|
































| |
|
داعية إسلامي ومصلح اجتماعي
اهتمّ بالعمل التربوي وبإنشاء المؤسسات |
الشيخ أحمد ياسين الداعية الأقرب إلى المجتمع الفلسطيني وتفاصيل حياة اللاجئين
والمقهورين فيه، توقن وأنت تقرأ سيرته وتطّلع على طريقة عيشه عن قرب أنك أمام
رجل يعيش القرآن بأعماله، متتبّعاً للسنة النبوية في أدقّ تفاصيلها دون أن
يعيقه ضعفه الجسدي عن ممارسة أصعب المهمات الدعوية والاجتماعية. إنها الرّوح
حين تتفوّق على الجسد فتعلو بانتصارها وينتصر الجسد بهزيمته ويقوى بضعفه. وهنا
نورد بعضاً من ملامح وصور في الحياة الدعوية والاجتماعية للإمام الربّاني
الشهيد المؤسّس الشيخ أحمد ياسين.
حين تخرّج من الثانوية العامّة ذهب الشيخ المجاهد أحمد ياسين مترنّحاً يميناً
وشمالاً نتيجة شلله (ولم يكن شلله كاملاً في ذلك الوقت) ليتقدّم مدرّساً للغة
العربية أثناء الإدارة المصرية لقطاع غزّة، فيلقاه أحد أصحابه ويقول له مشفقاً
عليه ((هل تتصوّر أن اللجنة ستوافق عليك وأنت تعرف سمعتها، والناس كلهم
يتحدّثون عن باب الدخول إليها؟ يا أخي الكريم أرى أن توفّر على نفسك شقاء
الرحلة)). فابتسم الشيخ ابتسامته المعهودة وقال: ((يا أخي وهل تتصوّر أنني ذاهب
للّجنة كي أستعطفها؟ لا والله، فأنا مسلم وأثق أن الله إذا أراد لي التعيين فلن
يتمكّن بشرٌ من قطع رزقي.. ألم تقرأ قوله تعالى ((وفي السماء رزقكم وما توعدون
فوربّ السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون)).
وبالفعل وافق الحاكم الإداري العام، الفريق أحمد سالم، على تعيينه رغم إشارة
لجنة الامتحانات إلى عرجه، فقد كان للحاكم ابن أعرج ممّا دفع به إلى القول
((وإيه أعرج، يعني ما يشتغلش)).
تسلّم الشيخ أحمد ياسين عمله مدرّساً للغة العربية والدين، وكان التخوّف أن
يتعرّض الأستاذ (الأعرج) إلى سخرية بعض التلاميذ، ولكنّ العجب العُجاب أن الرجل
استقطب احترام جميع طلاّب المدرسة حتى المشاغبين منهم فضلاً عن أولياء أمور
الطلاّب.
وجّه الشيخ ياسين الطلاّب إلى المسجد ليكمل لهم عقب صلاة العصر ولمرّتين
أسبوعياً ما لم تتّسع لهم حصصهم المدرسيّة، وسرّ أولياء الأمور بهذا الأمر إلاّ
بعضهم، وهو ما كان يردّ عليهم مدير المدرسة بالقول ((أنا سعيد جداّ بهذا
المدرّس وسأقدّم له كتاب شكر على ذلك، وحبّذا لو كان في كلّ مدرسة في القطاع
مدرّس مثله)).
ومن مواقفه التربوية الكثيرة في حرص الشيخ أحمد ياسين على تحصين مجتمعه، أنـه
حين وقع الاختيار على أربع فتيات من جيران الشيخ أحمد ياسين للمشاركة في
الرقصات أثناء حفل (وطني)، حرّض الشيخ أولياء الأمور على رفض المشاركة، فأمر
مدير التعليم بفصلهن من المدرسة. فاتصل الشيخ أحمد ياسين وأولياء الأمور بمساعد
الحاكم العسكري العام وهدّدوه بأن مخيم الشاطئ على موعد غداً مع مظاهرة كبرى
احتجاجاً على هذ التصرّف، وعلم الحاكم الإداري بالموضوع فعنّف مدير التعليم
وأمر بإعادة البنات فوراً إلى مدارسهنّ، ولم يشاركْن في الحفل الراقص.
في تلك الفترة طوّر الشيخ أحمد ياسين العمل في المسجد طبقاً لرسالته الحقيقية
الأولى، فجعل دروساً للنساء ودروساً للرجال وثالثة للأطفال. ولأوّل مرة تشهد
المساجد حركة نسائية تستمع إلى محاضرين أمثال الشيخ أحمد ياسين أو من ينتدبهم
لذلك. وفي أوائل السبعينات زاره مدير التربية والتعليم بصحبة ضابط إسرائيلي
وقرّر أنه لا يصلح جسدياً للتدريس وأحاله على التقاعد!!
