|



































| |
|
التوجّهات السياسية للسلطة
الفلسطينية بعد رحيل عرفات |
القدس/مها عبد الهادي
لا شك بأنّ المرحلة الانتقالية التي بدت لجميع الأطراف بعد رحيل رئيس السلطة
الفلسطينية ياسر عرفات سلسة وهادئة، ما تزال محفوفة بالمخاطر لأن القوى المؤثرة
التي تسير نحو الحقبة السياسية الجديدة تواجه العديد من الاستحقاقات: سياسيّة
وتنظيميّة وقانونية، سواء من ناحية الوضع الداخلي الفلسطيني، أو من ناحية
التعاطي مع شروط الأطراف الخارجية وعلى رأسها الكيان الصهيوني فضلاً عن
اضطرارها للتعامل مع المعطيات الدولية الجديدة.
لكن يبقى أخطر ما يواجه هذه القيادات الوارثة الاستحقاقات على الساحة الداخلية
الفلسطينية كونها المقياس الذي يتقرر على أساسه من يتحمل مسؤولية تأمين الشروط
الضرورية لصيانة وحدة البنية التنظيميّة والسياسيّة للشعب الفلسطيني، بكلّ ما
تحتويه البنية التنظيميّة من مكونات فصائل ومؤسسات وقوى فلسطينية في إطار منظمة
التحرير الفلسطينية، وفصائل وطنية وإسلامية تكونت خارج هياكل منظمة التحرير
الفلسطينية.
وكما يبدو فإنّ القوة الفاعلة التي باتت تمتلك قرار السلطة الفلسطينية، والتي
تخطو على جسر الانتقال إلى الحقبة الجديدة في مرحلة ما بعد عرفات هي اللجنة
المركزية لحركة فتح. وقد أثبت الأيام القليلة الماضية، التي تلت رحيل عرفات،
أنّ اللجنة المركزية لحركة فتح تصدت للمهام الطارئة، وأدارت أزمة توزيع
المسؤوليات بانضباطيّة مرتبة، وبادرت إلى اتخاذ إجراءات تنظيمية وإدارية في
الساحة الفلسطينية، وإجراءات تعبويّة داخل حركة فتح.
من هنا أجرى أبو مازن اتصالات واجتماعات عدة منذ رحيل عرفات سارت في اتجاهين:
الأول داخل أطر حركة فتح، حيث تسعى قيادتها إلى التوافق على ترشيحه لرئاسة
السلطة الفلسطينية، والثاني باتجاه الفصائل الفلسطينية بغية التوصل إلى قاسم
مشترك يمكّن من وضع استراتيجية حد أدنى للمرحلة المقبلة وترتيب البيت الفلسطيني
الذي يعتبره أولوية في مرحلة تحتاج إلى إعادة بناء وترتيب وفق المعطيات
والمتغيرات الجديدة.
وفي ظل هذه التطورات تبقى أسئلة ملحة تدور حول النهج الذي ستتعامل به قيادة
السلطة الجديدة بهذه التشكيلة تجاه قضايا مهمة وحساسة في الشأن الفلسطيني
خصوصاً فيما يتعلق بكيفية إدارة الأزمة السياسية والانتفاضة وخطة فك الارتباط
والتعامل مع سلاح المقاومة....
مسيرة التسوية
نما داخل سلطة الحكم الذاتي منذ فترة تيار سياسي استمد قوته من ارتباطه بياسر
بعرفات، يرى هذا التيار أن الدولة الفلسطينية هي المشروع السياسي معتبراً أن كل
المواضيع خارج هذا الإطار هي تفاصيل، لكن هذا التيار اختلف ولأسباب غير معروفة
مع عرفات في مسألة الثوابت: حق العودة, حدود الرابع من يونيو/حزيران,
إزالة المستوطنات.. وكان عرفات في قراءة للواقع أكثر تمسكاً بها وهو ما يكشف
بعض آفاق تحرك القيادة الجديدة.
فهذه القيادة باتت في مرحلة اختيار بين موقفين: إما فرض موقفها بالقوة, وهي
بلا شك غير قادرة على ذلك، وبين العمل لإنجاز الوحدة سواء داخل حركة فتح أو مع
القوى الأخرى, أو بالحفاظ على الوحدة الوطنية بشكل عام من أي اقتتال داخلي.
لكن هذه القيادة بالمؤكد لن تستطيع أن تكون متفردة في مسألة القيادة، لأن هذه
الميزة انحسرت كثيراً بعد عرفات، وهذا يعني أنها لا تستطيع أيضاً أن تدخل في
مواجهة مسلحة مع حركات المقاومة الفلسطينية من كتائب الأقصى وحتى الجهاد وحماس
والشعبية، لأن الشعب الفلسطيني لن يتسامح في حال نشوب أية مواجهة مسلحة في ظل
الاحتلال.
