أصحاب المشاريع والصراع على السلطة
طيلة الشهور الماضية، ومنذ الإعلان عن خطة شارون بالانسحاب أحادي الجانب من
قطاع غزة ، كان إعلام العدو الصهيوني يمارس دوره في التحريض على حركة حماس، حيث
استمر في الحديث عن خطة تعدّها حماس للاستيلاء على قطاع غزة بعد انسحاب قوات
الاحتلال منه، كما استمر في ((التبشير)) بحرب أهلية فلسطينية تقع في قطاع غزة
في حال حدوث الانسحاب، أو في حال غياب السيد ياسر عرفات اغتيالاً أو وفاة
طبيعية، تكون حماس أحد أطرافها.
لذا فإن الأجواء النفسية لوقوع ((الحرب الأهليّة)) كان قد مهّد لها، ولكن كانت
المفاجأة أن هذه الحرب بدأت نذرها وشرارتها بالاشتعال مبكراً قبل الانسحاب من
قطاع غزّة, وقبل رحيل السيد ياسر عرفات, كما أن حماس وغيرها من الفصائل ليست
جزءاً أو طرفاً فيها, ولكن أطرافها تيّاران في السّلطة الفلسطينية وحركة فتح:
تيار يمسك بأجهزة السلطة ومفاصلها ومراكز النفوذ فيها, وتيّار يريد انتزاع تلك
المراكز والمفاصل وتجييرها لمصالحه ونفوذه. وقد عمل هذا التيّار على الاستعانة
بالضغوط الإقليميّة والدوليّة على عرفات تحت عناوين الإصلاح ومحاربة الفساد
وغيرها من الشّعارات البرّاقة، ولكن عرفات صاحب الباع والخبرة الطويلتين في
الإمساك بمفاصل القيادة والسلطة، أدرك بأن الإصلاح هو البوّابة لإقصائه
التّدريجي، وإنهاء نفوذه، وإخراجه من السلطة، وتحويل رئاسته إلى منصب ((فخري))!
لذا عمل على وضع العصي في الدواليب، وأجهض كل المحاولات لتحقيق هذا الهدف
بوسائله المختلفة، ويبدو أن التيّار الآخر المناوئ له لم يطق صبراً، فهو متعجّل
للوثوب إلى السّلطة بأي ثمن، وهو يخشى أن تطول حياة عرفات، لذا قرر هذا التيار
تدبير انقلاب ((أبيض)) عليه والاستيلاء على قطاع غزّة، فبدأ حملته يوم الجمعة
السّادس عشر من تموز/يوليو 2004 بتنفيذ ثلاث عمليات اختطاف منفصلة في يوم واحد،
طالت اللواء غازي الجبالي قائد الشرطة في قطاع غزّة، والعقيد خالد أبو العلا
منسّق الارتباط مع الجانب الصّهيوني، وخمسة من الرّعايا الفرنسيين العاملين في
مجال الإغاثة.
وتطوّرت الأحداث إلى تنظيم مظاهرات احتجاج، وإحراق مقارّ ومؤسّسات أمنية،
وتقديم مسؤولين أمنيين (أمين الهندي، رشيد أبو شباك) لاستقالتهم، ومن ثم
استقالة أحمد قريع رئيس الوزراء الفلسطيني.
وهكذا، تفاعلت الأزمة بشكل سريع وغير متوقع، وتدحرجت مثل كرة الثلج، وتم
تقديمها في وسائل الإعلام على أنها صراع بين تيار إصلاحي، وتيار محافظ... بين
تيار فاسد، وتيار يحارب الفساد.
ولكن الحقيقة المؤسفة، التي ينبغي على الرأي العام الفلسطيني والرأي العام
العربي والإسلامي إدراكها جيداً أن الصراع الجاري الآن هو صراعٌ محض على السلطة
بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وأن شعارات الإصلاح والديمقراطية ومحاربة
الفساد، هي كلمات حق يراد بها باطل. فالتيار الذي يرفع الآن لواء تلك الشعارات،
هو الذي كانت رموزه حتى وقت قريب جزءاً من السلطة ((الفاسدة)) التي ينعتونها
الآن بأقبح الصفات.
وهؤلاء هم الذي سجّلت سجونهم التي شيّدوها آثارهم في قمع المجاهدين والمناضلين،
حيث حوّلوها إلى ((مسالخ بشرية)) لكسر إرادة الأبطال، وأخذ اعترافاتهم
لـ((بيعها)) للعدو الصهيوني بثمن بخس.
إننا ضد الاستبداد والفساد والفردية، ومع الديمقراطية والنزاهة والشفافية، ولكن
فاقد الشيء لا يعطيه، وهؤلاء الذين يركبون موجة هذه الشعارات البرّاقة لا يمكن
أن يخدعونا أو يخدعوا شعبنا المصابر، الذي تحمّل فسادهم ومصائبهم طيلة عشرة
أعوام مضت.
لقد تعرّضت حركة حماس وفصائل المقاومة في السنوات الأولى من اتفاق أوسلو إلى
القمع والتنكيل، وتعرّض أشرف الرجال للامتهان والتعذيب، وحلقت لحى بعضهم تحت
عناوين ضبط الأمن، والحفاظ على هيبة السلطة، ولكن رصاصة واحدة لم تطلق تجاه
السلطة من قبل قوى المقاومة التي عضّت على جراحها، وصبرت على أذى ذوي القربى.
وها هم هؤلاء الذين كان يُزايدون على الجميع، يطلقون الرصاص على أشقائهم ورفاق
دربهم، من أجل حسابات رخيصة، وطمعاً في سلطة هزيلة، ذليلة، يحاصر رئيسها، ولا
((تمون)) على نفسها، ضاربين عرض الحائط بجهاد ونضال وتضحيات شعبهم العظيم، الذي
قدّم كل ما يملك من أجل حريّته واستقلاله وكرامته، مشعلين بذلك فتنة ستحرق
الأخضر واليابس إذا استمرّت –لا قدّر الله-.
إننا نشاهد جميع الأطراف في السلطة وحركة فتح أن تتقي الله، وتحتكم إلى الحوار
كبديل عن الاحتكام إلى السلاح والقوة، وأن توجّه بنادقها فقط إلى الاحتلال،
ونذكّرهم بقوله سبحانه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) وقوله: (واتقوا فتنة
لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة).
التحرير