جدار الفصل في القدس
يستهدف ترحيل المواطنين وضمّ الأراضي ومحاصرة المدينة
القدس/مها عبد الهادي
((إن مخططاتهم تستهدف محاصرة الأقلية العربية في القدس والسيطرة على باقي
الأراضي المفتوحة في شرقي المدينة كامتداد لمستوطنات ((بسجات زئيف)) و((النبي
يعقوب)) في شمال المدينة، وجبل أبو غنيم في جنوبها، و((معاليه أدوميم)) في
شرقها)). بهذه العبارة وصف تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق شؤون
الإغاثة حول الجدار الفاصل قبل عدة أشهر الآثار والانعكاسات المترتبة عن إقامة
جدار الفصل في مدينة القدس، مشيراً إلى أن جدار العزل في القدس سيضع عشرات
الآلاف من المقدسيين القاطنين في أحياء وضواحي المدينة خلف الجدار وهو ما سيؤدي
إلى فقدانهم حقوقهم المدنية، وعدم تواصلهم الطبيعي مع عائلاتهم وأقربائهم ومع
ارتباطاتهم التجارية والطبية والتعليمية في المدينة.
ويعيش في الجزء الشرقي من مدينة القدس المحتلة التي سقطت في العام 1967 ما يربو
على 250 ألف فلسطيني يحملون الهوية الإسرائيلية، بينما يتواجد في الجزء نفسه
عدة آلاف من المستوطنين الصهاينة في البلدة القديمة وفي أحياء فلسطينية أخرى
مثل رأس العامود والشيخ جراح وسلوان.
ويؤكد سكان المدينة أن مدينتهم محتلة، وأن سلطات الاحتلال الصهيونية تمارس
بحقهم سياسة تمييز عنصري، وحملات قمع واضطهاد مستمرة بهدف ترحيلهم عن المدينة
من خلال الضرائب المختلفة التي بات السكان غير قادرين على دفعها في ظل الركود
والتدهور الاقتصادي والتجاري.
الجدار.. سطا على الديار
وكما تشير الدراسات، فإن جدار الفصل في مدينة القدس أضرّ بما مجموعه ثلاثة آلاف
دونم، وحوالي 20 ألف دونم لم يعد المواطنون قادرون على استخدامها أو الاستفادة
منها. وبينما سيتضرر عشرات الآلاف من المقدسيين فإنه يتأثر حوالي 300 ألف
مستوطن صهيوني يحملون الهوية الزرقاء ويعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة
وخلف الجدار الفاصل. وجاء في تقرير لمركز أبحاث الأراضي حول جدار العزل في
القدس ((إن الدولة العبرية ما زالت متمسكة بسياستها المتمثلة في الاستيلاء على
المزيد من الأراضي والقليل من الناس. وفيما يتعلق ببناء الجدار في شمال القدس
فإن الطريق التي يقطعها الجدار هي طريق ملتوية ومتعرجة بشكل يضمن القرب التام
من المناطق المأهولة بالسكان، ويؤدي بالتالي إلى مصادرة الأراضي وعزل القرى
والبلدات خلف الجدار)).
ومن المرتقب أن يبلغ اتساع الجدار في هذه المنطقة من 40 إلى 100 متر مع توافر
ممر لسلوك مركبات عسكرية، وإقامة أبراج وعراقيل مختلفة.
ويمتد جدار القرى الشمالي على أراضي القدس الشرقية مثل الرام (خلة شيخ) وقلنديا
وكفر عقب والبيرة، ورافات والمصيون، وسيبلغ طوله في هذه المنطقة حوالي 8 كم.
ورغم أن سكان تلك المناطق وخاصة رافات وكفر عقب قد تقدموا بشكاوى واعتراضات
قانونية إلا أن نتائجها كانت دائماً تأتي بنفس الرد المتواطئ من المحاكم التي
تشير إلى أن بناء الجدار وما يتضمنه من مصادرة للأراضي أو هدم للمنازل مبرر تحت
ذريعة الأمن، وقد أدى هذا الجدار بالفعل إلى عزل 15 ألف مقدسي من المقيمين في
كفر عقب ومخيم قلنديا وقطع ارتباطهم بالمدينة.
