حماس
تبتكر أساليب قتالية جديدة:
تفجير موقع (أورحان) يثير الرعب ويشكّل قفزة
نوعية للمقاومة
عمليات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني هي حرب إيمان وإرادة، ومن ثم
يأتي العقل المجاهد ليكسر المعادلة العسكرية القائمة على الأرض بكل جسارة،
فارضاً تحدياً جديداً على دولة العدو وراسماً على وجوه قادتها السياسيين
والعسكريين ملامح الصدمة والذهول وعدم القدرة على التفسير، أو مواجهة جمهورهم
الغاضب بعد أن تضرّر معنوياً بشكل كبير، فيما انتقلت الروح المعنوية الفلسطينية
مراحل كثيرة إلى الأمام بعد أسابيع طويلة من الانتظار. ويتضح هذا الأمر أكثر من
خلال تدخل مكتب آرييل شارون نفسه من أجل التحكم في نتائج هذه العمليات وتحديد
المعلومات المسموح بنشرها لوسائل الإعلام.
الضربات العسكرية التي وجهتها المقاومة في مفترق أبو هولي شرقي مدينة خان يونس،
وفي مستوطنة سديروت النقب الشمالي، وداخل مدينة تل الربيع (تل أبيب) في العمق
الصهيوني لا تقاس بعدد القتلى أو الجرحى، ولكن بالأداء النوعي والاستثنائي في
كل منها. كما أن تلك العمليات حملت رسائل قوية، وكان لها عبر نوعية أصابت الجيش
والمستوطنين الصهاينة في مقتل.
عملية موقع (محفوظة)
في الساعة (9:43) من مساء يوم الأحد الموافق 27/6/2004 تهاوى الموقع العسكري
الصهيوني الاستراتيجي الذي يقع على مفترق المطاحن شمالي منطقة القرارة (حاجز
أبو هولي) والملقب بموقع محفوظة، والذي يعتبر ثكنة عسكرية حصينة تشرف على حماية
مرور المستوطنين والدوريات العسكرية في منطقة تجمع مستوطنات ((غوش قطيف))، بفعل
مجموعات مكافحة الإرهاب في كتائب الشهيد عز الدين القسام التي استطاعت الوصول
لعمق هذا الهدف وقاموا بتفجيره بكمية ضخمة من المواد ذات القوة التدميرية
الهائلة، مما أوقع ستة جنود صهاينة قتلى وما يزيد عن ثلاثين آخرين أصيبوا بجراح
مختلفة.
سجلت العملية نجاحاً كبيراً بتمكن المجاهدين على مدى أشهر من حفر نفق بطول
(350) متراً تحت الموقع العسكري قبل ملئه بمئات الكيلوجرامات من المتفجرات على
مدى أشهر، بما في ذلك تصوير النفق وإجراءات الحفر ثم تصوير عملية التفجير
ذاتها. والواضح من الصور التي وزعت أن النفق كان غير عادى وكان مجهزاً بشبكة
كهربائية ومتين بما يكفى لتحرك الأفراد بحرية لزرع المتفجرات، وهو ما دلل على
هشاشة التحصينات الأمنية الصهيونية وقدرة المقاومة على بلوغ أهدافها.
وفى الوقت نفسه دحضت العملية فرية الاختراق العميق لصفوف المجاهدين الذين نجحوا
على مدى أشهر في الحفاظ على سرية الإجراءات التي من المؤكد إسهام العشرات في
إنجازها رصداً وحفراً وتصويراً وتنفيذاً.