أفاد الشيخ ياسين من هذه الحادثة الجائرة وتفرّغ للعمل الإسلامي، ثمّ بدأ
الاتصال بمسلمي فلسطين المحتلة عام 1948 وذلك بتسيير رحلات يقوم بها هو والعديد
من أبناء غزة إلى هناك، فيحيي مساجد مهجورة في المدن الفلسطينية المحتلّة عام
1948. ثمّ فتح حواراً مع عبد الله نمر درويش في بلدة أم الفحم، وكان سكرتيراً
للحزب الشيوعي هناك، وحاول إيضاح الفكر الإسلامي إليه، وأسفر هذا الحوار على
اعتناق عبد الله نمر درويش لهذا الفكر وأصبح من كبار دعاته.
انطلق الشيخ أحمد ياسين من المساجد ليؤسّس عملاً اجتماعياً من خلال إنشاء
صناديق في كلّ مسجد يتردّد عليه، من حي الشجاعية في شرق غزة إلى مخيم الشاطئ في
غربها، تلك الأحياء التي له فيها مريدون يسعون على اليتامى والمساكين، وقد
انتشرت هذه الصناديق وأصبح الصرف منها سراً للفقراء، في ظلّ الاحتلال، حتى لا
تتعرّض للمصادرة أو يتعرّض القائمون عليها للسجن والاعتقال.
في الفترة ما بين 1975 و1976 أهملت بلدية غزة نظافة المدينة لقلّة إمكانياتها،
فأثار ذلك اهتمام الشيخ أحمد ياسين وشباب الحركة الإسلامية في القطاع، فقرّروا
مباشرة تنظيف الشوارع بأنفسهم في مجموعات كان يشرف عليها الشيخ ياسين حيث ينتقل
من موقع إلى موقع في سيارة متواضعة لأحد محبيه يحثّ الشباب على الجدّ والنشاط
ويدعو لهم.
في العام 1976 بدأ الشيخ ياسين في تنفيذ مشروع اعتبره آنذاك خطوة في طريق
الصراع مع العدو الصهيوني، وهو إنشاء المجمع الإسلامي في قطاع غزة. ضمّ المجمع
بداية روضة أطفال ولجان جمع الزكاة ثم ما لبث هذا المجمع أن أنشأ عشرات
الجمعيات والمؤسسات الإسلامية الأخرى على امتداد قطاع غزة والضفة الغربية،
إضافة إلى عشرات المؤسسات والمراكز الاستشفائية.
ولا ننسى الجامعة الإسلامية التي أضحت صرحاً مجيداً في القطاع يتمتّع بسمعة
علمية رفيعة وتضمّ الآلاف من طلاّب غزة. وتحتوي رياض الأطفال اليوم أكثر من
خمسة آلاف طفل إضافة إلى ألف طفل في مدارس الأقصى. كما يتكفّل المجمع الإسلامي
ثلاثة آلاف يتيم، ويدفع الرسوم عن آلاف الطلبة الجامعيين.
أسهم الشيخ أحمد ياسين بكونه أمين عام المجمع الإسلامي بأشياء كثيرة منها:
إرسال الطلبة لتلقي الدراسات الجامعية في الخارج، وكان نصيب المجمع الإسلامي في
جامعات الخليج نصيباً موفوراً وعلى الأخص جامعة أم القرى بمكة. وإن الكثيرين
واصلوا تعليمهم العالي في الخارج ومنهم من عاد إلى القطاع ليخدم فيه، بل إنهم
الآن ركيزة للجامعة الإسلامية بغزة.
ولشدّة تعلّق أهل قطاع غزة بالشيخ أحمد ياسين وثقتهم في حكمه، أضحى الشيخ يفصل
في القضايا الاجتماعية كالزواج والميراث والطلاق والأرض والمشاكل التي تقع في
القطاع، فقد ارتضاه الجميع حكماً لهم ليفصل في نزاعاتهم، خاصّة مع عدم ثقتهم
بالمحاكم الإسرائيلية وتحاشيهم التعامل معها.
وعموماً فإن أعوام النصف الثاني من السبعينات وحتى أواخر الثمانينات الذي كان
الشيخ أحمد ياسين رائدها سمّيت ((مرحلة المؤسسات))، وقد تميّزت بإنشاء الكتل
الطلابية والأندية والجمعيات الخيرية وغيرها مما أصبح مراكز لالتقاء مجموعات
الشباب الإسلامي.
إن اهتمام الشيخ أحمد ياسين المتميز بالقضية الاجتماعية ومكوناتها وعمله على
هذا الصعيد، يرجع أساساً إلى الفكر الإسلامي الذي تشرّبه الشيخ منذ صغره وتربّى
عليه، هذا الفكر الذي يكرّس أولوية التغيير الاجتماعي كمرحلة ضرورية لإحداث أي
تغيير سياسي. كان الشيخ أحمد ياسين يرى أن نظرية العمل الأهلي والاجتماعي قائمة
على جزأين أساسيين متداخلين عضوياً: الأول هو أن مواجهة الاحتلال الإسرائيلي
يجب أن تتم بمجتمع محصّن، والآخر هو أن تحصين المجتمع على النحو المطلوب لا
يتحقق بشكله الأمثل إلا عبر التربية الدينية والالتزام بالإسلام. وحول هذين
المعنيين دار خطاب الشيخ أحمد ياسين الاجتماعي وممارسته على مختلف الصعد
المعنية.
|
| |
|