فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Aug2004
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
تقرير1
تقرير2
تقرير3
تحقيق
شؤون العدو
الغلاف1
الغلاف2
الملف1
الملف2
الملف3
تحليل
رأي - غازي حمد
رأي - ياسر الزعاترة
شؤون عربية
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
مع الغروب
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
خربشات حرة
لوحات فنية

 

الملف2


قضية الجدار والقضية المصيرية:
أسئلة حول موقع قضيّة الجدار على طريق التحرير

بون/نبيل شبيب
عندما اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها بنقل قضية الجدار إلى محكمة العدل الدولية، صدرت بعض الانتقادات التي ارتكزت على أنّ هذه الخطوة غير مجدية، فموقف المحكمة لن يوقف بناء الجدار، بينما أدّى هذا التحرّك السياسي –كما تقول تلك الانتقادات- إلى خسارة أصوات بعض الدول، لا سيّما الدول الأوروبية، ويتجدّد الحديث حول الجدار الآن بصورة مركّزة تلفت الأنظار، بعد أن صدر الموقف المنتظر من جانب محكمة العدل الدولية، وأكّد مخالفة مسار الجدار للقانون الدولي.. ولكن ألا يعني ذلك في الوقت نفسه استصدار وثيقة دولية إضافية تقول بترحيب فلسطيني وعربي كبير، لو تبدّل مسار الجدار إلى ما وراء ما يُسمّى ((الخط الأخضر)) لأصبح متوافقاً مع القانون الدولي، انطلاقاً من اعتبار الأرض المحتلة عام 1948 هي (إسرائيل)!..

لعبة ((فنّ الممكن))
العاملون من وراء التركيز على قضيّة الجدار في الوقت الحاضر، وحماسهم من قبل للتعامل معها عبر المحكمة الدولية، وكذلك الناقدون لهذه الخطوة، ينطلقون غالباً ممّا يعتبرونه هو ((السياسة الواقعية))، التي قامت في قضيّة فلسطين بالذات على محاولة كسب تأييد دولي ما لصالح الجانب العربي والفلسطيني، وليس على الهدف بحدّ ذاته ولا على هذه الصياغة غبار، ولا اعتراض على العمل من أجله، إنّما لا بدّ بالمنظور الواقعي نفسه، أن يقترن هذا التصوّر بالسؤال: ما الثمن الذي يقدّمه الطرف العربي والفلسطيني ((الرسمي)) مقابل التأييد المرجوّ؟.. ثمّ ما هي نوعية هذا التأييد وما هي حصيلته بالنسبة إلى واقع مجرى الأحداث والتطوّرات؟.. وبتعبير آخر: ما الثمن الذي يجب تجنّبه دون التخلّي عن الهدف نفسه؟..
إنّ السياسة الواقعية الحديثة تقوم على الأخذ والعطاء، هذا صحيح، ولكن في إطار ما يُسمّى ((المواقف التكتيكية)) و((الأهداف المرحلية))، وليس على صعيد ما يُسمّى ((المواقف الاستراتيجية)) والثوابت والأهداف بعيدة المدى.
كذلك فإنّ الحديث عن أنّ السياسة هي ((فنّ الممكن)) صحيح في الأصل أيضاً، ولكنّ تحريفه في غالب الأحوال يكمن في أنّ التراجع بحجّة استحالة تحقيق هدف ما، بات يتحوّل بدوره إلى قيد إضافي لممارسة العمل السياسي من أجل ذلك الهدف نفسه وسواه، وهنا تفقد كلمة ((الممكن)) مدلولها الأصلي خلال فترة وجيزة، وتتحوّل إلى ((التراجع المتواصل عن الممكن)).
إنّ الحصول على تأييد أيّ جهة مقابل التخلّي عن بعض الثوابت أو الأهداف البعيدة، يعني على أرض الواقع السياسي الحصول على تأييد فارغ المضمون والمفعول والنتيجة، إذ ما قيمة تأييد قوى الأرض كافّة ((للتخلّي)) عن المطالبة بالحصول على حقّ من الحقوق الثابتة والتخلّي عن العمل من أجله، بل وتأييدها للبطش بمن يريد الاستمرار في المطالبة والعمل؟ أليس هذا ما أصبح عليه منطق التراجع والتنازل المتواصلين مقابل مثل ذلك ((التأييد المزعوم))؟..
لقد كانت الصفة الملازمة لسياسة من تحرّكوا تحت عنوان السياسة الواقعية في قضية فلسطين (وسواها) وتحت عنوان فنّ الممكن فيما يتخذونه من مواقف وخطوات، هي صفة التراجع عن الثوابت، مرحلة بعد أخرى، وفي ميدان بعد ميدان، وهذا مقابل ما يمكن وصفه بسياسة ((القضم)) للثوابت الفلسطينية والعربية من جانب الطرف الإسرائيلي والأمريكي، دون تخلّيه هو عن أيّ هدف بعيد المدى، فتحوّل الوجه المقابل للسياسة الواقعية بذلك إلى طرح مطالب جديدة للحصول على تراجع جديد.. وهذا –وليس الحصول على الحقوق الأصيلة المشروعة- هو ما يجري ((تأييده)) دولياً!..