العلاقة مع قوى المقاومة
إن الامتحان الذي حدده شارون للقيادة الفلسطينية في مرحلة فك الارتباط كان
مواجهة قوى المقاومة الفلسطينية، وهو ما يسميه بوش وبلير التجاوب أمنياً مع
المقترحات الصهيونية, وما يسميه شارون تفكيك البنى التحتية ((للإرهاب)).
ومن المرجح أن تلجأ القيادة الفلسطينية الجديدة للالتفاف على هذا المطلب بأمر
آخر.. بأن تقنع فصائل المقاومة بالهدنة ووقف إطلاق النار من طرف واحد,
وستحاول إقناع كتائب الأقصى بوسائل شتى بإنهاء فوضى المظاهر المسلحة، وإن
كان ذلك لن يقنع شارون الذي لن يكتفي بهدنة بل سيصر على ((مكافحة الإرهاب))
كشرط لإشراك القيادة الجديدة في مشاورات على عملية فك الارتباط أيضاً. وهو ما
يرجح بأنه سيستمر في تعزيز مظاهر الاحتلال من بناء الجدار وتعزيز الاستيطان في
الضفة باستفزاز مظاهر المقاومة.
وهذه الحقائق ربما هي التي دفعت ((كتائب شهداء الأقصى)) إلى استباق الموضوع
وإصدار بيان تفصيلي يوضح مواقفها تجاه استمرار المقاومة، حيث أكدت في بيان لها
بعد أيام قليلة من وفاة عرفات عزمها مواصلة الكفاح المسلح ضد الكيان الصهيوني
وعلى ((حماية المشروع الوطني الفلسطيني بالدماء))، وقال البيان ((سنكون الرصاصة
القاتلة في قلب المحتل، والحائط المنيع ضد كل المؤامرات، والسند والعون لكل
الشرفاء)).
وحول مصير المقاومة أكد أن المقاومة الفلسطينية باتت استراتيجية للشعب
الفلسطيني حتى وإن رفضها جزء من هذه القيادة التي تتولى الآن قيادة الشعب
الفلسطيني وعلى رأسها أبو مازن، والذي يعتبر أن عمليات المقاومة المسلحة أضرت
بالقضية الفلسطينية، ويطالب بالعودة إلى الانتفاضة السلمية والمفاوضات مع
الاحتلال الصهيوني.
ترقّب صهيوني
وكما نقلت الأوساط الصهيونية فإن الدولة العبرية تنتظر تبلور القيادة الجديدة
التي ستخلف عرفات. وتلخص هذه المؤسسة الموقف الحالي بسيطرة ((الحرس القديم))
على الوضع و((رغبته الواضحة في وضع حد للإرهاب)).
وهذا سيعطي برأيهم فرصة لشارون لإحياء اقتراحاته في تلك الفترة والمتعلقة
بمرحلة انتقالية طويلة المدى تتضمن دولة فلسطينية على المناطق ((أ)) و((ب))، أي
على 40% من الأرض من دون أن تضطر القيادة الجديدة إلى التوقيع على وضع القدس أو
على قضية الحدود النهائية، وبعد الاعتراف بيهودية (إسرائيل)، وهو اعتراف لا
حاجة بعده للتنصل من حق العودة.
ويرى شارون أن هذا الاقتراح يريح القيادة الجديدة من التنازل عن الثوابت رسمياً
ويسمح بقيام دولة صغيرة لمدة عشرين عاماً مثلاً، تفتح بعدها خيارات
الكونفيديرالية مع الأردن وغيرها. لكن شرطه الأول والأساسي قبل الوصول إلى
مناقشة ذلك هو وقف المقاومة. وهو يدعو القيادة الجديدة إلى ((مكافحة الإرهاب))
من دون أن تلتزم الدولة العبرية بأي هدنة.
وتؤكد التصريحات الصهيونية الصادرة حتى الآن أن الدولة العبرية لن تقدّم
أفكاراً جديدة غير تلك التي كانت ووضعت على الرف في السنوات الثلاث الأخيرة،
وغير تلك التي طرحت خلالها تجاوباً مع إلحاح الولايات المتحدة أو لتشجيع عناصر
في القيادة الفلسطينية على المطالبة بتغيير المسار في ظل عرفات، أو ((لأن العنف
وحده في قمع الانتفاضة لا يكفي)).
كما يرجح أن الدولة العبرية ستسارع إلى تنفيذ خطة فك الارتباط من طرف واحد في
غزة، وحتى اليسار الصهيوني الذي كان غياب التفاوض وغياب الاتفاق مع الفلسطينيين
هو اعتراضه الوحيد على الخطة، فتخلّى فجأة عن هذا المطلب وبات يطالب بشدة بعدم
تأجيل تطبيق فك الارتباط من طرف واحد. فاليسار الصهيوني يعتبر قرار شارون سحب
المستوطنات من القطاع فرصة تاريخية لا يجوز تفويتها، على رغم ما في هذا التأكيد
من اعتراف بعجزه الذاتي عن تنفيذ هذه المهمة.