لم تكن عملية موقع (محفوظة) هي الأولى التي تتبع هذا الأسلوب، فقد نفذت كتائب
القسام عملية مشابهة من قبل واستهدفت برجاً عسكرياً كبيراً بالقرب من بوابة
صلاح الدين على الحدود المصرية-الفلسطينية، ووزعت لها صوراً بينت كيفية تهاوي
البرج بعد الانفجار، ولكن العملية الجديدة كانت الأولى التي تستهدف أكبر
المواقع العسكرية وأكثرها تحصيناً وأهمها من الناحية الاستراتيجية باعتباره يقع
على بوابة مجمع مستوطنات ((غوش قطيف))، وعند مفترق حسّاس يفصل عادة بين جنوب
القطاع ووسطة وشماله، ويتم تصوير المراحل المختلفة من التخطيط والتنفيذ لها عبر
مرافقة كاميرات التصوير للمراحل المختلفة للعمل الذي قالت عنه المصادر العسكرية
الصهيونية أنه تطور خطير واستراتيجي وهام.
صواريخ القسام
عكس تواصل قصف مستوطنة (سديروت) بصواريخ القسام المطورة، فيما تستمر الحملة
الصهيونية على بلدة بيت حانون حصاراً وإغلاقاً، تصميم المجاهدين على تطوير
أدواتهم لإصابة قلب الاحتلال. فقد سقط أحد صواريخ القسام لأول مرة بالقرب من
اجتماع كان يرأسه رئيس الوزراء الصهيوني ووزير حربه، بينما سقط صاروخ آخر قرب
منزل رئيس بلدية (سديروت).
وفيما بدأ جيش الاحتلال حملة إعلامية نفسية واسعة بالتوازي مع الحملة العسكرية،
حيث ألقت طائرات الاحتلال كميات كبيرة من المنشورات التي تحرض الفلسطينيين على
المقاومة وتطالبهم بمنع إطلاق صواريخ القسام، بدا واضحاً للعيان أن تحسينات
أدخلت على صواريخ القسام في الآونة الأخيرة مكنتها من إصابة أهدافها بدقة عالية
بالمقارنة مع الفترات السابقة، وهو ما أقرت به وأعلنته الجهات الأمنية
والعسكرية الصهيونية عقب وجبة صواريخ القسام التي أصابت قلب المستوطنة صباح يوم
الاثنين الموافق 28/6/2004 مما أدى إلى مقتل صهيونيين، وإصابة (14) آخرين
بجراح. وفي اليوم التالي أطلقت كتائب القسام دفعة جديدة من الجيل المحسن تسببت
أيضاً في إصابة صهيوني بجراح.
بهذا الجيل الجديد من صواريخ القسام تعزز المقاومة قدرتها في ردع الاحتلال على
جرائمه، وترد على جريمة الجدار حيث نجحت الكتائب القسامية في زيادة مدى هذه
الصواريخ وزيادة حمولتها مع تحسين قدرة التصويب لهذه الصواريخ، وهو ما يشكل
طوراً جديداً من المواجهة مع الاحتلال، يمكن أن تكون أكثر خطورة إذا ما أمكن
نقل تقنية التصنيع إلى الضفة الغربية وهو ما يتحسب له الاحتلال.
من جانب آخر فإن إيلي مويال، رئيس بلدية (سديروت) التي تتعرض بشكل دائم لمعظم
صواريخ القسام يؤكد أن الحياة في مدينته توشك أن تكون لا تطاق منذ أن شرعت
كتائب القسام في استهدافها. وتكمن أهمية هذا التصريح في كون هذه المستوطنة تعد
واحدة من أهم المناطق التي تخطط الحكومة الصهيونية لجلب مئات الآلاف من
الصهاينة إليها من أرجاء العالم بسبب انخفاض الكثافة السكانية فيها وهي منطقة
صناعية هامة. رغم أن الظاهرة ليست كبيرة حتى الآن، إلا أن الدراسات تشير أن
نسبة كبيرة من سكان هذه المستوطنة تخطط للفرار منها في حال ظلت كتائب القسام
تقصفها بالصواريخ.
