|
































| |
|
كيف ينظر الصهاينة إلى الشيخ ياسين
ولماذا يخشاه الاحتلال؟! |
على الرغم من أن (إسرائيل) قد خبرت بالتجربة أن هذا منطقاً مضللاً، وغير صحيح
البتة، إلا أنه بفعل قناعات بعض قادة الأجهزة الأمنية فيها، فقد تمّ جرها إلى
العمل وفق استنتاج مفاده أن المسّ بقادة حركات المقاومة يمكن أن يؤدي إلى شلّ
هذه الحركات. ولما كانت حركة حماس الحركة الأكثر خطورة على وجود الدولة
العبرية، كما يقر بذلك وزير الحرب الصهيوني شاؤول موفاز، فإن بعض قادة الأمن
وكبار الساسة قد آمنوا أنه بالإمكان سحب هذا الاستنتاج على التعامل مع حركة
حماس. وتحرياً للموضوعية فإن هذا لم يكن رأي جميع قادة الأجهزة الأمنية وكبار
رجال السياسة في الدولة، لكن في الآونة الأخيرة وضح تماماً أن هناك داخل
المؤسسة الأمنية والسياسية في الدولة العبرية أغلبية آمنت بضرورة تصفية قيادة
حركة حماس، وعلى رأسها الشيخ أحمد ياسين، على أمل أن يؤدي ذلك إلى القضاء على
الحركة. من هنا نلحظ أن هناك تصاعداً واضحاً في التحريض على تصفية قيادة
الحركة، وعلى الشيخ تحديداً. شارون الذي هنأ الجيش والمخابرات بتصفية الشيخ
ياسين، وصف الشيخ بأنه ((أكثر أعداء (إسرائيل) والشعب اليهودي، صرامة وتصميماً
على إبادة اليهود)).
الصهاينة: ياسين يتحمل المسؤولية
على مدى عامين حرص وزير الحرب الصهيوني ووزير دفاعه موشيه بوغي يعلون، فضلاً عن
قائد شعبة الاستخبارات العسكرية على القول إن الشيخ ياسين هو الذي يعطي
التعليمات لتنفيذ العمليات الاستشهادية التي تقوم بها حركة حماس. هؤلاء يصرون
على أن ياسين لا يصدر التعليمات بتنفيذ هذه العملية أو تلك بشكل خاص، لكنه
يصادق على سياسات عامة تحث على مواصلة العمليات الاستشهادية التي تقرّ الدولة
العبرية بالعجز إزاء التعامل معها. واعتاد موفاز القول ((إن هذا العجوز المكون
من جسم هامد يشكل أكبر مصدر للخطر على الدولة، لما له من تأثير واسع وقدرة
كبيرة على تأطير الشباب الفلسطيني للانضواء تحت راية المقاومة الفلسطينية)).
قادة الأجهزة الأمنية وفي مسعاهم للتمهيد لتصفية الشيخ ياسين، أخذوا يغرقون
وسائل الإعلام بآلاف التسريبات والقصص التي تؤكد مساهمة الشيخ ياسين في دفع
العمليات الاستشهادية ضد الدولة العبرية. فمثلاً كان قادة الأجهزة الأمنية
يصورون منزل الشيخ ياسين كهيئة لاجتماع أركان قادة حماس وجهازها العسكري
للتقرير في مستقبل العمل المقاوم ضد (إسرائيل). كانت التسريبات التي تقدّمها
المخابرات والجيش تصرّ على أن الشيخ على الرغم من أنه مرجعية سياسية وروحية،
إلا أنه أيضاً مرجعية عسكرية، بحيث إنه يصادق على المعالم العامة للسياسة
العسكرية التي تنفذها ((كتائب الشهيد عز الدين القسام))، الجناح العسكري لحركة
حماس.
