حوار مع السكرتير الشخصي
للشيخ أحمد ياسين
كيف كان يعمل الشيخ
غزة/إبراهيم
الأحمد
ما إن طلبنا من أحد سائقي السيارات الواقفة على مفرق (المغربي) في شارع
الثلاثيني في مدينة غزة أن يوصلنا إلى بيت الشيخ أحمد ياسين ومكتبه.. حتى طار
بنا وهو يحدثنا عن عظمة هذا الشيخ ومواقفه الجميلة مع أهل هذا الحي المكتظ..
وتوقفت السيارة عند بيت متواضع خُطّ على جدرانه بشكل متميز وجميل، عبارات
التحية لكتائب القسام ولحماس ولروح الشيخ المجاهد أحمد ياسين.
طرقنا الباب، فقابلَنا شابٌ ملتحٍ، ورحب بنا وعرّفنا أنه سكرتير الشيخ ويُدعى
أبو مؤمن. بعد أن دخلنا إلى غرفة متواضعة جداً، حيث الأثاث قديم مليء بالكتب،
ولكنه مرتب ومنسق، فسألناه عن هذا المكتب وما هو دوره؟ فقال: هذا المكتب كان
يستقبل الضيوف الكثر الذين كانوا يتوافدون للقاء الشيخ أحمد ياسين. وكان محط
أنظار السياسيين وكبار القوم والضعفاء على حد سواء. حتى أن المساكين والأرامل
كانوا يتوافدون هنا بشكل يومي وعلى مدار الساعة، يطلبون مساعدة الشيخ. ومهما
ازدحم الحاضرون كان إصرار الشيخ شديداً لمقابلتهم وسماع شكواهم ومساعدتهم، حتى
في أقسى الظروف وأعقدها. لم يمنعه حرصه الأمني من أن يكون بابه مفتوحاً لطلبات
الضعفاء من النساء والوِلْدان.
سألته مستغرباً: هذا عن الضعفاء فماذا عن كبار القوم والصحافة وغيرهم هل كانوا
ينتظرون هنا في هذا المكان المتواضع؟
فتبسّم ونظر إلى السماء وكأنه يتذكر. وقال: إن الشيخ أحمد ياسين كان مصرّاً على
أن يبقى في هذا البيت المتواضع، حتى أن بعض المحتاجين حينما قدموا ارتدوا من
حيث أتوا، وهم يقولون إن حال الشيخ ليس أفضل من حالنا. مع العلم أن الكثير من
الجمعيات والميسورين عرضوا على الشيخ أن يبنوا له بيتاً كبيراً بصالات ضخمة
وأثاث جيد، إلا أنه رفض أي عرض من هؤلاء. وحين كان في السجن، عرضوا الأمر على
أبنائه ليضغطوا عليه.. فأرسل لأبنائه أنه ((لن يبني طوبة واحدة)).. ومن أراد
غير ذلك فأرض الله واسعة ليذهب ويعمّر ويبني ويؤثّث..
وأردف أبو مؤمن قائلاً: انظر، أنت تشاهد هذه الجدران الممتلئة بالرطوبة، مما
يجعلها غير صالحة وبحاجة للترميم. في يوم عرضت عليه أن نغطي هذا المكان
بالستائر، فانتهرني بشدة وقال ((هذه الستائر كم فقير ستطعم؟ وماذا ستعمل؟ فقلنا
إننا نستقبل الناس وعلينا أن نتجمل. قال: ((هكذا نحن. وهذه حياتنا. إن الأموال
التي تصرف لإطعام الفقراء خير ألف مرة من أموال تصرف على الكماليات)).
سألناه عن البرنامج اليومي للشيخ في مكتبه، قال:
قبل محاولة الاغتيال كان الشيخ يستيقظ فجراً فيقرأ ما يشاء الله له أن يقرأ من
القرآن. ويجالس أهله ومرافقيه، حتى يحين موعد الدوام في المكتب، فيتناول
الفطور، ويبدأ بقراءة التقارير الواردة إليه من كل حدب وصوب. وبعد ذلك نجتمع
ويطلب مني أن أحضر له مواعيده لهذا اليوم. قبل الاغتيال كانت المواعيد لا تنتهي
فيقضي الوقت إلى العشاء بين لقاء وآخر. بعد ذلك يتناول عشاءه وينام قليلاً، ثم
يستيقظ ليتابع بعض التقارير الإخبارية التي نجمعها له من العالم والإنترنت. ثم
ينام بعد ذلك قليلاً ويستيقظ قبل الفجر بساعة أو يزيد فيصلي ما شاء الله له أن
يصلي. وكان الشيخ حريصاً على أداء الجماعة في المسجد، ولم يتغيب عنها إلا لظرف
قاهر..