وتخشى هيئة أركان جيش الاحتلال من مواصلة حركة حماس للقصف بصواريخ القسام بحيث
تكون قادرة على الوصول إلى مدن ذات كثافة سكانية عالية مثل عسقلان وبئر السبع
التي تحيط بها مرافق صناعية واستراتيجية كبيرة وهامة. ويترافق ذلك مع خشية أكبر
من قدرة حماس المستقبلية على تطوير العبوة التفجيرية للصواريخ إلى جانب تطوير
تصويبه بحيث يكون أكثر دقة.
عملية تل أبيب
أحدثت عملية تفجير العبوة الناسفة في حوالي الساعة السابعة من صباح يوم الأحد
الموافق 11/7/2004 في محطة الحافلات التي تقع في شارع (سديروت هارتسيون) بتل
أبيب والتي أدت إلى مقتل مجندة وأصابت نحو (40) آخرين وتضرر الجزء الخلفي من
حافلة الركاب رقم (26) التابعة لشركة دان صدمة كبيرة داخل المجتمع الصهيوني،
وذهول وسط أجهزة الأمن التي تساءلت عن كيفية تمكن المجاهدين من زرع العبوة
الناسفة التي أعدت بمستوى مهني رفيع جداً. وبموازاة ذلك كله، دللت العملية على
التقنية العلمية العالية، فهذا النوع من التفجير يعتبر من أعقد العمليات
وأكثرها دقة، إذ تحتاج إلى إعداد متقن للعبوة الناسفة حتى لا تثير الشبهة
وتصميم يتلاءم مع طبيعة المكان الذي ستوضع فيه. كما أن تفجيرها عن بعد يعني أن
المجاهدين قد درسوا المنطقة جيداً واختاروا الهدف بعناية بحيث يوقع الإصابات في
صفوف العدو وتعود المجموعة المنفذة إلى قاعدتها بسلام.
وقد جاءت هذه العملية بعد عملية تفجير مماثلة استهدفت سيارة جيب قيادة كان
يستقلها الكولونيل بنحاس زوآريتس قائد المنطقة الجنوبية لقطاع غزة والكولونيل
يوسى ترجمان رئيس مديرية الانفصال في القيادة العسكرية الإسرائيلية وثلاثة جنود
قرب مستوطنة ((موراج)) الواقعة شمالي مدينة رفح. وأسفرت العملية التفجيرية التي
نفذتها كتائب القسام عن إصابة الجنود الخمسة حيث كانت إصابة الضابطان خطيرة مما
استدعى بتر ساق الكولونيل بنحاس زوآريتس نتيجة الحروق البالغة التي أصيب بها.
المقاومة تفاجئ الاحتلال
فاجأت المقاومة الفلسطينية الاحتلال الإسرائيلي بمستوى ونوعية العمليات التي
نفّذتها في قطاع غزة، لدرجة دفعت العدو مجدداً إلى العودة لاستخدام أساليب
القصف العشوائي ومعاقبة المدنيين الآمنين.
شهر تموز/يوليو الماضي تميّز بمجموعة من العوامل التي أثبتت قدرة المقاومة
وكفاءتها ومهارتها في تجاوز الأزمات والحصار السياسي (خطة الفصل والمبادرة
المصرية) وتخطي عمليات القتل والاغتيال والملاحقة الداخلية. ومن هذه العوامل:
- التخطيط الدقيق لتنفيذ عدد من العمليات النوعية مثل تفجير موقع محفوظة (أبو
هولي) عبر نفق تحت الأرض.
- استهداف موكب لقيادة قوات الاحتلال في غزة أسفر عن جرح كبار القيادة العسكرية
وتدمير الآلية.
- إمطار المستوطنات الصهيونية بشكل لا سابق له بالصواريخ.
- استمرار إطلاق الصواريخ من داخل المناطق التي يجتاحها الصهاينة.
- حدوث مواجهات عسكرية مباشرة مع قوات النخبة في الجيش الصهيوني والاشتباك
المباشر مع القوات المتوغلة في البلدات.
