فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Aug2004
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
تقرير1
تقرير2
تقرير3
تحقيق
شؤون العدو
الغلاف1
الغلاف2
الملف1
الملف2
الملف3
تحليل
رأي - غازي حمد
رأي - ياسر الزعاترة
شؤون عربية
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
مع الغروب
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
خربشات حرة
لوحات فنية

 

شؤون فلسطينية2


حوار مع السكرتير الشخصي للشيخ أحمد ياسين
كيف كان يعمل الشيخ

غزة/إبراهيم الأحمد
ما إن طلبنا من أحد سائقي السيارات الواقفة على مفرق (المغربي) في شارع الثلاثيني في مدينة غزة أن يوصلنا إلى بيت الشيخ أحمد ياسين ومكتبه.. حتى طار بنا وهو يحدثنا عن عظمة هذا الشيخ ومواقفه الجميلة مع أهل هذا الحي المكتظ..
وتوقفت السيارة عند بيت متواضع خُطّ على جدرانه بشكل متميز وجميل، عبارات التحية لكتائب القسام ولحماس ولروح الشيخ المجاهد أحمد ياسين.
طرقنا الباب، فقابلَنا شابٌ ملتحٍ، ورحب بنا وعرّفنا أنه سكرتير الشيخ ويُدعى أبو مؤمن. بعد أن دخلنا إلى غرفة متواضعة جداً، حيث الأثاث قديم مليء بالكتب، ولكنه مرتب ومنسق، فسألناه عن هذا المكتب وما هو دوره؟ فقال: هذا المكتب كان يستقبل الضيوف الكثر الذين كانوا يتوافدون للقاء الشيخ أحمد ياسين. وكان محط أنظار السياسيين وكبار القوم والضعفاء على حد سواء. حتى أن المساكين والأرامل كانوا يتوافدون هنا بشكل يومي وعلى مدار الساعة، يطلبون مساعدة الشيخ. ومهما ازدحم الحاضرون كان إصرار الشيخ شديداً لمقابلتهم وسماع شكواهم ومساعدتهم، حتى في أقسى الظروف وأعقدها. لم يمنعه حرصه الأمني من أن يكون بابه مفتوحاً لطلبات الضعفاء من النساء والوِلْدان.
سألته مستغرباً: هذا عن الضعفاء فماذا عن كبار القوم والصحافة وغيرهم هل كانوا ينتظرون هنا في هذا المكان المتواضع؟
فتبسّم ونظر إلى السماء وكأنه يتذكر. وقال: إن الشيخ أحمد ياسين كان مصرّاً على أن يبقى في هذا البيت المتواضع، حتى أن بعض المحتاجين حينما قدموا ارتدوا من حيث أتوا، وهم يقولون إن حال الشيخ ليس أفضل من حالنا. مع العلم أن الكثير من الجمعيات والميسورين عرضوا على الشيخ أن يبنوا له بيتاً كبيراً بصالات ضخمة وأثاث جيد، إلا أنه رفض أي عرض من هؤلاء. وحين كان في السجن، عرضوا الأمر على أبنائه ليضغطوا عليه.. فأرسل لأبنائه أنه ((لن يبني طوبة واحدة)).. ومن أراد غير ذلك فأرض الله واسعة ليذهب ويعمّر ويبني ويؤثّث..
وأردف أبو مؤمن قائلاً: انظر، أنت تشاهد هذه الجدران الممتلئة بالرطوبة، مما يجعلها غير صالحة وبحاجة للترميم. في يوم عرضت عليه أن نغطي هذا المكان بالستائر، فانتهرني بشدة وقال ((هذه الستائر كم فقير ستطعم؟ وماذا ستعمل؟ فقلنا إننا نستقبل الناس وعلينا أن نتجمل. قال: ((هكذا نحن. وهذه حياتنا. إن الأموال التي تصرف لإطعام الفقراء خير ألف مرة من أموال تصرف على الكماليات)).

