المقاومة
العراقية بين التشويه والترشيد
لا نحتاج إلى كثير من الذكاء أو التدقيق كي ندرك حقيقة ما تتعرض له المقاومة
العراقية من محاولات محمومة لتشويهها ومحاصرتها بكل الوسائل المتاحة. والحال
أننا بإزاء معركة لا بد أن تكون طبيعية، أكان بالنسبة للولايات المتحدة
الأمريكية أم من يتعاونون معها من العراقيين، أم بالنسبة للدولة العبرية التي
تقف على أصابع قدميها بسبب ما يجري في العراق مما يؤثر تأثيراً مباشراً على
مستقبلها.
ليس ذلك من قبيل المبالغة في شيء، فلولا المقاومة العراقية لكان البرنامج
الأمريكي في العراق في أحسن أحواله، ولكان شارون في طور الاحتفال بسحق إرادة
الفلسطينيين وانطلاق مشروع الهيمنة على الشرق الأوسط، ولكان من حق بوش أن يتقدم
صوب الانتخابات الرئاسية رافعاً الرأس من دون أدنى نظرة إلى غريمه في السباق.
في ضوء ذلك تبدو المقاومة العراقية هي العدو الألد للاحتلال الأمريكي في
العراق، ويغدو من الطبيعي أن يعمل ذلك الاحتلال على محاربتها بكل الوسائل
السياسية والأمنية والإعلامية من دون هوادة ولا تردد، ذلك أن حقيقة المعركة
إنما تجري معها، وإذا لم يتمكن الاحتلال من ضربها سياسياً وأمنياً فإن مسار
المعركة سيمضي حثيثاً نحو هزيمة الاحتلال، حتى لو تمت تلك الهزيمة طوعياً
بانسحاب المحتلين تدريجياً وتسليم السيادة إلى عراقيين لن يتمكنوا في واقع
الحال من الحفاظ على نفوذهم، لأن الشارع سيعود إلى من حرروه وليس إلى من قطفوا
ثمرة جهد الآخرين.
في ضوء ذلك لا بد أن يتابع المعنيون بالملف العراقي وتالياً بملف المنطقة
والمخطط الصهيوني لترتيب أوراقها، لا بد أن يتابعوا مخطط الاحتلال لضرب
المقاومة العراقية وإسكات صوتها.
بعيداً عن المسار الأمني أكان بيد الاحتلال أم بيد العراقيين، فإن بالإمكان رصد
أكثر من مسار في إدارة المعركة، ولا شك أن المسار الإعلامي هو الأهم، وهو الذي
كان حاضراً منذ الأسابيع الأولى لبروز تلك المقاومة بعد شهر واحد من الاحتلال.
فقد دأب المحتلون على إقفال جميع المنافذ التي يمكن أن تطل من خلالها المقاومة
على الإنسان العراقي، وكذلك على الشارع العربي والإسلامي، فضلاً عن الرأي العام
العالمي.
كان المخطط يقضي بالحيلولة دون وصول الخبر، فضلاً عن الصورة إلى الناس من خلال
مطاردة وسائل الإعلام. والصورة هنا ليست صورة الفعل المقاوم فقط، وإنما أيضاً
صور الانتهاكات اليومية لجنود الاحتلال بحق الناس، وذلك في مقابل التركيز على
العمليات التي تصيب المدنيين العراقيين، أكانت من بعض قوى المقاومة نفسها، أم
كانت من نوع الاختراقات أو العمليات الثأرية في بلد فيه الكثير من الفوضى.
لم تنفرج اللعبة على المقاومة إلا في فترات محدودة كما هو حال معركة الفلوجة
والنجف وكربلاء، ومدينة الصدر، غير أنها عادت من جديد إلى ذات خطها القديم،
وذلك إثر خضوع الفضائيات العربية لاستحقاقات التهديد الأمريكي بعد أن وجد
المحتلون أن مصيرهم لم يعد معلقاً بالمقاومين فقط، وإنما بالتغطية الإعلامية
التي تجيّش الشارع العراقي والعربي والإسلامي خلف المقاومة.
