المبادرة المصرية في مهبّ التطورات والأزمات
في الدولة العبرية وسلطة الحكم الذاتي
القدس/مها عبد الهادي
رغم التطورات السياسية التي حفل بها شهرا حزيران/يونيو وتموز/يوليو الماضيين
(2004) إلا أن الحديث عن الدور المصري المتوقع عقب الانسحاب الإسرائيلي من غزة
تزايد بشكل واضح، خصوصاً أن الواقع السياسي بات يقول بأن الساحة الفلسطينية
مقبلة على تغيّرات جذرية، وأن المعادلة الفلسطينية سوف يصار إلى إعادة تشكيلها
وبناء مركّباتها وتوازناتها من جديد خلال المرحلة المقبلة.
فخلال هذه الفترة استمر موضوع الانسحاب من غزة وإخلاء المستوطنات اليهودية منه
والدور الأمني المصري المقترح والموقف الفلسطيني (الرسمي والفصائلي) مثار نقاش
وجدل في الساحتين الفلسطينية والإقليمية، وشابه الكثير من اللغط ومحاولة تصيد
المواقف والهجوم على هذا الطرف أو ذاك، لأنه سيكون العقبة أمام الانسحاب من
قطاع غزة أو بالأحرى إعادة الانتشار الإسرائيلية في قطاع غزة.
وكانت مصر قد طرحت منذ البداية خطتها على أساس خطة الانسحاب الكامل من قطاع غزة
مرة واحدة وضمن شروط متعددة، لكن ما حدث من تقسيم للخطة إلى مراحل وضرورة
الحصول على الموافقة من الحكومة الصهيونية كل مرة كان كفيلاً أن ينهي التعهد
المصري بالقيام بأي دور، لكن المصريين تعاطوا مع الموقف الصهيوني إلى آخر مرحلة
ممكنة، حرصاً منهم على أن تنسحب الدول العبرية من قطاع غزة كمرحلة أولى باعتبار
أن أي انسحاب هو إنجاز للفلسطينيين.
إجراءات ضدّ المبادرة
وهذه المبادرة التي أُتبعت بسلسلة زيارات لمسؤولين مصريين قوبلت بردود فعل
مشككة أو رافضة استقبلت بها حكومةُ شارون الوزيرَ عمر سليمان في زيارته الأخيرة
فضلاً عن إعلان قرارات تطيح بالمبادرة المصرية أصلاً منها:
1-نشر مناقصة في الصحف الإسرائيلية تتعلق بحفر خندق مائي على الحدود المصرية
الفلسطينية عرضه 51-52 متراً وطوله 4 كلم.
2- استمرار العقوبات الجماعية والعدوان العسكري بكل أشكاله؛ بما في ذلك
الاغتيال والقصف والاقتحام والاحتلال وحظر التجول وحملات الاعتقال وهدم المنازل
ومصادرة الأراضي ومواصلة الحصار رغم الحديث عن مهزلة إزالة الحواجز.
3- الإعلان عن نية (إسرائيل) إقامة مستوطنة على أراضي قرية الولجة جنوب القدس.
4- البدء في إقامة جدار الفصل العنصري حول القدس خاصة في ضاحية البريد والرام.
5- الشروع في إقامة الجدار حول مستوطنة أرئيل خلافاً للوعود الصهيونية لإدارة
بوش.
6- تصريح ((موفاز)) عن النية الصهيونية لنقل مستوطني قطاع غزة إلى الضفة.
7- تكثيف المستوطنات في الضفة والقدس، خصوصاً في الكتل الاستيطانية، وتوسيعها
وتحويل عدد من البؤر الاستيطانية العشوائية (وغير القانونية حتى بالقانون
الصهيوني) والمطلوب إزالتها فوراً حسب نص خارطة الطريق، إلى مستوطنات جديدة.
ورغم هذه الإجراءات تمحورت التحركات السياسية العربية والدولية والتغطية
الإعلامية العربية والدولية على موقف الجانب الفلسطيني الرسمي منه والفصائلي،
عن عدم استعداد ياسر عرفات للتخلي عن جزء من سلطاته أو كلها، وكأن ما ينقص
المبادرة هو الاستجابة الفلسطينية وليس الجانب الصهيوني.
