاد الجيش فإن هذه الحادثة قد مثلت فرصة نادرة لحدوث هذا
الأمر. فقد قال رئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة ((للكنيست)) يوفال شطاينيتس
((إن ما تمّ هو في الحقيقة فشل كبير واختراق يصعب تبريره)). كبار المعلقين
العسكريين وكبار ضباط سلاح الجو الإسرائيلي المتقاعدين الذين تمّت استضافتهم
لوقت طويل في البرامج الحوارية وفي نشرات الأخبار التي بثتها قنوات التلفزة
الإسرائيلية للتعليق على هذه الحادثة زرعوا الفزع في نفوس مشاهديهم، عندما
لفتوا أنظارهم إلى أنه بإمكان طائرة الاستطلاع التي أطلقها حزب الله أن تحمل
متفجرات من أنواع مختلفة وأن يتم بواسطتها مهاجمة مركز التجمعات السكانية
اليهودية في الشمال. ويجب أن نشير هنا إلى حقيقة باتت معروفة للجميع في الضفة
الغربية وقطاع غزة، وهي أن عدداً من عمليات الاغتيال التي تنفذها (إسرائيل) ضد
قادة وكوادر المقاومة الفلسطينية خلال العام الأخير وتتم من الجو تنفذ بواسطة
طائرات استطلاع بدون طيار، وليس بواسطة مروحيات ((أباتشي))، كما كانت عليه
الأمور في السابق. لذلك هناك أساس للاعتقاد أنه قد يتم استخدام هذه الطائرة من
قبل حزب الله لتنفيذ اغتيالات ضد قادة الدولة العبرية. الكثير من الجنرالات
المتقاعدين من رأى في الحادثة دليلاً على حجم الخطر الذي يمثله حزب الله في
معادلة الصراع الحالية، على الرغم من أنه في النهاية مجرد تنظيم وليس دولة.