القدس/مها عبد الهادي
لم تخرج عملية "شموئيل هنفيه" في مدينة القدس المحتلة وما تبعها من ردود فعل
صهيونية، أبرزها اغتيال المهندس إسماعيل أبو شنب القيادي السياسي البارز في
حركة حماس، عن دائرة التوقعات بعد إحصاء ألف خرق إسرائيلي للهدنة التي تم
التوصل اليها بين سلطة الحكم الذاتي وفصائل العمل الفلسطيني في التاسع والعشرين
من شهر حزيران/يونيو، حيث سعت الحكومة الإسرائيلية لفعل كل ما يلزم للقضاء
عليها بعد أن حوّلتها أصلاً إلى هدنة هشّة.
فرغم أن حكومة "شارون" كانت بحاجة للهدنة لكنها لم تلتزم ولم تبدِ استعداداً
لدفع ثمنها، ولذلك حرصت قولاً وعملاً على الظهور دوماً بمظهر غير المعني
بالهدنة، وغير الملتزم بها، لأن ما تريده حقيقة هو استسلام فلسطيني كامل نهائي
وإلى الأبد، وهي ترحب كثيراً بهدنة يمكن أن تنهار أو تخرق في أية لحظة.
لذلك لم يستغرب الكثيرون مبادرة حكومة اليمين الصهيوني للعودة إلى "سياسة
الخروقات" المستمرة للهدنة لتستدرج رداً فلسطينياً عليها، حتى تعيد موضوع الأمن
والمقاومة الفلسطينية (التي تسمى إرهاباً)، والقضاء عليها وتصفية بنيتها
التحتية وسحب سلاحها إلى الواجهة، ولتحل محل المسار السياسي.
ولتغطية أفعالها أمام العالم أعلنت حكومة شارون وبصورة مفاجئة أنها ستقوم
بالانسحاب من أربع مدن فلسطينية والتزامها بخارطة الطريق، لتوحي للعالم بأنها
تسعى لإنقاذ الهدنة مع أنها مهدّت لانهيارها.
أبو
شنب وانهيار الهدنة
في البداية كانت السياسة الإسرائيلية –كما قلنا سابقاً- ترمي إلى جعل الهدنة
هدنة هشة، تحقق هدوءاً نسبياً ولا توفّر وقفاً تاماً لإطلاق النار، وكان ذلك
واضحاً بالرد الإسرائيلي على العمليتين في رأس العين ومستوطنة "أرييل".
فالرد الإسرائيلي دلّ على أن حكومة شارون لا تريد انهياراً تاماً للهدنة. أو
على الأقل لا تريد أن تتحمل هي وحدها مسؤولية انهيار الهدنة، حيث أعلنت حكومة
شارون أنها لن ترد عسكرياً على العمليتين، وإنما ستكتفي بالضغط السياسي على
حكومة أبو مازن لتقوم بدورها بمحاربة (الإرهاب) وسحب سلاحه وتفكيك بنيته
التحتية، رغم إدراك الدولة العبرية بأن هذه الحكومة لا تستطيع أن تفعل شيئاً في
المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال، كما لا تستطيع أن تفعل شيئاً في المناطق التي
تحت سيطرتها، في ظل استمرار العدوان الصهيوني وعدم تنفيذ الالتزامات الواردة في
خارطة الطريق.
لكن ما اكتشفته حكومة شارون لاحقاً بأنها لم تحقّق هدفها الرئيسي من الهدنة،
وهو سحب سلاح المقاومة وإحداث اقتتال فلسطيني يعفيها من الالتزامات كافّة. لذلك
فقد رفعت مستوى الممارسات على أرض الواقع، وهذه المرّة بهدف القضاء نهائياً على
الهدنة فكانت الخطوة الإسرائيلية الخطيرة باغتيال المهندس أبو شنب، حيث انهارت
الهدنة، بالكامل بعد إعلان حركتي حماس والجهاد الإسلامي وقف الهدنة واستئناف
العمليات الاستشهادية.
فحكومة شارون سعت عبر هذا الاغتيال إلى رد فلسطيني كبير، ترد عليه بعملية
كبيرة، يجعلها في حِلّ ليس من الهدنة المعلنة من طرف واحد فحسب، بل وفي حل من
خريطة الطريق التي طرحتها الإدارة الأمريكية، التي التزمتها (إسرائيل) على مضض.
ويمكن حقيقة رصد العديد من الأسباب التي دفعت شارون إلى تدمير الهدنة منها:
أولاً: إن الهدنة خيار غير مرحّب به لدى حكومة شارون لأنها تعيد المسار
السياسي إلى الواجهة، وهذا يجعل الالتزامات الإسرائيلية فيا مدار البحث
والاتصالات الجارية على مختلف المستويات.