عقبات وعراقيل
إن ما تم إغفاله في طرح المبادرة وما رافقها من إفرازات هو العراقيل والعقبات
الأخطر وأهمها:
1- غموض الموقف الصهيوني تجاه المطالب والشروط المصرية التي يتوقف عليها التدخل
المصري برمته. والموقف الصهيوني يمكن تلخيصه بأن شارون مهتم جداً بالدور المصري
الجديد، ولكنه يريد أن يحصر هذا الدور في الجانب الأمني، وفي مجال دعم الدولة
العبرية في تطبيق خطة الفصل أحادي الجانب. لذلك ميز شارون بين هذا الدور
المطلوب وبين أن تلعب مصر دور الوساطة بين (إسرائيل) والفلسطينيين، فأكد أثناء
لقائه مع وزرائه موفاز وشالوم قبيل لقائهما مع عمر سليمان على أنه لا ينوي
إتاحة المجال أمام مصر كي تلعب دور الوساطة بحيث تقوم بطرح تسويات بين
الإسرائيليين والفلسطينيين، لأن قيامها بهذا الدور سيبطل المبدأ الذي تقوم عليه
خطة الفصل وهو كونها أحادية الجانب. وهذا المبدأ أهم بالنسبة لشارون من
الإيجابيات التي ينطوي عليها الدور الأمني المصري. وأكد شارون على أن الاتصالات
مع المصريين ستتمحور حول المواضيع الأمنية مع التشديد على قضية تهريب الأسلحة
والوسائل القتالية. وأضاف شارون أن التطرق لأي مواضيع سياسية يلغي مبادئ خارطة
الطريق التي تنص، على حد زعمه، على عدم مباشرة المفاوضات مع الفلسطينيين قبل أن
يقضوا على ((الإرهاب)).
وما مورس عملياً على أرض الواقع أثبت بأن الدولة العبرية غير معنية بتهيئة
المناخ الملائم لإنجاح المبادرة المصرية بشكلها المطروح، وهو ما تجسد في مواصلة
حملة الاغتيالات والتدمير المنهجي في الضفة الغربية، وعدم الاستعداد لإخراج
قطاع غزة من دائرة الاستهداف الإسرائيلي عبر وقف الاغتيالات، وهو ما يجعل من أي
دور مصري مستقبلي في ظل استمرار الوضع الراهن موضع تساؤل وشك واتهام، شعبياً
وفصائلياً، وخصوصاً حال اقتصاره على الجانب الأمني، ويجعل مهمة المصريين في غزة
محفوفة بالمشاق والصعوبات.
2- التحفظات الفلسطينية: أثارت المبادرة المصرية ردود فعل متباينة في الساحة
الفلسطينية، تراوحت بين القبول الحذر والرفض والتحفظ تجاه هذه المبادرة، وكان
جوهر التباين في المواقف الفلسطينية هو الخوف من الانزلاق خلف خطط شارون
الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، عبر خطة الفصل أحادي الجانب التي يتبناها
رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون، والتي أصبحت فيما بعد خطة دولية بفضل الدعم
الأميركي اللامحدود لها.
ومن الطبيعي إن تواجه المبادرة المصرية وأية مبادرة أخرى بمثل ردود الأفعال هذه
لأن القضية ليست قضية خلافات شخصية، بل قضية وطن وأراضٍ محتلة وحقوق وطنية
مشروعة، لا يملك أحد حق التنازل عنها أو التفريط بها.
أما السلطة الفلسطينية فقد رحبت بهذه المبادرة بشكل حذر انطلاقاً من موقفها
التقليدي الذي يرحب بأية مبادرة لاستئناف وتحريك عملية التسوية، التي دخلت
عملياً مرحلة الموت السريري بعد مجيء شارون إلى السلطة، وهي أيضاً ليست في وضع
يمكنها من رفض أية مبادرات، بسبب الضعف والوهن الشديد الذي يعتري بنيتها، التي
لم تعد عملياً موجودة على الأرض إلا في قطاع غزة، الذي ما زالت تحتفظ فيه
بمؤسسات وأجهزة أمنية قوية ومتماسكة نسبياً.
بعض الفصائل الفلسطينية تحفظت على المبادرة المصرية كونها مبادرة أمنية وليست
سياسية، تتطرق إلى تفاصيل عملانية لكنها في الوقت نفسه تفتقر إلى خطة سياسية
تعالج جوهر الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، الذي هو صراع سياسي بالدرجة الأولى
وليس أمنياً، ورافعة سياسية يمكن أن تحصن المبادرة وتعطيها زخماً قوياً، مما
يجعل من السهل على الطرف الصهيوني الالتفاف حولها وتفريغها من محتواها، بل وحتى
تسخيرها لخدمة خطة الفصل أحادي الجانب.
ولم يكن ممكناً بأي حال إخفاء مشاعر التوجس والتحفظ التي أعلنت عن نفسها في عدد
من البيانات والتصريحات التي صدرت من أكثر من مستوى، إن كان على صعيد السلطة
نفسها أو ما صدر عن حركة حماس من إشارات ذات دلالات ومغزى وغيرها من قوى العمل
الفلسطيني التي ترفض اقتصار الدور المصري على الجانب الأمني فقط دون السياسي.
3- كما أن القطع بحتمية مسار وخطة شارون، وفي إطارها الدور المصري، والجزم
بحدوثه، يغفل طبيعة الوضع الفلسطيني المعقد، المائج بالتقلبات والمفاجآت
والأزمات، إذ تكفي عدة عمليات فدائية من العيار الثقيل لنسف كل شيء، وقلب
الطاولة رأساً على عقب، بل وقتل خطة شارون في مراحلها الأولى، والحكم عليها
بالانتهاء عملياً، أو تجميدها، أو التلاعب بها وإدخال تعديلات جديدة عليها، مما
يعني أن خطة شارون، ومعها الدور المصري، ستبقى رهينة الواقع الميداني وتطوراته
الملتهبة.