ووفق مصادر صهيونية فإن خطة الفصل في القدس تهدف إلى منع إقامة القدس الشرقية
كعاصمة لفلسطين وإمكانية تطورها باتجاه الشرق، وربط جميع المستوطنات الواقعة في
محيط المدينة بالوجود الصهيوني داخل المدينة وعزل التجمعات العربية.
وفي الوقت ذاته قال الكولونيل الصهيوني داني تيرزا المسؤول الصهيوني عن التخطيط
الاستراتيجي للجدار العنصري: إنه سيتم بنهاية 2005 الانتهاء من بناء جدار بطول
82 كيلومتراً حول القدس يتضمن إحدى عشرة بوابة لمراقبة عبور الفلسطينيين من
الضفة الغربية إلى المدينة المقدسة، وستخصص كذلك بوابتان للسياح، مضيفاً: أن
الحاجز الأمني سيمتد على 28 كيلومتراً حول مدينة القدس، وبأنه سيتم تزويد
البوابات بتجهيزات مسح بيولوجية متطورة..
وكانت دولة الاحتلال الصهيونية قد أتمت بناء أجزاء من الجدار الفاصل شمالي
وجنوبي المدينة المقدسة، وهي جدران تمتد على طول 32 كيلومتراً يحرسها زهاء 800
رجل أمن صهيوني، تفصل سكان المنطقة وعددهم قرابة سبعين ألف مواطن كلياً عن
مدينتهم المقدسة.
وهذا المقطع من الجدار في شمال القدس هو جزء من الجدار الذي يتم بناؤه حول
المدينة والمسمى (غلاف القدس)، ومن خلال هذا الجدار سيتم تحويل الشارع من شارع
باتجاهين إلى شارعين كل منهما باتجاه واحد على جانبي السور، وذلك سيحول الضاحية
والرام إلى منطقة معزولة، وسيكون المخرج الوحيد إلى الشمال باتجاه حاجز قلنديا
وهو ما يزيد في معاناة المواطنين حيث سيضطرون خلال توجههم إلى القدس المرور
بدروب آلام إضافية، وستصاب كافة القطاعات لا سيما العمال والطلاب والتجار
بالشلل التام.
ديمغرافياً.. تفريغ للسكان
من المعروف أن زيادة عدد السكان الصهاينة داخل القدس وحولها كان جزءاً أساسياً
من الاستراتيجية الصهيونية لضمان سيادتها المستمرة. وقد وزع الصهاينة في كل
مكان من القدس الشرقية (التي ضمت إلى الدولة العبرية) من خلال بناء أحياء جديدة
متقاربة ذات كثافة سكانية عالية.
وتركز معظم هذه الزيادة في عدد السكان اليهود في هذه المستوطنات، وكانت نتيجة
ذلك أن حقق الكيان الصهيوني توازناً ديمغرافياً مع الفلسطينيين في القدس
الشرقية (165 ألف يهودي في مقابل 170 ألف فلسطيني). وبلغ عدد الصهاينة في القدس
(الشرقية والغربية) نحو 413،7 ألف نسمة، أو ما يعادل 70،9%.
وعندما يتم إشغال آلاف المنازل التي يجري التخطيط لها، والتي هي في طور البناء
في المستوطنات، فإن عدد الصهاينة في القدس الشرقية سيفوق عدد الفلسطينيين ليصل
إلى نسبة 3:1 ولتصل نسبة الفلسطينيين إلى 22% من المجموع العام، (تبلغ نسبتهم
اليوم 29،1% من المجموع العام لسكان القدس).
ومؤخراً، كشفت الصحف العبرية عن خطة جديدة للتعامل مع سكان القدس المحتلة تستعد
الحكومة الصهيونية لتنفيذها مع بداية العام القادم 2005 استكمالاً لسياسات
تهويد المدينة ولفرض أوضاع جديدة على الأرض فور إتمام بناء الجدار العازل.
فقد ذكرت جريدة ((هآرتس)) الصهيونية في أحد أعدادها خلال شهر أيار/مايو الماضي
أن وزارة الداخلية الصهيونية ستشرع في تنفيذ حملة إجبارية على كل من يحمل هوية
زرقاء من سكان مدينة القدس الشرقية المحتلة، لتبديل هوياتهم وإصدار جوازات سفر
صهيونية بدل وثيقة السفر التي يحملونها حالياً، وأي فلسطيني لا يريد أو لا
يوافق ستسحب منه الهوية وبالتالي لا مجال لوجوده داخل حدود بلدية القدس
المحتلة.
