|
































| |
|
تفاعلات جريمة الاغتيال على الشعب
الفلسطيني
وقواه المقاومة وبرنامج حركة حماس |
سقطت كل المكاسب التي حاول الإسرائيليون نيلها بعد جريمة اغتيال الشيخ أحمد
ياسين، وانقلبت الكفّة وبسرعة لصالح المجتمع الفلسطيني وقواه المقاومة وتحديداً
حماس.
صحيح أن اغتيال الشيخ مثّل خسارة لقيمة وطنية ورمزية تاريخية وافتقاداً لقائد
كانت تتجمع فيه كل الثوابت الوطنية والحنكة السياسية وعوامل الصمود والممانعة
والمواجهة والتضحية والثبات والوفاء.. لكن من بركات الشيخ أحمد ياسين ومن خيرات
الشهادة أنه بعد وفاته أعطى فلسطين والفلسطينيين الكثير من المكاسب، لدرجة أن
المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني حصدوا أرباحاً بعد عملية الاغتيال تفوق
ما اعتادوا على حصاده طوال أشهر أو سنوات.
ما الذي أراد العدو تحقيقه من وراء الاغتيال؟
هناك عوامل ودوافع رئيسية وراء عملية الاغتيال هي:
1. إظهار قوة الردع الإسرائيلية ضد المقاومة، وإعطاء صورة عن قوة الجيش
الإسرائيلي وقدرة الأجهزة الأمنية بعد سلسلة العمليات النوعية التي نفّذتها
المقاومة ضد أهداف إسرائيلية، كان آخرها عملية أسدود. لذلك جاءت عملية اغتيال
ياسين في محاولة لإعادة الاعتبار لقوة ووزن المؤسستين العسكرية والسياسية
الإسرائيلية، بعد فشل كل عمليات استهداف المقاومة.
2. دفع المقاومة للتخبط وإصابتها بحالة من الإرباك واللاتوازن عبر اغتيال
قادتها، مما يؤثر على القيادات الأخرى، ويدفعها للاختباء، وإفقادها الثقة في
أدائها العسكري وخلق فجوة بين القيادات السياسية والعسكرية.
3. كسر إرادة الصمود والمقاومة عند الشعب الفلسطيني، من خلال مسلسل إسرائيلي
مستمر بدأ بضرب المدنيين والاجتياحات المتواصلة وتدمير المنازل، وانتهى
باستهداف قادة المقاومة. ويعتقد العدو أنه بهذه المحاولة سوف يوجد قدراً من عدم
الثقة بين المجتمع والمقاومة تؤدي لاحقاً إلى افتراق وتصادم، خاصة مع مبادرة
شارون للانسحاب من قطاع غزة.
4. إضعاف المقاومة عند مرحلة فلسطينية حرجة تسود فيها نقاشات حول الانسحاب
الإسرائيلي من القطاع ويرافقه التحضير لإخلاء مستوطنات في القطاع، ويتعمق
الحديث عند من سيحكم القطاع وما هو حجم ومدى نفوذ المقاومة في الفترات القادمة،
التي سبقها نشر خطة أمنية من خمسة أسابيع وحديث عن تعاون مصري وإنشاء غرفة
عمليات أمنية بريطانية في رام الله وحدت الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
5. بما أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة هو هزيمة إسرائيلية بكل المقاييس،
فإن شارون حاول إضفاء الاعتبار على أن انسحابه هو ليس بفعل الهزيمة بل هو نتاج
للقوة ودليل على ((حكمة)) الخروج من القطاع، ولا يخفى كذلك أن شارون أراد من
الجريمة تحسين صورته الداخلية وفك الارتباط مع الأحزاب المعارضة له ولخططه وحشد
اليمين حوله.
6. إن الجريمة الإسرائيلية تؤكد كذلك تعطش المجتمع الإسرائيلي للدماء ورغبة
السلطات الصهيونية في القتل والإرهاب وإثارة الرعب، وتظهر استعداد شارون لتدفيع
المدنيين الفلسطينيين أثمان عجزه عن مواجهة المقاومة. إذ إن شارون تعمّد، خاصة
في الأشهر الأخيرة، الإسراف في قتل المدنيين وانعكاس النتائج إلى المجتمع
الفلسطيني، بدلاً من أن تظل الأنظار متجهة إلى المجتمع الإسرائيلي.