4- والنقطة الرابعة التي أغفلت هي التنبّه إلى الواقع الصهيوني الداخلي، ورصد
تفاعلاته واستقطاباته في ظل تأرجح حكومة شارون واهتزاز ائتلافه الحاكم، فلا
يمكن الجزم ببقاء الأمور على حالها في بيئة سياسية تصطبغ بالمكر والخديعة وسرعة
تغير التحالفات، ولا يمكن التكهن بمستقبل الخارطة السياسية الصهيونية في ظل ما
قد يستجدّ من أحداث، ومدى قدرة شارون على الاحتفاظ بائتلافه حتى النهاية.
بدائل واقتراحات
والنقطة الأخيرة أنه حتى لو تم الانسحاب فصورة الوضع الفلسطيني في غزة ستبقى
مموهة وضبابية، إذ إن الفراغ الحاصل سيتم سده بواحد من السيناريوهات التالية:
1. أن تقوم السلطة الفلسطينية ببسط كامل نفوذها وسيطرتها على الأوضاع في قطاع
غزة؛ بحيث تلعب مصر دوراً مركزياً في إعادة بناء وتأهيل أجهزة الأمن الفلسطينية
بعد توحيدها، لمساعدة السلطة على فرض الانضباط والنظام والأمن في غزة بعد
إخلائها.
وما يضع العقبات أمام هذا السيناريو أنه قد يكون لدى الجمهور الفلسطيني بل ولدى
الأسرة الدولية، انطباعات سلبية عامة عن السلطة الفلسطينية في تركيبتها وصيغتها
الحالية، بعد خبرة السنوات السبع العجاف (1994-2000) التي انفردت فيها نفس هذه
السلطة بالحكم، ولم تفِ حتى بالحد الأدنى من الوعود التي كانت قد قطعتها على
نفسها.
ولا يمكن هنا إغفال التقرير الخطير بشأن مصير السلطة الفلسطينية الذي تزامن
صدوره مع إعلان المبادرة المصرية، وأصدرته لجنة أوروبية مكلفة بمتابعة وتقويم
أداء السلطة، حيث تضمن تحليلاً -أشرف عليه الفرنسي المعروف ((ميشيل روكار))-
يخلص إلى أن السلطة الفلسطينية قد تنهار نهائياً من تلقاء نفسها خلال عام واحد
إذا ما استمر تدفق الأمور على المنوال الحالي.
2. أما السيناريو الثاني فيتمثل في أن يلعب الجانب المصري دوراً مركزياً، ولكن
في إطار بناء صيغة جديدة للإدارة أو السلطة الفلسطينية في غزة، لتكون أكثر
ديمقراطية وأكثر تمثيلاً وتعبيراً عن كل ألوان الطيف السياسي في الخريطة
السياسية الفلسطينية.
ويمكن التوصل إلى هذا السيناريو عبر طريقين:
1- بالدعوة إلى إجراء انتخابات ديمقراطية جديدة، وتشكيل سلطة فلسطينية تمثل كل
الأحزاب التي شاركت في هذه الانتخابات بصورة تعكس نسب النتائج التي أفرزتها
صناديق الاقتراع.
2- أن يتم التوصل إلى صيغة هذا الائتلاف الجبهوي عن طريق التفاهمات والحوارات
الوطنية التي تسهم مصر في رعايتها وبلورة نتائجها.
وكلا السيناريوَين يواجه بالكثير من العقبات الإسرائيلية والامريكية وحتى
العربية، فضلاً عن ضغوط الداخل الفلسطيني وأولها السلطة وثانيها فصائل العمل
الوطني الفلسطيني وعلى رأسها القوى الإسلامية.
لكن لا يبدو أن الطرف الإسرائيلي الذي يصر على حصر الدور المصري في الجوانب
الأمنية، وعدم السماح لمصر بالقيام بأي دور سياسي أو حتى تقديم ضمانات بعدم
اجتياح أو مهاجمة غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي منها، سوف يسمح بتنفيذ الخطة
المصرية، مما يجعلها في مهب الريح، ويضيفها إلى قائمة المبادرات الأخرى المجمدة
التي سبقتها، مثل مبادرة تينيت وزيني والمبادرات الأخرى، والتي تم تعطيلها بفعل
الغطرسة والتعنت الإسرائيلي.
وما يمكن قوله إن شارون يريد الانفصال عن غزة ليعمق الاحتلال والاستيطان
بالضفة، وليقطع الطريق على إمكانية قيام دولة مستقلة حرّة وعاصمتها القدس، ولا
يقبل تغيير مساره. وعلى الآخرين الاختيار هل يريدون مساعدته في تحقيق أهدافه أم
لا؟.