وما هي المجالات التي كان الشيخ يتابعها؟
أولاً لم يترك الشيخ مجالاً لم يتابعه وهذه حقيقة. ومع هذا فإن الأيام الأخيرة
أخذت متابعته لهموم الأمة الكثير من وقته، والتفكير بأمر الحركة وخصوصاً بعد
انتفاضة الأقصى، وهذه التوسعات التي فرضتها الساحة. وكان حريصاً على أن تكون
حماس في المقدمة في المقاومة وفي الحوار الوطني.
وهناك مجالات اجتماعية كان الشيخ يتابعها بنفسه.. أسر فقيرة يسأل عنها ويزورها
ويعطيها مما رزقه الله. وكان يتألم جدا لحال الكثيرين. وهناك الكثير من الطلبات
كانت تصل إلى مكتبنا هذا. والشيخ يطلع عليها جميعها. ويقرأها جميعها. ويعالجها
بحكمة نفتقدها لدى الكثير ممن ولاّهم الله شؤون هذه الأمّة. فالكثير من المرضى
والمحتاجين وأصحاب المشاكل والطلاب الذين ضاقت عليهم الدنيا كانوا يلجأون إلى
الشيخ يساعدهم. وأجمل اللحظات التي كنا نحسّها مع الشيخ، حينما يرسم البسمة على
وجه رجل أو امرأة أو طفل محتاج لهذه البسمة.
كان الشيخ يتابع المكتب والانضباط حتى إذا تأخرنا في يوم من الأيام دقائق قليلة
يعاتبنا، وقال إن أساس الفشل هو الاستهتار بالمواعيد.
وأين كان يعقد الشيخ اجتماعاته، في البيت أم في المكتب؟
أولاً، لا فرق بتاتاً بين البيت المتواضع وبين المكتب. ومع هذا تجد أن الشيخ
كان له خصوصياته الكثيرة التي لا نطلع عليها. فالاجتماعات مع المهمين كان يدخل
بها إلى بيته، حتى إننا لا نعلم المكان بالتحديد في بيته، ولا يسمح لأحد
بالدخول حتى لتقديم الضيافة. وأما الاجتماعات العادية وشبه العادية فكانت في
هذا المكان.
أما بعد محاولة الاغتيال فقد أصبحت اجتماعاته جميعها في الداخل. فمحاولة
الاغتيال غيرت إجراءاته الإدارية والأمنية.
وكيف كان أداء الشيخ الإداري ومتابعته لشؤونها؟
إن السبب الأول لنجاح الشيخ وعظمته هو أسلوبه الإداري الفريد. وأول أسباب
النجاح الإداري هو إدارة الوقت. الشيخ لم تكن تمر عليه دقيقة من غير إنتاج.
كانت ساعات نومه قليلة. حتى أنه ما إن يفرغ من أعماله ومتابعته حتى يقول تعالوا
نزور الجمعية الفلانية، أو نصل الأرحام، أو نذهب إلى آل الشهيد لنشجعهم.
الشيخ من بداية الانتفاضة لم يترك فرحاً لشهيد إلا تواجد فيه. الجنازات كان
يصرّ على المشاركة في الجنازات في كثير من الجنائز لم يركب السيارة بل كان يصرّ
أن يسير في البرد أو الشمس ليأخذ الأجر. لا يوجد وقت فراغ عند الشيخ. يومه كان
مكتظاً بالأعمال. ولهذا كان ناجحاً. حتى إن الفراغ الآن يملأ المكان، فالشيخ
ترك فراغاً كبيراً.
وهل إدارته فقط هي سبب هذه العظمة وهذا النجاح؟
تبسَّم قائلاً: لا.. بل قبلها إيمانه وعقله الكبير وبصيرته وذاكرته الحديدية.
فالشيخ وهبه الله ذاكرة لا تكاد تترك شيئاً، فالأسماء تمرّ عليه مرة واحدة
يحفظها ويحفظ أيضا صورها وأعمالها ومواقفها.. وكان يأتي إلينا الشاب وقد رآه
مرة واحدة وعرّفه بنفسه ويقول هل يا ترى يذكرني؟ فيدخل عليه فإذا به يعرفه
ويذكره ويذكّره بمواقف طريفة حدثت في اللقاء. وقسْ على ذلك ازدحام المهمات
والمجالات والمتابعات والقضايا التي في رأسه.
ومن تجربتي في هذا المجال، أنه سألني ذات يوم عن مواعيده في ذلك اليوم، وسردت
له مواعيده، ولكني نسيت واحداً.. فقال لي وموعدنا مع فلان الساعة السابعة؟
فقلت: لا يوجد. فقال: اذهب وأحضر كراسة المواعيد، فوجدته كما قال.