وإلا... ماذا يعني أن دولة تقتل شخصاً. وأن جيشاً يغير على مدني، وأن أجهزة
أمنية تستهدف رجلاً مشلولاً.. وماذا يعني أن طائرة تهاجم كرسياً للمقعدين.. وأن
صاروخاً يستهدف جسداً. فأي حديث إذاً عن انتصار أمني أو قوة ردع أو نجاح للجيش؟
المفارقة أن عوامل الضعف التي أراد شارون إلحاقها بالمقاومة تحولت إلى عوامل
قوة. ويبدو أن وعي الشعب الفلسطيني ونضوج المقاومة وحسن التصرف أمام حدث خطر
مثل هذا، أدى إلى تبديد الأهداف الشارونية، وإلى تحويل التعاطي الفلسطيني من
تعاط يتمحور حول معالجة الفجوة وتداعيات الجريمة وإشكالية غياب المؤسس والرمز،
إلى تعاط يتمحور حول استثمار عملية الاغتيال بما يخدم الأهداف والمصالح
الفلسطينية. ونتج عن ذلك ما يلي:
1. تحققت الوحدة الوطنية الفلسطينية وازدادت اللُحمة بين المجتمع من ناحية،
وبين المجتمع والمقاومة من ناحية أخرى، والتف المجتمع الفلسطيني حول ذاته وحول
مصابه، كما التف حول المقاومة ونهجها وقادتها. وأظهرت المواقف الصادرة عن
السلطة الفلسطينية ورئيسها وقادتها وعن باقي الفصائل متانة الصف الداخلي عند
هذا الحدث، وصلابة المجتمع الفلسطيني.
2. وحدت الجريمة أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وصار الصوت الفلسطيني
موحداً، والتأمت مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين في الوطن وخارجه وفي دول اللجوء
والمهاجر على إدانة الاغتيال واستنكار الجريمة، وأظهرت التفافها ليس حول الشيخ
ياسين، ورمزيته فقط، بل على نهج الشيخ ياسين ومشروعه السياسي وثوابته ومواقفه.
فالجريمة ببشاعتها ومأساتها وحال جسد الشيخ ووضعه الصحي، وظروف الاغتيال
وطريقته وبراءة الشيخ وحكمته ونظافته، أشعرت كل فلسطيني أنه هو المستهدف
بالعملية، وأبدت لكل فلسطيني أنه فقد أباه أو جده أو قدوته، وأشعرت كل فلسطيني
أن المصاب مصابه والعزاء عزاؤه، والفقيد فقيده، وبالتالي دخل العزاء إلى منازل
الفلسطينيين من فلسطين إلى أوروبا والولايات المتحدة ودول الخليج.
3. أعادت الجريمة نقل القضية الفلسطينية إلى الشارعين العربي والإسلامي، بعد
تراجع اهتمامهما بالتطورات الفلسطينية. وحركت دماء الشيخ الشهيد الأمّتين
العربية والإسلامية سياسياً وإعلامياً وشعبياً، مما أعاد القضية الفلسطينية إلى
موقعها الصحيح، وأعاد للانتفاضة موقعها وللمقاومة حضورها في العواصم السياسية.
4. منح اغتيال الشيخ ياسين قادة المقاومة مزيداً من الشعبية والتأييد، وأعطى
المقاومة مكاسب جماهيرية كثيرة ومصداقية عالية. فالشيخ ياسين عرضت عليه صفقة
أمريكية للتنازل عن أهدافه ومواقفه مقابل حمايته من محاولات الاغتيال. وكان
الشيخ ياسين أن رفض هذا العرض وأعلن تمسكه بمواقفه، وجدد القول بأنه لا يختلف
عن أي من المواطنين الفلسطينيين الذين يُقتلون كل يوم.