ومن الادعاءات التي استخدمت مؤخراً في تبرير الاغتيال أن الشيخ ياسين هو الذي
أشرف شخصياً على تشكيل الجيش الشعبي لحركة حماس ليكون رديفاً لـ((كتائب عز
الدين القسام)). الصحافة ووسائل الإعلام الإسرائيلية منساقة خلف الدعاية التي
تبثها المؤسسة الأمنية تلقفت هذه الروايات وصدرتها صفحاتها الأولى، وأجريت
اللقاءات مع الذين يقدمون انفسهم كمختصين في مجال مكافحة المقاومة الفلسطينية،
لكي يدلوا بدلوهم لتفسير وتحديد مستقبل هذه الخطوة الحمساوية. لكن كان واضحاً
تماماً أن مثل هذه الروايات ترمي إلى تقديم مبررات لتصفية الشيخ ياسين، ليس
إلا.
وهناك أيضاً المزيد من المسوغات التي استخدمت في التحريض على اغتيال الشيخ
المجاهد.
ضرب وحدة الحركة
أحد المسوغات التي قدمت من أجل المسّ بالشيخ ياسين هي أن كل من هو معني بتدمير
حركة حماس، عليه أن يعمل على ضرب وحدتها الداخلية. وكما يقول الجنرال عاموس
جلعاد، رئيس الدائرة السياسية في وزارة الدفاع، فإن إزاحة الشيخ ياسين عن
الساحة، يعني إفساح المجال أمام بروز الخلافات داخل الحركة وصفوفها. ويتوقع
الإسرائيليون أن تنجم خلافات بين ما يعتبرونه قيادة حماس في الداخل والخارج. من
هنا فإن اغتيال الشيخ ياسين يعني –وفق منطق الصهاينة– إفساح المجال للخلافات
داخل الحركة أن تنفجر. هذا على الرغم من أن هناك الكثير من المعلقين داخل
الدولة العبرية يحذرون من مغبة التعلق بهذا الوهم. حيث يقول الباحث إيلي ريخيس،
الذي يعتبر أحد أهم الباحثين في مجال الحركات الإسلامية داخل الدولة العبرية،
أن كل من يراهن على إمكانية أن تدبّ الخلافات داخل جسم حركة حماس بعد اغتيال
الشيخ ياسين هو واهم. ويتوقع ريخيس أن تزداد الحركة قوة وتوحداً خلف برنامج
موحد، وبشكل أكبر. ويتهم ريخس قادة الجيش بالقصور في مجال تكوين تصور صحيح عن
حركة حماس، الأمر الذي يدفعهم إلى رسم سيناريوهات غير منطقية ولا تستند إلى
أساس من منطقي سليم.
رمزية الشيخ
أحد المسوغات التي قدمت في مجال التحريض على اغتيال الشيخ ياسين، كان بلا شك ما
يمثله من قيمة رمزية هائلة سواء على مستوى الشعب الفلسطيني والأمّتين العربية
والإسلامية. وهناك داخل الدولة العبرية من ظن أنه باغتيال الشيخ ياسين فإنه
بالإمكان إفقاد حركة حماس القدرة على الاستفادة مما تمثله الرمزية للشيخ ياسين.
على الأقل هذا ما تطرق إليه صراحة عدد من الجنرالات في الجيش، من أمثال رئيس
الأركان موشيه يعلون، والجنرال أهارون زئيفي فركش قائد الاستخبارات العسكرية
وشارون، ناهيك عن أحزاب اليمين والكثير من قادة اليسار، كما سنوضح لاحقاً.
اليسار يؤيّد
إن كان هناك من دليل على تلاشي الفوارق بين اليمين واليسار في الدولة العبرية
في القضايا التي تخصّ الشعب الفلسطيني، فإن حادثة اغتيال الشيخ أحمد ياسين،
تصلح لتكون دليلاً على نفاق اليسار الصهيوني وازدواجية معاييره التي لا يمكن
تخيّلها. فحاييم رامون، الذي كان محسوباً على ((حمائم)) حزب العمل خرج عن طوره
في الإشادة بقرار وعملية اغتيال الشيخ ياسين، واعتبر رامون في تصريحات للإذاعة
الإسرائيلية باللغة العبرية أن كل قطرة من دماء الشيخ ياسين تشهد على تورطه في
قتل اليهود على حد تعبيره، لذا فقد كان قتله بالنسبة لرامون مبرراً مائة
بالمائة.