والأدهى هو ما نشر بالفعل عن إقرار مناقصة حكومية صهيونية لتأسيس شركة مهمتها
الأساسية إجراء عملية مسح شامل لفلسطينيي القدس المحتلة، الذين تخلفوا عن دفع
الضرائب والغرامات لأجل جلبهم إلى المحكمة لسداد هذه المبالغ، أو الاتفاق على
صفقة إبعادهم عن حدود بلدية القدس مقابل شطب ديونهم، والمقصود هنا بمصطلح خارج
حدود بلدية القدس خارج الجدار العازل.
ويؤكد مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية زياد الحموري أن نسبة لا
تقل عن 80% من المقدسيين مدينون للمؤسسات الحكومة الصهيونية ابتداء من التأمين
الوطني وانتهاء بمخالفات السير والبناء وغيرها.
وتهدف الخطة على ما يبدو لتنفيذ ترانسفير جماعي فوري لكل من لا يحمل الهوية
الزرقاء، وتقدر المصادر الصهيونية عدد هؤلاء الذين يقطنون داخل حدود بلدية
القدس المحتلة ولا يحملون الهوية الزرقاء بعشرات الآلاف.
ومدينة القدس المحتلة مثقلة بإجراءات سلطات الاحتلال من فرض ضرائب باهظة وهدم
بيوت ومخالفات وحجوزات، وعدم السماح لأهلها بالبناء ومصادرة أراضيهم وانعدام
فرص العمل وانتشار البطالة وتسهيل ترويج المخدرات.
حملة ضدّ الأهالي
وعلى نفس الصعيد قال المحامي أمجد شماس إن عشرات الحواجز المؤقتة التي تنصب على
مداخل الأحياء برفقة موظفين من دوائر الضرائب المختلفة قامت بتحرير عشرات
الآلاف من المخالفات والحجوزات الفورية لأهالي القدس، عبر أساليب احتيال، مثل
سؤال الشخص هل شاهدت التلفاز ليلة أول أمس؟ وبمجرد أن يجيب بالإيجاب يتم تحرير
مخالفة (ضريبة تلفزيون) قيمتها خمسة آلاف شيكل- ألف دولار تقريباً- ويجب دفعها
خلال 45 يوماً، وإذا لم تدفع خلال هذه المدة تتم مضاعفتها وملاحقة صاحبها
بالسجن إذا لم يقم بدفعها، أو الحجز على ممتلكات البيت من أجهزة كهربائية بما
فيها التلفاز أو الحسابات البنكية أو السيارات إذا كان صاحب هذه الضريبة يمتلك
سيارة.
كما تخطط سلطات الاحتلال الصهيونية لسلخ أحياء بكاملها عن حدود البلدية خاصة
تلك التي توجد خارج الجدار الفاصل، حيث بدأت لجان التنظيم والبناء في إحياء
عشرات المشاريع التي تم تأجيلها سابقاً أو لم يوافق عليها، وتمّت الموافقة على
بناء سوق مركزي ملاصق لسور القدس وإقامة قرية سياحية في المساحة الواقعة ما بين
حي واد الجوز وحي الصوانة، وكذلك سيتم السماح لعشرات الشركات بالبدء في تنفيذ
مشاريع إسكان في أحياء جبل المكبر، وصورباهر، وسلوان، والطور والعيسوية، والشيخ
جراح، على أراض حكومية، بهدف تعزيز الوجود اليهودي وإيجاد توازن ديمغرافي في
تلك الأحياء التي يسكنها الفلسطينيون فقط.
والخطير أنه وفي أعقاب الشروع بمخطط الجدار الفاصل بدأت عشرات العائلات
المقدسية بالنزوح من بلدتي الرام وضاحية البريد/ شمال القدس بعد أن شرعت سلطات
الاحتلال بتنفيذ مشروع الجدار الفاصل الممتد من حاجز قلنديا إلى حاجز ضاحية
البريد، حيث قامت بتجريف جزء كبير من الشارع والبدء بأعمال البنية التحتية لوضع
جدار إسمنتي طوله تسعة أمتار في منتصف الشارع، وهو ما يعني في النهاية عزل
الرام وضاحية البريد.
