فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

apr2004
PDF نسخة
ولنا كلمة
نعرف لماذا قتلوك
عظمة البناء
قدوة المقاومة
داعية ومصلح
حارس الوحدة
قيادات الأمة تدين
لماذا يخشاه العدو
دمه في رأسه
ثلاثة صواريخ
تفاعلات الجريمة
الفصائل والأجنحة
إدانة عربية
إدانة عالمية
التشييع
المجتمع الصهيوني
الصحافة الصهيونية
قيادات حماس
في منزل الشيخ
المواجهات والسجون
بدايات الرد
على طريق الحرية
أدب المقاومة
منتصر لأنك
الشارع العربي
لبنان
يا شيخنا
هدية العدد
لوحات فنية
صور أخرى

 

نعرف لماذا قتلوك

 

فجر الاثنين 22/3/2004 صلّيت الفجر في منزلي ثم استلقيت مجدداً على الفراش، وهي خطوة نادرة، طمعاً بمزيد من الراحة الجسدية والفكرية التي نعانيها نحن الكتاب والصحفيين.
الساعة 5.40 دقيقة يرن الهاتف النقال الذي صرت مضطراً لأن أبقيه مفتوحاً طوال الليل لضرورات مهنة الصحافة المتعِبة. حين قرأت على شاشة الهاتف رقم صديقي ماهر أدركت أن أحد معارفي قد توفي، لأن من عادة صديقي هذا أن يبلغني فقط بالأخبار السيئة؛ فهو بحكم تخصصه الاجتماعي تتجمع لديه أخبار العائلات والمجتمع.
لكن لم أكن للحظة أظن أن صديقي سيلغني نبأ على هذا المستوى من الأهمية والتأثير. لا أبالغ إذا قلت إن النبأ وقع عليّ وقع الكارثة أو الصدمة. ذلك أن تدرك أن العدو يتربص بالشيخ ياسين لاغتياله شيء، وأن تسمع نبأ اغتيال واستشهاد الشيخ شيء آخر.
الشيخ أحمد ياسين كان هدفاً إسرائيلياً دائماً. (إسرائيل) كانت دائماً تسعى وراء الشيخ، تراقبه، تترصده، تحاول النيل منه. لماذا؟.. ببساطة، لأن (إسرائيل) اكتشفت مبكراً أن الشيخ أحمد ياسين ليس رجلاً عادياً ولا زعيماً تقليدياً، ولا قائداً روتينياً. إنه شخصية فذّة، ونابغة، وذكية. (إسرائيل) استشفت مبكراً من هو الشيخ ياسين، وما هو الشيخ ياسين، استشفت ذلك منذ عام 1983 حين اكتشفت حجم البنية التحتية لمشروع المقاومة الذي كان يؤسس له الشيخ ياسين، بعد أن وقعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بالصدفة على معلومة كشفت الجناحين الأمني والعسكري للإخوان المسلمين في قطاع غزة.
يومها اكتشفت (إسرائيل) متانة البنية، ودقة الهيكلية ونوعية الرجال وعمق الولاء ورفعة الهدف وسلامة الغاية. فأدركت أنها أمام مشروع كبير وخطير يقوده هذا الرجل المُقعد.
(إسرائيل) كانت تعرف أحمد ياسين داعية إسلامياً وخطيباً وإماماً، وموجهاً تربوياً ومصلحاً اجتماعياً ومرشداً للشبان. فهو رجل مسموع الكلمة ومهاب الجانب في قطاع غزة. دوره الديني وأداؤه المسجدي، أكسباه احترام الناس وثقة العائلات وتقدير المجتمع.
كانت (إسرائيل) تعرف أن الشيخ أحمد ياسين يؤسس النوادي الرياضية لينقل الشبان إلى قطاعات ذات فائدة جسمية وعقلية، وكانت تعرف أن الشيخ أحمد ياسين يبني المساجد لينشر التربية والأخلاق والفضيلة في المجتمع. وكانت تعرف أن الشيخ أحمد ياسين يجمع الأموال من المحسنين لإنفاقها على العائلات والفقراء والأيتام والمحتاجين.. وكانت تعرف أن الشيخ ياسين يعلّم الشبان قراءة القرآن والسنة النبوية ونهج السلف الصالح وسيرة سيّد الأنبياء وإمام المجاهدين.. كانت تعرف كل ذلك. لكنها لم تكن تتوقع أن يمتد نشاط الشيخ ياسين إلى بناء نواة مشروع إسلامي فلسطيني مقاوم، تدرك (إسرائيل) أبعاده السياسية والأمنية. لذلك فإن المعلومات التي سقطت في أيدي الإسرائيليين دفعتهم إلى اعتقال الشيخ ياسين مباشرة عام 1983 ومحاكمته أمام محكمة عسكرية حكمت عليه بالسجن 13 عاماً. يومها قال أحد قضاة المحكمة العسكرية ((إن الأسلحة التي وُجدت عند الشيخ كانت تكفي لتدمير دولة إسرائيل)).