سألناه عن البرنامج اليومي للشيخ في مكتبه، قال:
قبل محاولة الاغتيال كان الشيخ يستيقظ فجراً فيقرأ ما يشاء الله له أن يقرأ من القرآن. ويجالس أهله ومرافقيه، حتى يحين موعد الدوام في المكتب، فيتناول الفطور، ويبدأ بقراءة التقارير الواردة إليه من كل حدب وصوب. وبعد ذلك نجتمع ويطلب مني أن أحضر له مواعيده لهذا اليوم. قبل الاغتيال كانت المواعيد لا تنتهي فيقضي الوقت إلى العشاء بين لقاء وآخر. بعد ذلك يتناول عشاءه وينام قليلاً، ثم يستيقظ ليتابع بعض التقارير الإخبارية التي نجمعها له من العالم والإنترنت. ثم ينام بعد ذلك قليلاً ويستيقظ قبل الفجر بساعة أو يزيد فيصلي ما شاء الله له أن يصلي. وكان الشيخ حريصاً على أداء الجماعة في المسجد، ولم يتغيب عنها إلا لظرف قاهر..

وما هي المجالات التي كان الشيخ يتابعها؟
أولاً لم يترك الشيخ مجالاً لم يتابعه وهذه حقيقة. ومع هذا فإن الأيام الأخيرة أخذت متابعته لهموم الأمة الكثير من وقته، والتفكير بأمر الحركة وخصوصاً بعد انتفاضة الأقصى، وهذه التوسعات التي فرضتها الساحة. وكان حريصاً على أن تكون حماس في المقدمة في المقاومة وفي الحوار الوطني.
وهناك مجالات اجتماعية كان الشيخ يتابعها بنفسه.. أسر فقيرة يسأل عنها ويزورها ويعطيها مما رزقه الله. وكان يتألم جدا لحال الكثيرين. وهناك الكثير من الطلبات كانت تصل إلى مكتبنا هذا. والشيخ يطلع عليها جميعها. ويقرأها جميعها. ويعالجها بحكمة نفتقدها لدى الكثير ممن ولاّهم الله شؤون هذه الأمّة. فالكثير من المرضى والمحتاجين وأصحاب المشاكل والطلاب الذين ضاقت عليهم الدنيا كانوا يلجأون إلى الشيخ يساعدهم. وأجمل اللحظات التي كنا نحسّها مع الشيخ، حينما يرسم البسمة على وجه رجل أو امرأة أو طفل محتاج لهذه البسمة.
كان الشيخ يتابع المكتب والانضباط حتى إذا تأخرنا في يوم من الأيام دقائق قليلة يعاتبنا، وقال إن أساس الفشل هو الاستهتار بالمواعيد.

وأين كان يعقد الشيخ اجتماعاته، في البيت أم في المكتب؟
أولاً، لا فرق بتاتاً بين البيت المتواضع وبين المكتب. ومع هذا تجد أن الشيخ كان له خصوصياته الكثيرة التي لا نطلع عليها. فالاجتماعات مع المهمين كان يدخل بها إلى بيته، حتى إننا لا نعلم المكان بالتحديد في بيته، ولا يسمح لأحد بالدخول حتى لتقديم الضيافة. وأما الاجتماعات العادية وشبه العادية فكانت في هذا المكان.
أما بعد محاولة الاغتيال فقد أصبحت اجتماعاته جميعها في الداخل. فمحاولة الاغتيال غيرت إجراءاته الإدارية والأمنية.

وكيف كان أداء الشيخ الإداري ومتابعته لشؤونها؟
إن السبب الأول لنجاح الشيخ وعظمته هو أسلوبه الإداري الفريد. وأول أسباب النجاح الإداري هو إدارة الوقت. الشيخ لم تكن تمر عليه دقيقة من غير إنتاج. كانت ساعات نومه قليلة. حتى أنه ما إن يفرغ من أعماله ومتابعته حتى يقول تعالوا نزور الجمعية الفلانية، أو نصل الأرحام، أو نذهب إلى آل الشهيد لنشجعهم.
الشيخ من بداية الانتفاضة لم يترك فرحاً لشهيد إلا تواجد فيه. الجنازات كان يصرّ على المشاركة في الجنازات في كثير من الجنائز لم يركب السيارة بل كان يصرّ أن يسير في البرد أو الشمس ليأخذ الأجر. لا يوجد وقت فراغ عند الشيخ. يومه كان مكتظاً بالأعمال. ولهذا كان ناجحاً. حتى إن الفراغ الآن يملأ المكان، فالشيخ ترك فراغاً كبيراً.
وهل إدارته فقط هي سبب هذه العظمة وهذا النجاح؟
تبسَّم قائلاً: لا.. بل قبلها إيمانه وعقله الكبير وبصيرته وذاكرته الحديدية.
فالشيخ وهبه الله ذاكرة لا تكاد تترك شيئاً، فالأسماء تمرّ عليه مرة واحدة يحفظها ويحفظ أيضا صورها وأعمالها ومواقفها.. وكان يأتي إلينا الشاب وقد رآه مرة واحدة وعرّفه بنفسه ويقول هل يا ترى يذكرني؟ فيدخل عليه فإذا به يعرفه ويذكره ويذكّره بمواقف طريفة حدثت في اللقاء. وقسْ على ذلك ازدحام المهمات والمجالات والمتابعات والقضايا التي في رأسه.
ومن تجربتي في هذا المجال، أنه سألني ذات يوم عن مواعيده في ذلك اليوم، وسردت له مواعيده، ولكني نسيت واحداً.. فقال لي وموعدنا مع فلان الساعة السابعة؟ فقلت: لا يوجد. فقال: اذهب وأحضر كراسة المواعيد، فوجدته كما قال.