الجدار.. قضية جزئية
ما علاقة ذلك بقضية الجدار المطروحة الآن؟..
لعلّ التحرّك الفلسطيني الرسمي بدعم رسمي عربي كبير في الأمم المتحدة وأمام محكمة العدل الدولية، كان خطوة ((ذكيّة))، ولكنّ هذه الخطوة لا تخرج عن الإطار العام الذي وضعت السياسات الرسمية الفلسطينية والعربية نفسها فيه على منحدر التنازلات من قبل باسم سياسة واقعية مزيّفة.
إنّ المضيّ سابقاً باتجاه تصفية القضية المصيرية هبط بها رسمياً من مستوى قضية أرض مغتصبة في النكبة الأولى وهدف تحريرها، إلى أرض مغتصبة عام 1967 وهدف تحرير ما يمكن تحريره منها. وفي هذا الإطار فقط وليس في إطار القضية المصيرية بواقعها الأصلي، يبدو العنصر الإيجابي الجزئي الذي تتضمّنه قضية طرح الجدار في المحافل الدولية، لتنتزع لأوّل مرة وثيقة دولية من جانب أحد الأجهزة الدولية المعترف بها، ما يقرّر صفة ((الاحتلال)) للأرض المغتصبة عام 1967، وهو ما لم تصنعه المساومات والمفاوضات من قبل، ولا بدّ هنا من تقرير فداحة الثمن، فالوثيقة الدولية الجديدة تقرّر في الوقت نفسه واقعياً انتزاع صفة ((الاحتلال)) عن الأرض المغتصبة عام 1948، بل وعن ((الجزء الإضافي الكبير)) الذي يعادل زهاء 25 في المائة من مساحة فلسطين وفق حدود ((سايكس بيكو والانتداب البريطاني))، والذي تضمّنته الأرض الإضافية التي احتلتها الميليشيات اليهودية المسلّحة أثناء حرب 1948، زيادة على النسبة المئوية التي تضمّنها ما يُعرف بقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة من قبل.
إنّ تأكيد أهمية قضية الجدار ((الآن)) لا ينبغي أن يتجاوز هذه الحدود لنظرة ((التراجع)) عن أصل القضية، أو الزاوية الضيّقة للغاية التي تركتها السياسات ((الواقعيّة)) للتصرّف، فآنذاك يمكن اعتبار إبراز قضيّة الجدار من قبيل الخطوة الضرورية في نطاق جهود مرحلية.
كذلك لا ينبغي التوقّف عند وضع قضية الجدار بهذا المنظور في إطار موقعها المحدود من قضية فلسطين المصيرية ككلّ، وإذا امتنعت الجهات الرسمية الفلسطينية والعربية عن ذلك لاعتبارات خاصة بها، ليست موضع الحديث هنا، فهذا ما لا يصحّ أن يسري على من يتابعون القضيّة خارج ذلك الإطار الرسمي المفروض حالياً ولا على كتاباتهم ومواقفهم.
إنّ تثبيت عدم مشروعية ((مسار الجدار)) داخل الأرض الفلسطينية عام 1967 لا يعني مثلاً مشروعية مساره على طول ما يُسمّى الخطّ الأخضر، أي خطّ ((الهدنة)) العسكرية من عام 1949، وهو بحدّ ذاته مرفوض وفق قرار ((التقسيم)) المشار إليه، ناهيك عن رفض قرار التقسيم نفسه والذي كان نتيجة محضة لاستخدام القوّة في اغتصاب الأرض، ممّا يخالف أهمّ نصوص ميثاق الأمم المتحدة نفسها، مثله في عدم مشروعيته هذه، مثل ما صنع الانتداب البريطاني وما عُرف بوعد بلفور من قبل.
قضيّة الجدار تبقى –مهما بلغت أهميّتها- جزءاً واحداً، بل جزءاً صغيراً للغاية، من القضية المصيرية الكبرى، باعتبارها قضية احتلال واغتصاب توسّعي من جهة، وقضية صمود ومقاومة وحق التحرير وتقرير المصير من جهة أخرى. وما دامت القرارات والوثائق والاتفاقات التي عرفتها الحقبة الماضية منذ وعد بلفور، تقوم على أسلوب التراجع دون تفويض شعبي حقيقيّ نزيه مضمون، فليس فيها ما يمكن أن يعطي المشروعية القانونية الدولية لبعضه بعضاً، لا سيّما وأنّ القانون الدولي لا يعرف ما يُسمّى بسقوط الحقوق بالتقادم، وبالذات في ميدان المبادئ الملزمة، كحق تقرير المصير وعدم مشروعية اغتصاب الأراضي بالقوّة وعدم مشروعية الاتفاقات الاستسلامية التي تفرضها القوّة المحضة.