وقد ذهب إيتان كابل، وهو نائب عن حزب العمل إلى نفس ما ذهب إليه رامون. لكن حتى
الذين تحفظوا على اغتيال الشيخ من بين قادة اليسار الصهيوني، قد أقدموا على ذلك
من باب المقاربة مع مصلحة الدولة العبرية، وتأثير عملية الاغتيال على مستقبل
الأمن الإسرائيلي وليس لدوافع أخلاقية، وهم أيضاً شددوا على أن الشيخ ياسين
يستحق القتل، كما يقول ران كوهين، أحد قادة حركة ((ميريتس)).
وسائل الإعلام الإسرائيلية على الرغم من أنها شككت كثيراً في جدوى اغتيال الشيخ
ياسين، وهاجمت عملية الاغتيال على اعتبار أنها لن تؤدي إلا لسفك مزيد من دماء
الصهاينة، إلا أنها تواطأت مع المؤسسة الأمنية والسياسية الصهيونية في تسويق
التسريبات التي تتعرض للشيخ ياسين وتحرض عليه. مراسلو الشؤون العسكرية، فضلاً
عن المراسلين السياسيين وكبار المعلقين الذين لهم حظوة لدى دوائر صنع القرار
السياسي والأمني، سوّقوا الروايات التي يسوقها قادة الجيش والحكومة بشأن الشيخ
ياسين ودوره بدون تمحيص، على الإطلاق.
تمهيد
أطلقت (إسرائيل) على عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين ((يد الغيار))،
وعلى الرغم من أن هذه العملية قد تمّت في فجر الثاني والعشرين من آذار/مارس من
العام الحالي، إلا أن التمهيد البطيء لها بدأ قبل ثلاثة أعوام. التمهيد لتبرير
اغتيال الشيخ ياسين، بدأ في العام 2001، وتحديداً في عهد حكومة شارون الأولى
التي كان يشارك فيها حزب العمل. في هذه الحكومة اتخذ قراراً لأول مرة بتصفية
قادة سياسيين لحركة حماس، وأول تطبيق لهذا القرار كان عملية اغتيال الشيخين
جمال منصور وجمال سليم في نابلس. هذا الحدث الجلل شكل تحولاً في تعاطي الدولة
العبرية مع حركة حماس. تصفية الشيخين جمال منصور وجمال سليم، شكلت في الواقع
كرة الثلج التي تدحرجت، مدللة على سياسة الهروب للامام الذي ميز تعاطي الدولة
العبرية مع حركات المقاومة الفلسطينية وتحديداً حركة حماس.
أكثر ما أغاظ الصهاينة كان رؤية القادة السياسيين للحركة وهم يسارعون للحديث مع
القنوات الفضائية في أعقاب تنفيذ أي عملية استشهادية في الدولة العبرية. في هذه
الأثناء بدأت القناعة تترسخ لدى دوائر صنع القرار الأمني والسياسي في الدولة
العبرية، مفادها أن قدرة حركة حماس على تنشئة قيادات سياسية لها أصعب بكثير من
قدرتها على ضم مزيد من العناصر للجهاز العسكري الخاص بها، لذا توصلت دوائر
الأبحاث في الأجهزة الاستخبارية أنه يتوجب توجيه الجهد من أجل ضرب القيادة
السياسية للحركة، لكن حتى الآن لم يذكر اسم الشيخ ياسين صراحة.
لكن في العشرين من آب/أغسطس من العام 2003، عندما نفّذ الجهاز العسكري لحركة
حماس العملية الاستشهادية الكبيرة في القدس المحتلة، والتي اسفرت عن مقتل وجرح
العشرات من الصهاينة، وحينها كان شارون يقوم بزيارة للهند، عندها اتفق شارون
وموفاز على أن تصفية الشيخ ياسين بات أمراً ضرورياً، وأنه لا يمكن استنثاء
الشيخ من عمليات الاغتيال التي باتت تتعرّض لها قيادات حركة حماس السياسية.
وبالفعل تواصلت المخططات لاغتيال الشيخ، ففي السادس من أيلول/سبتمبر من العام
الماضي، قامت (إسرائيل) بأول محاولة لاغتيال الشيخ عندما قصفت بيتاً في حي
الرمال في مدينة غزة، لكن الشيخ نجا، ورصدت وسائل الإعلام الإسرائيلية محاولتين
أخرتين، قبل عملية الاغتيال في الثاني والعشرين من آذار/مارس من الحالي.
|
|
|
|