وهذا المخطط يهدف كما وصفته العديد من المؤسسات الحقوقية إلى تشتيت الحياة
الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين في المدينة، حيث إن أغلب السكان الذين
يقطنون الضواحي وفي البلدات المجاورة لها هم في الأصل مرتبطون بالمدينة ومركزها
من خلال العمل والتجارة والتعليم والخدمات الصحية والأقارب وغيرها من الجوانب
التي تدركها سلطات الاحتلال.
ومناطق الرام والضاحية وبيرنبالا، التي تضم عشرات الآلاف من السكان، لا تتوفر
فيها لوحدها مقومات الحياة الاقتصادية والتعليمية والصحية، وأغلب هذه الأمور
الأساسية موجودة في المدينة وقد ارتبط السكان بها، أما بعد إتمام مخطط الفصل
فسيجد السكان صعوبة في تلقي خدمات صحية وتعليمية.
ويقول سكان المنطقة ذاتها أن العديد من أحياء الضاحية باتت شبه فارغة وخالية من
السكان، وأن قسماً من السكان فضل البقاء في المنطقة لعدم توفر القدرة المالية
لاستئجار منازل في القدس، والتي بدورها شهدت إرتفاعاً ملحوظاً بسبب الطلب
الكبير عليها.
وهذه الممارسات تقول بأن الهدف الأساسي للحكومة الصهيونية هو تحويل الأحياء
والقرى في القدس ومحيطها إلى ((غيتوات)) معزولة عن بعضها البعض ومعزولة في
الجهة الأخرى عن مركز المدينة، وهذا يعني عزل وسلخ تجمعات سكنية كبيرة يزيد عدد
المواطنين فيها عن 170 ألف نسمة عن مدينتهم، وتعريضهم بالتالي إلى فقدان حق
الإقامة، مما يعني إسقاط كافة حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية.
وإذا تحدثنا عن العامل الديمغرافي فإن هذا يتمثل في تقليص نسبة المواطنين
المقدسيين إلى أدنى درجة، خاصةً أن الحديث يدور عن إخراج أكثر من سبعين ألف
نسمة، مما يعني أن نسبة المواطنين العرب قد تتدنى إلى ما بين 20%-25%، أي أقل
من النسبة التي حرصت الحكومات الصهيونية المتعاقبة على إبقائها في السابق وهي
28%، وجغرافياً يعني السيطرة على ما تبقى من أراضي مدينة القدس لصالح 16
مستوطنة صهيونية مقامة حالياً على أكثر من 35% من إجمالي مساحة القدس العربية،
وهو ما يعني بالضرورة تعزيز الاستيطان الصهيوني في القدس وتكثيفه، بما في ذلك
الوجود البشري الاستيطاني، ويترافق ذلك مع تصعيد في عمليات هدم منازل
المواطنين.
وفي المقابل ستعمل سلطات الاحتلال على ضم أكثر من مائتي ألف مستوطن من مستوطنات
((جفعات زئيف)) شمال غرب المدينة و((معاليه أدوميم)) جنوب شرقها إلى داخل حدود
بلدية القدس الحالية التي يشكل اليهود فيها ما نسبته 51% من السكان فيما يشكل
الفلسطينيون 49%.
ولعل أخطر التصريحات هنا تصريح نائب رئيس الحكومة الصهيونية، رئيس بلدية القدس
السابق ((إيهود أولمرت)) والذي تحدث عن نية سلطات الاحتلال تغيير التشكيل
الديمغرافي السابق لمدينة القدس ليصبح في السنين القادمة 80% لليهود و20% فقط
للسكان العرب.
الجدار.. يحرم المقدسيين الصحة
أما التأثيرات السلبية الأخرى للجدار فتظهر في المجال الصحي، حيث إن الانتهاء
من بناء الجدار سيعني حرمان آلاف المقدسيين من الوصول إلى مراكز الصحة الرئيسية
والمشافي في المدينة المقدسة، خاصةً من بلدات أبو ديس، العيزرية، السواحرة
الشرقية، عناتا، حزما، وجبع، وكذلك حرمان الكوادر الطبية والمهنية من الدخول
إلى المدينة المقدسة خاصةً حملة هويات الضفة الغربية.
ولنتخيل صورة الأمر عندما يتعلق الموضوع بنقل مريض أو جريح من الرام إلى إحدى
المستشفيات كم سيتطلب ذلك من عناء ومشقة