وكان من الواضح أن (إسرائيل) ترغب في أن تعفي نفسها من الاستحقاقات السياسية
لخارطة الطريق. فإذا ما نجحت الهدنة، فسيتعين عليها أن تقدّم تنازلات سياسية لا
ترضى عنها.
وقد أعلن ذلك أكثر من مسؤول صهيوني، معربين عن تخوفهم مما بعد الهدنة، بعد أن
أصبح الحوار يدور في ظلّها حول إطلاق سراح الأسرى والاستيطان وجدار الفصل
العنصري والانسحاب الإسرائيلي، بشكل موازٍ أو أكثر مما يدور حول ما يطلق اليوم
عليه "الإرهاب" الفلسطيني ومحاربته وتفكيك بنيته التحتية وسحب سلاحه كما يسعى
الإسرائيليون.
ثانياً: إن الهدنة تسحب حجة الأمن من يد شارون، وهي الحجة الرئيسية التي
يتذرّع بها لبناء جدار الفصل العنصري. و(إسرائيل) بحاجة إلى عام وأكثر قليلاً
لاستكمال هذا الجدار.
وما أخافَ شارون هو أن صمود الهدنة وتمدّدها يعرضه لضغوط أميركية ودولية، ستكون
مرشّحة للتصاعد وتنطوي على احتمال جدي بالنجاح بوقف الجدار وتعديل مساره بصورة
حقيقية، بحيث يقام الجدار على الخط الأخضر أو بالقرب منه.
وهذا الجدار الذي لا يعرف حقيقته الكثيرون هو في الواقع التجسيد العملي لرؤية
شارون للحل النهائي، فشارون يقرأ في الجدار "حدوداً مؤقتة" و"خصائص سيادية"
ويفكر بنصف دولة فلسطينية على نصف الضفّة الغربية محاطة بحوالي ألف كلم من
الجدران والسياجات التي تستثني حصّة الأسد من الوطن الفلسطيني.
فهو إذن جدار سياسي قبل أن يكون أمنياً، لذلك يسعى شارون إلى استكمال بنائه
بأسرع ما يمكن حتى يصبح حقيقة سياسية، وحينها سيصبح الحديث لا لإزالته كما هو
جارٍ الآن وإنما يصبح لتعديل مساره بعد أن أصبح أمراً واقعاً يفرض نفسه ويجعل
الجميع مضطرين للتعايش والتعامل معه.
ثالثاً: رغبة شارون في عدم إعطاء الفرصة للقوى الفلسطينية المجاهدة
لالتقاط الأنفاس ولملمة الجراح وتجميع القوى والتدريب وإعداد النفس للمواجهة
القادمة. فالحكومة الصهيونية تتحدث باستمرار عن الإنذارات، التي قلّت لكنها لم
تنته، وعن التدريبات التي تجريها الفصائل الفلسطينية المسلحة، خصوصاً على
صواريخ القسام، والسعي لنقلها أو نقل الخبرة عنها من غزة إلى الضفّة.
ولعل التقرير الذي نشرته "صحيفة "معاريف" الإسرائيلية بعنوان "الخوف من "قسام –
لاند" في ملحقها الأسبوعي بتاريخ 1/8/2003 ويتناول صواريخ قسام ووصولها إلى
مرحلة توازن القوى مع الدولة العبرية، خير دليل على مدى المخاوف التي تنتاب
قادة الدولة العبرية.
الفصائل: التزام مع تعهد بالرد
والدولة العبرية التي اتخذت قرارها باغتيال أبو شنب كانت تدرك سياسة
الفصائل الوطنية والإسلامية الفلسطينية التي تجمع ما بين الالتزام بالهدنة
والتعهد بالرد على الخروقات الإسرائيلية، وقد لعبت الحكومة الإسرائيلية بنجاح
على هذا الوتر.
فمن المعروف أن أي وضع من هذا القبيل غير قابل للاستمرار طويلاً، ومعرض
للانهيار بعد عملية إسرائيلية أو فلسطينية كبيرة تؤدي إلى وقوع عدد كبير من
القتلى في صفوف الإسرائيليين، أو الشهداء في صفوف الفلسطينيين وهو ما حدث
فعلاً.
أما قيادة سلطة الحكم الذاتي فلازمها التخبط الذي رافق سلوكها منذ تشكيلها. فهي
لم تحسم أمرها ولم تتخذ قراراً مع أي تيار تسير، مع تيار الشعب الفلسطيني أو
تيار الضغوط الخارجية الذي مالت إليه مراراً، وبقي هدفها الوحيد كما أشار
خطابها السياسي الحفاظ على الهدنة ولكن بأي ثمن؟؟.
فما نشرته وسائل الاعلام المختلفة ومدى تساوق قيادة السلطة مع الضغوط الخارجية
يثير الكثير من المخاوف خصوصا بعدما نشر عن مقايضة حق العودة بخارطة الطريق،
وما سُرّب عن الخطة التي عرضتها الـ CIA على أبو مازن لمحاربة حماس والجهاد
بكلفة 250 مليون دولار التي هي مقدمة لاقتتال داخلي فلسطيني.