السياسة الواقعية المطلوبة
مشكلة التعامل مع قضية فلسطين مشكلة سياسية وليست مشكلة قانونية دولية في الأصل، فالسياسة المفروضة دون رجوع القانون الدولي إلى إرادة الشعب، هي التي تضع خطوطاً ما على الخارطة الجغرافية، باسم اتفاق أوسلو فتمحو ما سبقها، أو باسم ورقة جنيف فتبتكر جديداً لا أصل له، أو في أيّ اتفاق آخر يتمّ التوصّل إليه دون سند قانوني دولي قويم، فلا يعدو جميع ذلك في حصيلته أن يكون من قبيل العبث بالقضية وبالقانون الدولي في وقت واحد، وبإخضاعهما لإملاءات القوّة غير المشروعة فحسب.
وفي هذا الإطار لا يستغرب أن يصبح تزييف المصطلحات ومحاولات تسويقها ثم تسويق الجديد المزيّف منها هو الغالب على المسيرة السياسية الرسمية في القضية المصيرية، وأن يصبح الرجوع إلى المصطلحات الأصلية بمعناها الأصلي هو المحظور بصورة استبدادية محليّة ودولية.
ومن أخطر ما يُصنع بهذا الصدد على أرضية القضية المصيرية، أنّ من يمارسون سياسات التراجع عن الثوابت والأهداف البعيدة، يُطلقون على ((النزر القليل)) الذي يكتفون به في مرحلة من المراحل وصف ((الثوابت)) لتغطية تراجعهم وراء شعارات تقول: لا نتخلّى عن ثوابت الشعب الفلسطيني، بينما لا يصحّ أصلاً إطلاق وصف ((الثوابت)) على ما يقصدونه على أرض الواقع، وقد باتت مجرّد أهداف هزيلة جزئية تنصب المزيد من العراقيل في وجه الجهود المستقبلية، ويستحيل نسبتها إلى الشعب الفلسطيني على وجه التخصيص، كما لو جرى استفتاؤه على أيّ منها استفتاء مضمون النزاهة إعداداً وتنفيذاً وظروفاً والتزاماً بالنتائج كما تعرّف المواثيق الدولية الاستفتاءات المطلوبة في ميدان ممارسة حقّ تقرير المصير.
لقد تحوّلت سياسة ((فنّ الممكن)) الواقعية المزعومة بذلك إلى سياسة فنّ التراجع عن الممكن والثوابت في وقت واحد، وهي التي تفرض بمفهومها الأصلي، على أولئك الذين يزعمون احتكارها لأنفسهم، وكذلك على أولئك الذين يتّهمونهم بالحماسة والعاطفية وما إلى ذلك، أن يبحثوا بحثاً جادّا عن ((الممكن)) في الظروف الآنية، دون التخلّي عن ((الثوابت)) الضرورية، ومع الحرص على الوسائل والخطوات والمواقف، التي تجعل ((الممكن)) غداً أكبر ممّا تسمح به الظروف والإمكانات اليوم، لا أن يجعلوا من أنفسهم ومن تراجعهم هم عقبات جديدة وفي وجه الممكن اليوم وغداً على السواء، وفي وجه الجيل المخلص الذي تعقد عليه آمال مستقبل آخر غير الذي يحاولون صنعه في وهدة منحدرات التنازل في الوقت الحاضر.

لمتابعة الملف اضغط هنا

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003