الشيخ أحمد ياسين..
علو في الحياة وفي الممات((أملي أن يرضى الله عني)).. هذه هي العبارة التي أبدعت فضائية (الجزيرة) في
بثّها بصوت وصورة الشيخ الشهيد أحمد ياسين يوم استشهاده.. إنها عبارة رغم
بساطتها، فإنها كانت مؤثّرة، بليغة، لأنها صادقة، نابعة من قلب عامر بالإيمان
بالله العزيز القهّار. لذا أبكت تلك العبارة الملايين من جموع العرب والمسلمين،
الذين خرجوا في مسيرات وتظاهرات حاشدة قلّ نظيرها، وعزّ مثيلها، بل إننا لا
نبالغ حين نقول: إن الجماهير لم تخرج في القرن العشرين لشخصية مثل ما خرجت لهذا
الشيخ الجليل.
لقد كان الشيخ آية من آيات الله في الأرض، ومعجزة من معجزاته سبحانه وتعالى.
فمن الذي يمكن أن يتخيّل شخصاً مشلول الجسد، نحيل الجسم، خفيض الصوت، يمكنه أن
يؤسّس حركة لمقاومة الاحتلال؟!.. وأي احتلال؟ إنه أبشع احتلال عرفه التاريخ
القديم والحديث.
كان بوسع الشيخ أحمد ياسين أن يأخذ بالرخصة الشرعية مستنداً إلى قوله سبحانه
وتعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج)، ولكنه
أخذ بالعزيمة، وأي عزيمة تلك التي أخذ بها، إنها عزيمة إطلاق راية الجهاد، الذي
هو ذروة سنام الإسلام.
لم يكن الشيخ رحمه الله يجيد إطلاق الرصاص، ولا صنع القنابل، ولا العبوات، ولا
أدنى من ذلك ولا أكبر، ولكنه كان صانع مطلقي الرصاص، وصانع مفجّري العبوات،
والقنابل، وصانع القيادات، ومربي الأجيال.
كان مشلول الجسد، ولكنه لم يكن مشلول الإرادة.. كان نحيل الجسم، ولكنه لم يكن
نحيل العزيمة. كان يحمل بين جنباته الإرادة الفولاذية، والعزيمة القوية. لقد
ظنّ الكيان الغاصب أنه باغتيال الشيخ ياسين سيغتال حماس والفكرة التي تحملها،
أو أنه سيضعفها، ويؤثّر على مسيرتها، ولكن ها هو ((السحر ينقلب على الساحر))،
فتتحوّل جريمة الاغتيال إلى إدانة عالمية واسعة لها، مبرزة الوجه الإجرامي
القبيح لهذا الاحتلال الغاشم، كما أحيت الجريمة الأمّة من جديد، ووحّدت الشعب
الفلسطيني بكافة انتماءاته وتوجهاته وتياراته، فما فرّقته السياسة، وحّده الدم
الزكي الطاهر المسفوح على أعتاب بيت من بيوت الله بعد خروجه من صلاة الفجر.
وها هو الشعب الفلسطيني، يبدو أكثر تماسكاً، وتمسّكاً بالثوابت، وإصراراً على
المضي في مسيرة المقاومة ضدّ الاحتلال.
رحمك الله يا أبا محمد، فقد وحّدت الشعب في حياتك وفي مماتك، وكنت علماً ورمزاً
في حياتك، كما في مماتك، وصدق الشاعر حين قال:
علو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات
رحمك الله ورحم إخوانك المرافقين، الذين رافقوك في الدنيا وفي الآخرة إن شاء
الله. وتقبّلكم جميعاً في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء، واعلموا أن
إخوانكم وتلاميذكم ومريديكم سيبقون على العهد، أوفياء لدمائكم الطاهرة، وأوفياء
لنهجكم ومنهجكم، مستمرين في رفع لواء المقاومة بإذن الله.
التحرير
|