وفعلاً، برهنت قيادة المقاومة أنها تعيش وسط المجتمع وتنبت بين الناس، وتعيش
نفس ظروف الاحتلال والألم والمعاناة، وهي لا تتمتع بامتيازات خاصة وتسهيلات من
الأعداء والأصدقاء. وضرب قادة المقاومة مثلاً في أنهم يسقطون شهداء ويُجرحون،
ويفقدون أبناءهم في المواجهات أو العمليات أو الاغتيالات. وهذه العناصر، إلى
جانب نظافة الكفّ والسمعة الحسنة والبساطة والتقشّف إن لم نقل الفقر، ساهمت في
إعطاء رمزية للمقاومة وحضوراً شعبياً وجماهيرياً واسعاً.
5. لقد قرّبت جريمة الاغتيال الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية من بعضها،
وجعلتها في خندق واحد، ووضعت مصداقيتها على المحكّ، على اعتبار أن كل جناح
عسكري شعر أنه مستهدف بهذه الجريمة وأنه فقد سنداً صلباً، وبالتالي صارت
الأجنحة العسكرية مستعدة للردّ في المكان والزمان المناسبين، وليس من المستبعد
أن نسمع عن عمليات مشتركة أكثر تنفّذها فصائل العمل المسلح.
أما المكاسب المباشرة التي حصلت عليها المقاومة فيمكن
تلخيصها بالتالي:
1. احتشاد جماهيري فلسطيني وعربي وإسلامي حول خطّها وبرنامجها.
2. اكتساب وزن سياسي وحضور أفعل في كافة المواقع المعنية.
3. تجذّر مشروع المقاومة.
4. التأكيد أن المقاومة لا تُشطب ولا تُصفّى ولا تُختزل، وأن مشروعها يقوى
ويتّسع كلما تعرّض لسياسة القوة.
5. مشروع المقاومة هو رافعة العمل الوطني ومحور الصمود الفلسطيني وهو الورقة
الفلسطينية الأقوى.
في المقابل استطاعت حركة حماس أن تحقق مجموعة من المكتسبات بعد اغتيال الشيخ
ياسين، ومن بين هذه المكتسبات:
1. حماس هي العمود الفقري للمقاومة وهي رأس هذا المشروع. وهي القوة التي لها
حضور سياسي واجتماعي وشعبي على المستوى الفلسطيني.
2. حركة حماس أكبر من أن يلغيها قرار بالاغتيال.
3. حركة حماس هي حركة مؤسسات وأنظمة، وهي مشروع عميق وممتد وهي رسالة ومجتمع
وغاية لا تنحصر بالفصيل ولا تتحدد بالمكان.
4. حماس موحدة حول مشروعها وبرامجها وقيادتها، في الخارج والداخل، والاغتيال
يؤثّر فيها قليلاً لكنه يعيد لها الصلابة والممانعة.
أولويات المقاومة
هناك خمسة مبادئ أمام حماس والمقاومة الفلسطينية تحكم المرحلة التي تعقب اغتيال
الشيخ ياسين، وتنظم العمل السياسي للمقاومة، وهذه المبادئ هي:
1. التمسك بالحق الفلسطيني وبالحقوق الثابتة والمعروفة.
2. تمتين الوحدة الوطنية الفلسطينية وآليات عملها.
3. الحفاظ على المقاومة وبرنامجها ومشروعها.
4. توثيق الانتماء الفلسطيني للأمّة، وتعميق التعاون والتواصل معها.
5. الانفتاح سياسياً وإعلامياً على العالم عبر الكثير من الآليات والوسائل
والبرامج.
وبعد ذلك يبقى أمام حركة حماس الأولويات التالية:
1. الرد على جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين رداً يتناسب مع حجم الجريمة. وهو رد
تقول المقاومة إنه سيكون استثنائياً ومميزاً ولم يشهد العدو له مثيلاً.
2. ترتيب البيت الفلسطيني داخلياً والعمل على إنشاء مؤسسة قيادية واحدة تعبّر
عن واقع المجتمع ومشروعه وأهدافه.
3. ضمان وحدة الصف وحماية المقاومة.
4. الإفراج عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الصهيونية.
ويمكن القول باختصار، إن مرحلة ما بعد اغتيال الشيخ ياسين ستشهد الكثير من
التطورات والتغيرات. وليس مبالغاً القول إن المقاومة وُلدت من جديد، وإن
المجتمع الفلسطيني دخل مرحلة الفتح والنصر.
|
| |
|