 

أم محمد زوجة الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي
تتحدث عن حياته العائلية والشخصية


ليس هناك أفضل معرفة بالشخص من أهل بيته، وإذا كان أهل بيته ممن رافقوه بدعوته وسيرته، أحاطوا بكل جوانب حياته، وكانوا أخبر الناس به. للإحاطة بالجوانب العائلية من حياة القائد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي. توجهنا بأسئلتنا إلى السيدة رشا العدلوني (أم محمد الرنتيسي) التي كانت فرِحة بحفيدها الأول من أبنائها الذكور، عبد العزيز الرنتيسي الصغير..
طرحنا أسئلتنا، وتركنا لها الكلام عن القائد الشهيد، فتتحدث بالتالي:

الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، ولو ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه الغرّ الميامين ومن سار على دربه واتبع هداه إلى يوم الدين.
وبعد:
الكل يعرف الدكتور عبد العزيز الرنتيسي قائداً سياسياً يقول كلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم، لكن لا يعرفه كإنسان إلا من تعامل معه عن قرب.
فإذا أردنا أن نتحدث عنه كذلك نقول: لقد كان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي شخصية إسلامية متكاملة يتمثل الإسلام بشموليته.
حفظ القرآن كاملاً وفهمه فهماً جيداً، وطبقه في كل أمور حياته؛ في عباداته، معاملاته، أخلاقه، جهاده. وكان متأسياً بذلك برسول الله صلى الله عليه وسلّم، والذي قالت فيه عائشة حينما سئلت عن أخلاقه قالت: ((كان خلقه القرآن)). وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قرآنا يمشي على الأرض. وهكذا كان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي.
فهو كطبيب كان مخلصا نفع بتلك المهنة أبناء شعبه، وشهد له بذلك الأعداء قبل الأصدقاء. في علاقاته الاجتماعية كان كريماً، متواضعاً، متسامحاً، كان شديد الحياء ولا يتنافى ذلك مع شدته على الكفار، كان يتمثل الآية التي تقول ((أشداء على الكفار رحماء بينهم)).