عاد المسار الإعلامي بعد معركة الفلوجة إلى حاله القديم ولم يعد بإمكان
المقاومة الخروج من هذه الأزمة بعد أن انحصرت أخبارها في العمليات التي تستهدف
الشرطة وتصيب المدنيين العراقيين فيما تغيب في العمليات الكثيرة التي تستهدف
جنود الاحتلال، تلك التي لا يتم التعاطي معها إلا من خلال المصدر العسكري
الأمريكي.
ليس بعيداً عن المنظور الإعلامي ولكن في الجانب السياسي تأتي قصة أبو مصعب
الزرقاوي لتشكل جزءاً مهماً من لعبة الحرب على المقاومة، وهو ما يذكرنا
بالمرحلة الأولى من تلك الحرب، وحيث كان التركيز على مقولة أن المقاومة هي فلول
النظام السابق والإرهابيين الأجانب، وفيما اعتقل صدام حسين وتصاعدت المقاومة
إلى جانب العجز عن توفير أدلة على حكاية المقاتلين الأجانب، فقد وجد المحتلون
في حكاية الزرقاوي ملاذاً مناسباً.
في هذا السياق من العبث القول إن الحكاية المذكورة ليست حقيقية، ذلك أننا بإزاء
رجل معروف وموجود بالفعل، ويبقى أن الأمر في حاجة إلى تدقيق، إلى جانب ما هو
أهم ممثلاً في الترشيد الذي لا بد منه لكي لا يتحول الرجل إلى عنصر ضار
بالمقاومة وأهدافها.
الزرقاوي هو جزء من ظاهرة الإسلام السلفي الجهادي الذي يعد أسامة بن لادن رائده
الأبرز، لكن الزرقاوي لا يبدو على صلة واقعية ببن لادن بقدر ما هي صلة الفكرة
والمسار، بل إن من يقرأ رسالة هذا الأخير لبن لادن لا بد أن تستوقفه فقرة تشير
إلى خلاف في النهج بين الرجلين حيال الفئات المتعاونة مع الاحتلال . ففي حين
يرى الزرقاوي قتالهم، فإن بن لادن يرى التركيز على قوات الاحتلال.
من جانب آخر، يمكن القول أن نسبة كل تلك العمليات للزرقاوي تبدو لعبة عبثية،
لأن الرجل ليس بتلك القوة والإمكانات، لكنه بالمقابل يسر فيما يبدو بذلك
التضخيم الذي تتعرض له شخصيته ولا يجد حرجاً في قبول نسبة معظم العمليات إليه،
الأمر الذي يعكس غياب البوصلة السياسية والرؤية الواعية للمعركة الجارية في
العراق.
هنا يبدو من الضروري التذكير بتقرير الصحفي الأمريكي الشهير ((سيمور هيرش))
الذي تحدث عن سعي الإسرائيليين إلى اختراق قوى المقاومة، الأمر الذي يدفع إلى
وضع علامات استفهام حول كثير من الأعمال التي تنسب إلى الزرقاوي، وتهدف إلى
تشويه المقاومة من جهة، كما تهدف إلى حشد القوة الشيعية ضدها.
من هنا يبدو من الضروري لكثير من المؤمنين بأهمية المقاومة العراقية في سياق
الحيلولة دون نجاح المخطط الأمريكي للعراق والمنطقة أن يكون لهم دورهم في
إسنادها سياسياً وإعلامياً، إلى جانب تنقية صفها من الأعمال العبثية، وذلك من
خلال العلماء والمفكرين والسياسيين الذين لهم صوتهم ودورهم في واقع الأمة.
والخلاصة أن دفاع المقاومة العراقية عن الأمّة يلقي مسؤوليات كبيرة على القوى
الحية في سياق الدفاع عنها والحيلولة دون نجاح المحتل في ضربها وتشويهها.