لكن شارون لا يزال يرى بأن العوامل الفلسطينية التي يجب أن تتوفر لتطبيق أحد
سيناريوهات التفاوض ليست قائمة بعد، وحتى لو تم التفاوض فإن موضوع غزة أصبح
بفضل إعلانه عن خطته للانسحاب منه خارج التفاوض، بمعنى أن الدولة العبرية تريد
الخروج من غزة في كل حال. وبالعكس، فإن الخروج من قطاع غزة سيضطر الأجهزة
الأمنية الفلسطينية والمسؤول عنها إلى الإسراع في اتخاذ قرارات كانت تؤجل في
الماضي بحجة وجود عرفات، الذي كان يصر على بقاء الأجهزة الأمنية تحت إمرته
الحصرية.
ويرى شارون بأن فك الارتباط سيدفع القيادة الفلسطينية الجديدة إلى تجميع
الأجهزة الأمنية بسرعة تفادياً لصدام بينها قد يقود لصراعات أخرى داخل السلطة
وحركة فتح. وبعد ذلك سيكون عليها اقناع الفصائل الفلسطينية بهدنة من طرف واحد
من دون تشكيل قيادة وطنية موحدة خارج السلطة، فإذا ما نجحت السلطة بالقيادة
الجديدة في مسألة الهدنة، يتم بعد فك الارتباط التفاوض على أجزاء من الضفة
وعلاقتها مع غزة، ووضع السلطة الفلسطينية وصلاحيتها، وطبيعة علاقتها مع الكيان
الصهيوني ومدى سيطرتها على المعابر، وإمكان تفعيل الميناء والمطار وما يدخل وما
يخرج من وإلى غزة.
وكان شارون قد أعلن في وقت سابق بأن حكومته ستنفذ فك الارتباط في غياب شريك.
أما إذا توفر الشريك فهنالك شروط صهيونية معروفة لتحديد توفره.
وقال شارون إنه سينظر في تنسيق الانسحاب من قطاع غزة مع قيادة فلسطينية جديدة
إذا وضعت حدا للهجمات على (إسرائيل). وقال للصحافيين في منزله في القدس ((إذا
تبين لنا، مع الوقت، أن القيادة الفلسطينية الجديدة مستعدة لمكافحة الإرهاب،
فربما يمكننا التوصل إلى اتفاق تنسيق أمني في شأن الأراضي التي يجب إخلاؤها)).
بل إن هناك توقعات أن تعمد الدولة العبرية وأمريكا لتقديم بعض المبادرات
للتواصل مع القيادة الفلسطينية الجديدة ((المعتدلة))، سواء في صورة تخفيف
الضغوط على الشعب الفلسطيني وسحب الوحدات العسكرية وفتح المعابر، أو تقديم
معونات ومساعدات تعين هذه القيادة عملياً خصوصاً أن كلاً من واشنطن وتل أبيب
اعتبرتا عرفات عقبة.
وقد ظهرت بوادر هذا في صورة إعلان لوزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم 28
تشرين الأو/أكتوبر 2004 قال فيه: ((إن (إسرائيل) مستعدة بشروط لإعادة الحوار مع
القيادة الفلسطينية التي قد تخلف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في حال وفاة هذا
الأخير))، وإن ((قيام هذه القيادة الفلسطينية سيدفع إلى حصول تنسيق معها بشأن
الانسحاب من قطاع غزة)) وهو الأمر الذي ترفض الدولة العبرية القيام به مع قيادة
عرفات الذي تتهمه بالتشجيع على الإرهاب.
الانتخابات: عنوان مرحلة
تصدرت قضية الانتخابات عناوين المرحلة الجديدة بعد عرفات في محاولة لإضفاء
الشرعية على القيادة الجديدة.
لكن هذه المسألة لا يزال الخلاف واضحاً بشأنها, حيث أعلنت السلطة أنها ستجري
ترتيبات لانتخاب رئيس جديد للسلطة الفلسطينية خلفاً للرئيس عرفات, في حين تطالب
الفصائل بأن تكون الانتخابات ((رزمة واحدة)) أي لرئاسة السلطة, وللمجلس
التشريعي, وللبلديات أيضاً.
وقد أعربت قوى المعارضة الفلسطينية عن رغبة في المشاركة في القيادة من دون أن
تشارك في السلطة. ولا يجد استعدادها هذا الكثير من التجاوب لدى السلطة
الفلسطينية الجديدة، لأن هذا سيعني تقييد القيادة التي ستخلف عرفات داخل فتح
وتكبيل يدي السلطة عن اتخاذ القرار السياسي بموجب الخط الذي ميّزها وعرفت به
حتى الآن.
وفي إطار هذه الصورة غير مكتملة الملامح في مدى قدرة القيادة الفلسطينية على
إدارة الدفة والسير في القضية مع الشعب الفلسطينى نحو أهدافه وطموحاته، أو
العجز عن تحقيق الآمال، سيبقى المستقبل رهين كل هذه التطورات التي ستحدد إلى
أين ستتجه بوصلة القيادة الفلسطينية الجديدة.
تابع موضوع الغلاف هنا |
| |
|