اضطرت (إسرائيل) عام 1985 للإفراج عن الشيخ ياسين بسبب الحاجة إلى إتمام صفقة التبادل مع الجبهة الشعبية – القيادة العامة. لكن عين (إسرائيل) ظلت على الشيخ ومن معه ومن حوله.
المفاجأة الثانية التي صدم بها الشيخ ياسين الإسرائيليين كانت عام 1987، حين أسس مع إخوانه حركة حماس التي قادت الانتفاضة الأولى وطوّرتها من الحجر إلى السكين والرصاصة. وقدمت نموذجاً للتحرر من الاحتلال وأعلنت مطالبها بوضوح، وعرضت مشروعاً سياسياً يمثل مطالب الشعب الفلسطيني وحقوقه. ولاحظت (إسرائيل) خطورة الانتفاضة وأدركت الدور الكبير للشيخ ياسين في صياغة برنامجها وبلورة مواقفها وتوسيع مداها وتطوير نواحيها. لذلك سارعت (إسرائيل) مرة ثانية إلى اعتقال الشيخ ياسين، ولو كانت لغة الاغتيال الإسرائيلية مستخدمة إلى هذا الحد لسارع الاحتلال في أيار/مايو 1989 إلى اغتيال الشيخ بدلاً من اعتقاله.
فترة الاعتقال كانت بالنسبة للإسرائيليين تصفية حسابات مع الشيخ. ظروف المعتقل كانت تهدف إلى كسر إرادة الشيخ وتحطيم معنوياته. أما أساليب التعذيب والتحقيق -ومنها الضرب الدائم على رأسه وهو الجزء الوحيد الذي يشعر به ويحركه في جسده المصاب بالشلل- فكانت تهدف إلى اغتيال الشيخ.
(إسرائيل) رفضت كل الدعوات لإطلاق سراح الشيخ، وشددت عليه ظروف الاعتقال، وحاولت مساومته داخل السجن، ساعة عبر الاتصال به وتارة عبر عرض عروض سياسية وأمنية. لكن إرادة الشيخ ظلّت صلبة.
المرة الثانية التي ((فلت)) فيها الشيخ من جريمة قتله كانت عام 1997 حين اضطر بنيامين نتنياهو إلى الإفراج عنه في قضية اغتيال المجاهد خالد مشعل المعروفة.
بعدها بثلاثة أعوام فاجأ الشيخ أحمد ياسين الإسرائيليين مرة ثالثة، حين فجّر انتفاضة الأقصى، التي احتوت على دلالات سياسية كثيرة، فهي جردت المقاومة، وضيقت الباب على التسوية، ووحدت المجتمع الفلسطيني وعززت الوحدة الوطنية، وأعادت التمسك بقوة بكل الحقوق التي أسقطها البعض أو كاد. وانتفاضة الأقصى حضنت الشعب الفلسطيني من كل محاولات الفتنة الداخلية، وطورت المقاومة وأساليبها وأحيت الأمّة وفضحت صورة (إسرائيل) وأرهقت الاحتلال سياسياً وأمنياً وعسكرياً واجتماعياً واقتصادياً.
(إسرائيل) شددت عينها على الشيخ ياسين مجدداً، أدركت دوره في الانتفاضة وخبرت قدرته على توجيهها واكتشفت مدى تأثيره في برامجها. أكثر ما أغاظ الإسرائيليين أن الشيخ أحمد ياسين استطاع بفضل تضحيات الشهداء والجرحى وعذابات الأسرى وصمود الشعب وقواه أن يرتقي بالانتفاضة ويطورها ويحميها من الاستهدافات السياسية والأمنية الإسرائيلية.
فالدور الذي كان يلعبه الشيخ ياسين ساهم في تطوير أعمال المقاومة وبرامجها وفي تحديث آلاتها ومعداتها، وخطابه التوحيدي عزز التقارب بين مختلف الأجنحة العسكرية، وساعد على تقريب وجهات النظر بين الفصائل، وتمكن الشيخ ياسين بفضل وعيه من إنجاح جلسات الحوار مع الفصائل، ومن الحدّ من سياسة الرهان على العدو الإسرائيلي، ومن المحافظة على مسار السلاح سليماً دونما انحراف أو خلل.
كل هذا كان يقع، والدور التربوي للشيخ يتسع ورمزية الشيخ تتصاعد ومكانة الشيخ تكبر في قطاع غزة وتتجاوزه إلى كل فلسطين والعالم. لماذا؟.. لأن الشيخ أصبح يجسّد فلسطين وصار رمزاً للقضية وعنواناً للمقاومة ورائداً للجهاد وسقفاً عالياً للمشروع السياسي الفلسطيني بحقوقه وثوابته ومطالبه ووحدته الوطنية ونظافته.. لذلك كان القرار بالإلغاء. بعدما أدرك العدو أن انسحابه حتمي من القطاع. والانسحاب سيخلف انسحابات والترجع يعقبه تراجع.. إذاً، لا بد من منع المقاومة من الانتصار أو التقوّي أو التمدد، ولا بد من منع الفلسطينيين من الانتصار أو الاطمئنان إلى مستقبلهم. والشيخ ياسين أفضل عامل اطمئنان واستقرار للمجتمع.