مع العائلة
عرف أن الإٍسلام كرم المرأة فكرمها الدكتور أيّما تكريم..
كان لأمه ابناً باراً، لم أذكر أنه يوماً رفع صوته على أمه أو رفض لها طلباً. فقد كانت أمه ملاذاً له، وقد تأثر لغيابها تأثراً بالغاً حين كان في سجون السلطة، خاصة وأن أباه توفي قبل أن يبلغ الدكتور أشده.
أما علاقته بأخواته فقد كان واصلاً لرحمه محباً لأخواته، يسأل عنهنّ ويسألن عنه دائماً.
وفي حياته الزوجية كان يتمثل حديث الرسول صلّى الله عليه وسلّم ((خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي))، وأشهد للدكتور عبد العزيز الرنتيسي أنه كان خيرهم لأهله. لقد كان زوجاً رائعاً، تحمّلنا متاعب الحياة معاً، وكان يشجعني دائماً بابتسامته الرقيقة، لا أذكر أنه أساء لي يوماً بكلمة أو بتصرّف يزعجني.
لم يكن يثقل عليّ بطلباته كما يفعل الأزواج، يُعدّ ما يريد بيده، كنت عندما أكون مشغولة في المطبخ وحدي ويكون هو في البيت يقول لي: أنت تطبخين وأنا أُعدّ السلطة, كان كثيراً ما يساعدني في الأعمال المنزلية في وقت فراغه. وفي الفترة الأخيرة بعد محاولة اغتياله الأولى وعندما أصبح لا يخرج من البيت إلا نادراً، حين أكون أنا في العمل كان يعدّ طعامه بنفسه.
كما كان مدلِلاً لبناته قبل الزواج وبعده مكرماً لهن ملاطفاً، لو استطاع أن يحملهنّ على أكفّ الراحة لفعل! كان أباً حنوناً جداً، يحب أولاده كثيراً، ويحاول دائماً أن يوفر لهم ما يطلبونه، فرغم انشغاله الشديد بعمله وخاصة في الفترات الأخيرة من حياته وبعد محاولة اغتياله الأولى، كان البيت مكتظاً دائماً بالصحفيين، إلا أن ذلك لم يجعله متوتراً أبداً. فلو حدث ودخل غرفة ليأخذ شيئاً ما ورأى أحفاده أو حماته أو إحدى بناته كان يبتسم لهم ويسألهم عن أحوالهم. كان يحب الأطفال جداً، ولا سيما أحفاده الذين يبلغ عددهم 14 حفيداً, كان يحبهم كثيراً ويحملهم على كتفه ويصطحبهم معه ويشتري لهم ملابس العيد، كانت حفيدته أسماء ابنة ابنته سمر (الحفيدة الأولى) شديدة التعلق به، وكان يحبها حباً شديداً. كما كان محبباً لأصهاره مرحاً معهم، يعاملهم كأبنائه..

عبادته
رغم مشاغله وجهوده التي كان يبذلها ليلاً نهاراً، لم يفتر عن قيام الليل وهذه الصلة بالله سبحانه وتعالى كان لها دور كبير في قوته وجرأته، فالشهيد سيد قطب يقول ((من لم يصبر على الوقوف ساعة في قيام الليل بين يدي الله لن يقوى على الوقوف خمس دقائق في وجه طاغية)).
هذا في الصلاة أما في الإنفاق فكان يبذل من ماله الخاص ما استطاع في سبيل الله ولا يتردد.

القيادي
كان أبو محمد يتمتع بشخصية متميزة جداً تعلمت منه الحكمة والثقة بالنفس، ومن أهم ما يميزه شعوره بالعزة والإباء والثقة بالله دائماً، فهو لا يخاف في الله لومة لائم، كما أن قلبه كبير يتسع لكل من حوله.
وأنه رغم اعتداده برأيه، إلا أنه يتنازل عن رأيه إذا ما شعر بصواب رأي الآخرين. وبالنسبة لمدى عقلانية شخصيته، خاصة أن هناك شعوراً من خلال تصريحاته بأنه يتكلم بانفعال مميز، فذلك لأنه يتكلم من قلبه ويريد التأثير فيمن حوله. لكنه على العكس من ذلك يحكم عقله دوماً وما يقصده هو إغاظة العدو.
إنسان هذه أخلاقه في هذا الزمن الذي نجد الكثير ممن يدينون دين الإسلام يفرّطون في ذلك، يتمسكون بجزء من الإسلام ويتركون أجزاء، مع أن الإسلام كلٌ لا يتجزأ، يذكرنا ذلك بقول الحق تبارك وتعالى: ((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم)).
فاهنأ يا أبا محمد فالكل يشهد أنك من هؤلاء القوم، وأسأل الله أن يكون أعطاك وزادك من فضله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 

صباح الخير يا دكتور.. سنكمل الدرس!!