كل هذه العوامل تثبت ما يلي:
- إن المقاومة في غزة لا تزال قوية وقادرة على ردع الاحتلال.
- المقاومة تتمع بخاصية التجدد والتنوع، وهي تمتلك الكثير من الخبرات
والمهارات.
- المقاومة قادرة على ضرب الاحتلال في أماكن موجعة واستهداف بنيته العسكرية،
بينما يكون رد الاحتلال عبر استهداف المدنيين.
أداء المقاومة النوعي يؤشر إلى حالة الارتياح التي تعيشها المقاومة على الصعيد
الشعبي، إذ إنه ورغم العدوان الإسرائيلي على الأهالي فإن أعمال المقاومة
وعملياتها تحظى بدعم وتأييد المجتمع، وتلقى عمليات استهداف الاحتلال الكثير من
الارتياح في الشارع، على رغم عمليات الانزعاج التي تبدو على بعض القيادات
المرتبطة بعملية التسوية، والتي كانت ولا تزال تتحرك للاصطياد في المياه
العكرة.
القسّام تفجّر ناقلتي جند
أعلنت ((كتائب الشهيد عز الدين القسام)) أنها فجّرت في العشرين من تموز/يوليو
الماضي عبوة شديدة الانفجار باتجاه ناقلة جند صهيونية في بلدة بيت حانون، وقد
أصاب الانفجار الناقلة إصابة مباشرة.
وبعد ساعات قليلة على العملية الأولى تمكن مجاهدو القسّام من إطلاق قذيفة ((آر
بي جي)) باتجاه ناقلة جند صهيونية في مدينة بيت حانون حين كان الجنود يعتلونها.
وقد أصابت القذيفة هدفها بشكل مباشر. وتمكّن المجاهدون في كلا المهمتين من
الانسحاب بسلام كما أشار بيان الكتائب. وذكر بيان الكتائب أن العمليتين مصورتين
وسيتم نشر شريط التصوير في الوقت المناسب.
وفي إطار التضحيات التي تقدّمها كتائب القسّام استطاع المجاهد القسامي باسل أبو
شهاب تنفيذ عملية استشهادية في دورية جنود صهاينة حاصرته عند بلدة صيدا في
طولكرم وطلبت منه الاستسلام، لكنه رفض وفجّر نفسه في الدورية موقعاً عدداً من
الجنود الصهاينة بين قتيل وجريح.
قائد الشرطة الإسرائيلية: لا يمكن منع العمليات
أكّد المفوض العام للشرطة الإسرائيلية، المنتهية ولايته، شلومو أهرنشكي أن
فصائل المقاومة الفلسطينية لديها إصرار كبير على تنفيذ عمليات تفجيرية ضد أهداف
إسرائيلية. مشيراً إلى أنه ((لا يمرّ يوم دون أن يقوم الفلسطينيون بالإعداد
لعملية وتجهيز أفرادها للقيام بها)). وقال أهرونشكي، خلال لقائه برئيس الكيان
الصهيوني موشيه قصاب ((إن (إسرائيل) تعيش منذ سنوات خلت تحت تهديدات (إرهابية)،
إذ إن قوات الأمن تتلقى على مدار الساعة إنذارات لا حصر لها تتعلّق بنية
مقاومين فلسطينيين ارتكاب أعمال ضدّ مصالح إسرائيلية)).
وأوضح أهرونشكي أن جميع الأذرع والجهات الأمنية تبذل كل جهد مستطاع من أجل
إحباط أعمال المقاومة، مع تأكيده بأنه لا يمكن منع العمليات الفلسطينية بشكل
كامل. وتأتي تصريحات أهرونشكي، بعد اعترافات مماثلة لوزير الحرب الصهيوني شاؤول
موفاز قال فيها إنه بالرغم من تعرّض فصائل المقاومة الفلسطينية لضربات قاسية
تمثلت باغتيال كبار قادتها، إلا أن قوتها بقيت كما كانت.