*****
هو ليس نبياً.. لكن فيه بعض وميض الأنبياء
هو ليس قديساً.. لكن فيه شيء من طهارة القديسين
هو ليس ملاكاً.. لكن فيه شيء من براءة الملائكة
هو ليس ملكاً.. لكن فيه شيء من سلطة الملوك
هو ليس حاكماً.. لكن فيه شيء من تأثير الحكام

إذا قال فعل، وإذا وعد وفى.. كلماته أوامر، خطبه إلهام.. توجيهاته قوانين.. وإرشاداته أحكام.
شيخ، مصلح، معلّم، أستاذ، عالم، سياسي، مقاوم، مدرّس، رياضي، إمام، خطيب، قدوة، محاور، وسيط، مرشد، قائد، زاهد.
أمير الحرب، رجل السلام، قائد عسكري، تعليقاته طريفة (تذكرون قصة البطيخ)، أسلوبه بسيط، مواقفه واضحة، ليست بحاجة للتأويل، ولا تقبل الاجتهاد. صقيل كالسيف.. أبيض كالثلج، قوي كالجبال، كلامه ((أمر عمليات))، إذا قال: انتفاضة.. مشت فلسطين تقاتل الاحتلال، وإذا قال: مقاومة.. هبّ آلاف الشبان لمصارعة العدو.
وإذا قال: هدنة.. سكتت البنادق وسكنت العبوات ونامت الصواريخ.
موحِّد، مقرِّب، جامع، لا أموال لديه يدفعها للناس، ولا مكاسب يمنحها، ولا حصص يوزعها. سلاحه إيمان وصبر وابتسامة، وسيلته كلمة طيبة وموقف مشرف.

لهذا قتلوك واغتالوك.. لأنك تهدم بمشروعك ورؤيتك ومقاومتك ووعيك ومناعتك وممانعتك. عزاؤك أن فلسطين تزحف نحوك.. لقد كنت الأمل ورافع الراية.
شيخ الشهداء، سيد المقاومين، قائد الصامدين، جسّدت فلسطين وشعبها ومقاومتها، حملت هموم الشعب ومعاناة الناس، مثّلت إرادة التحرير وعنوان الصمود والمواجهة. كنت الأمل للشهداء وللجرحى والأسرى والمعتقلين.. ستبقى حياً في الذاكرة لأن فلسطين وشعبها على خطاك سائرون.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003