تأخر الدكتور اليوم.. ساد الهمس بيننا ونحن نترقب الدقائق لتمرّ بسرعة وتبتدئ محاضرة إسعافات أولية. كانت القاعة تغصّ بالطالبات يترقبن دخول الدكتور بلهفة، فقبل قليل أعلنت إذاعة العدو أن هناك انفجاراً ضخماً في مطعم في تل أبيب وعلت الأصوات: هناك قتلى وعدة إصابات و.. ويقولون أن كتائب القسام هي المسؤولة عن العملية، فترد معلومات أخرى أن تنظيماً آخر أعلن مسؤوليته. تفاعل الجدال بين الطالبات فقالت إحداهنّ: حين يحضر الدكتور عبد العزيز سنرى! ولكنه تأخر..
أين الدكتور؟؟ ارتفعت الأصوات لقد تأخر اليوم على غير عادته!! دخل الدكتور عبد العزيز مبتسماً كعادته، شامخاً في مشيته، وألقى السلام ونحن نتطلع إليه بلهفة شديدة. وقف أمامنا ليبلغنا اعتذاره اليوم عن المحاضرة، فعلى الباب تنتظره الصحافة الأجنبية لإجراء حوار معه حول أحداث اليوم. ثم انطلق مسرعاً في طريقه، فاضطررنا للجري خلفه واستوقفناه مازحين: دكتور من المسؤول عن هذه العملية؟؟ فابتسم بثقة قائلاً: ((مش طار السقف؟ - سقف المطعم - يِبقى حماس))، ثم ابتسم ومضى مسرعاً.
كان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي يدرّس في الجامعة مادة الطفيليات، ولكنها مادة دقيقة وتحتاج إلى مجهود ووقت إضافي يصعب على الدكتور التوفيق بينها وبين المهمات التي يقوم بها في العمل السياسي والإعلامي والحركي. لذلك تولى تدريس مادة سهلة نسبياً، ولها دور أساسي مؤثر في ثقافة المقاومة. مادة الإسعافات الأولية، ورغم أنها مادة تدرس كمتطلب إجباري في الجامعة؛ إلا أننا كنا ننتظرها بلهفة لرؤية الدكتور عبد العزيز ((أسد فلسطين ومغيظ شارون اللعين)) كما كنا نحب أن نتندر فيما بيننا نحن طالباته. كان رحمه الله مرحاً جداً على عكس الجدية والصرامة وربما الحِدّة، التي يبدو فيها على شاشة التلفزيون. كان محبوباً جداً بين طلابه، حريصاً على إرضائهم. كنا في المحاضرة رغم اهتمامه بالجانب العلمي وحرصه على إكمال المنهج المقرر، كنا كثيراً ما نقاطعه لنسأله عما يدور على الساحة من أحداث.. كان يبتسم من شقاوتنا، يجيبنا.. ثم يعود قائلاً: لنكمل الدرس. هذه العبارة كانت تتكرر دائماً في حصصه ((لنكمل الدرس)).
كنا نبدي له انزعاجنا، لأننا نريد أن نغتنم فرصة وجوده بيننا بالكلام عن الأحداث السياسية.. أذكر مرة كانت له محاضرة في ساحة الطالبات في الجامعة، تطرق فيها للحديث عن ضرورة مشاركة المرأة الفلسطينية في الأحداث السياسية التي كانت مشتعلة جداً في ذلك الوقت. ثم جاء دور الطالبات ليسألنه، فسألت طالبة: لماذا لا تشارك الفتاة بالعمل العسكري؟ تطلع إليها وابتسم وقال: إنه لا يعارض ذلك، ولكن هذا يحتاج إلى إمكانيات كبيرة لا تستطيع حماس توفيرها في الوقت الراهن.. انتهى النقاش هنا وكان موعد محاضرتنا قد حان.
كانت القاعة تغصّ بالطالبات من جميع أقسام الكليات في الجامعة، وحين دخل الدكتور عبد العزيز أخذت الطالبات يهتفن: يا قسام هات هات.. هات سلاح للبنات.. يا رنتيسي هات هات.. هات سلاح للبنات!!
وقف القائد الشهيد يومها مبتسماً ينظر إلينا بفخر ثم قال: والله إن أمة هذا هو تفكير فتياتها ستنتصر بإذن الله! ثم ابتدأ يشرح الدرس..
واليوم يا أستاذنا ما زال تلاميذك على الدرب يتابعون الدرس الذي ما زال في بدايته، ولن ننسى كلماتك في مهرجان المئة ألف حين انتزعت بندقية قسامي بقربك وصرخت بالحشود الغفيرة، ((هذا هو الطريق! هذا هو الخيار! خيار المقاومة فقط..)) وسوف ((نكمل الدرس)) الذي لن ينتهي قبل زوال الاحتلال عن كل فلسطين إن شاء الله.

 
 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003