وتؤكد الخطة التي أعدّها سبعة من خبراء الاستخبارات المركزية تحت إشراف مايكل
برنستون مسؤول العمليات للـ CIA في الشرق الأوسط أن العمل على مواجهة حماس
والجهاد وبناء جهاز أمني فلسطيني تحت إشراف الولايات المتحدة سوف يتكلف 250
مليون دولار كبداية ثم يزيد لاحقاً, وأن هذا المبلغ سيقدم وفقًا للتطورات
الإيجابية وإيقاف العمليات الاستشهادية أولاً. وأشارت المخابرات المركزية في
خطتها إلى أن استبعاد دور دول مثل مصر والأردن مطلوب؛ منعاً لإثارة أية مشكلات
مع بدء التدريبات والعمليات إضافة لنزع سلاح المنظمات وعلى رأسها حماس والجهاد.
وبعيد عرض هذه الخطة سارع شارون إلى التهديد في مستهل جلسة حكومته في العاشر من
آب الماضي:" إنه لن تقام دولة فلسطينية في حدود مؤقتة إذا لم تقدم السلطة
الفلسطينية على حلّ البنى التحتية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي وباقي المنظمات
الفلسطينية " على حد قوله.
وتبعه شاؤول موفاز الذي طالب دحلان ببدء العمل ضد قوى المقاومة، وجاءت
الاستجابة من محمد دحلان في واشنطن حيث عرض دحلان هناك خطته التي سماها "90
يوماً" والتي وصفها الأميركيون بأنها أفكار قيّمة ومهمة واستراتيجية، و خطة
دحلان تنصّ على أن لا يبدأ دحلان بالعمل في المرحلة الأولى حتى لا يثير الشارع
الفلسطيني ضده، وبعد أن تكون له السيطرة على التجمّعات الفلسطينية يبدأ العمل.
وعقدت لقاءات أمنية لاحقة بين الطرفين في 16/8 لبحث برنامج زمني لنقل
المسؤوليات الأمنية في مدينتي قلقيلية وأريحا إلى الجانب الفلسطيني بموجب
الاتفاق الذي توصل إليه وزير الشؤون الأمنية الفلسطيني محمد دحلان وشاؤول
موفاز، قبل اللقاء بيومين، وتقرر فيه أن تنسحب قوات الاحتلال من رام الله
وطولكرم خلال الأسبوعين المقبلين، وطالب موفاز دحلان بتنفيذ شروط ثلاثة، وهي:
أن "تكافح" الشرطة الفلسطينية المقاومة، وأن تنشئ جهازاً لتحييد "المقاومين
المطلوبين"، وأن لا تقع هجمات ضد أهداف "إسرائيلية" خلال فترة التسليم.
كما يبدو فقد تمت الموافقة على هذه الشروط، وتجلّت في ردة فعل الحكومة
الفلسطينية على عملية القدس الأخيرة حيث قرّرت بعدها منع مسؤولي حركتي حماس
والجهاد الإسلامي من الظهور في وسائل الإعلام، وكان نص القرار يقول "إن الحظر
يشمل الصحافة المكتوبة والتلفزيون والإذاعة. وان أي خرق لهذا المنع سيعاقب عليه
بموجب القانون"!!.
وأشار القرار ذاته إلى أن حملة السلطة على حماس والجهاد ستشمل اعتقالات لنشطاء
في المقاومة الفلسطينية ومصادرة السلاح والأموال وفرض الإقامة الجبرية على
الشيخ أحمد ياسين.
هذا التخبط من قبل سلطة الحكم الذاتي والذي حال دون حسم أمرها لخيار الشعب
الفلسطيني بدون مقابل حيث لم تقم (إسرائيل) من جانبها إلا بالتملّص والمداهنة
اتجاه خارطة الطريق، وبدل أن تعمل على تطبيع حياة الفلسطينيين برفع الإغلاقات
وتخفيف القيود وإنهاء التوغلات العسكرية تمشياً مع بنود الخارطة، استمر جيشها
بالغارات على المدن الفلسطينية واعتقال الناشطين الفلسطينيين الذين تعتبرهم
إرهابيين كما إنها احتفظت بأكثر من 125 حاجز طريق في الضفّة الغربية وقطاع غزّة
مما جعل حركة الناس والبضائع مستحيلة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو إلى متى تستمر سلطة الحكم الذاتي في سياستها وخطابها
المتساوق مع الضغوط الخارجية، في الوقت الذي تستمر فيه أجهزة الأمن الصهيونية
في ملء الفراغ؟ ومن الذي سيتم اغتياله في المرة القادمة؟؟