الصهاينة: عملية القدس الاستشهادية أنهت "شهر العسل" الذي أوجدته
الهدنة
فلسطين/إبراهيم السعيد
مثّلت عملية القدس الاستشهادية، التي نفذها الاستشهادي الشيخ رائد مسك، العضو
في "كتائب الشهيد عز الدين القسام" ليلة التاسع والعشرين من شهر آب/أغسطس والتي
قُتل فيها أكثر من عشرين صهيونياً وجُرح مائة وثلاثون آخرون، صدمة كبيرة لكل من
المستويات السياسية والعسكرية والجماهيرية في الشارع الصهيوني. وقد اعتبر قادة
الأجهزة الأمنية الصهيونية العملية بأنها "نقطة تحول فارقة" في العمل المقاوم
الفلسطيني ورد الفعل الصهيوني المضاد له. وأكثر ما أثار حفيظة دوائر صنع القرار
الأمنية والسياسية في الدولة العبرية هو قدرة الحركة على تنفيذ العملية الكبيرة
على الرغم من خروج منفذ العملية من مدينة الخليل التي تخضع للسيطرة الأمنية
الصهيونية الكاملة، وعلى الرغم من أن هذه المنطقة كانت طوال أكثر من عامين عرضة
لسلسلة من الحملات الأمنية القاسية التي تعاقبت على شنّها أشهر الألوية
والوحدات الخاصة في جيش الاحتلال. العملية وصفت بأنها أكبر عملية استشهادية
تشهدها القدس المحتلة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى.
الصهاينة: شهر العسل انتهى
منذ أن أعلنت حركتا حماس والجهاد الإسلامي عن الهدنة حدث تطور كبير في مستوى
الشعور بالأمن الشخصي لدى الصهاينة، وقد تمثل هذا التطور في عودة الازدحام إلى
الشوارع والمنتديات والأسواق ودور اللهو. وعادت الحياة إلى وسائط النقل العامة،
حتى عادت الباصات لتلعب دور واسطة النقل الأهم في الدولة العبرية، وعادت محطات
النقل العامة لتعج بالحركة والمسافرين. الكثير من المرافق التي يقصدها الجمهور
الصهيوني عملت في الآونة الأخيرة على التخلي عن الحراس الذين استخدمتهم في
أعمال الحراسة من أجل الحيلولة دون تسلل الاستشهاديين، وقد أدى استخدام هؤلاء
الحراس إلى استنزاف الموارد المالية لهذه المرافق، الأمر الذي دفعها إلى رفع
أسعار الخدمات التي تقدّمها للجمهور. خلال فترة الشهر ونصف التي أعقبت إعلان
حركتي حماس والجهاد تجميد العمليات، هناك من الصهاينة من وصف هذه الفترة بـ"شهر
عسل"، وتمنّوا أن يستمر أطول وقت ممكن. هذا الوضع كان مغرياً للصهاينة لدرجة أن
دوف فايسغلاس مدير مكتب رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون قال "لقد تورّدت
وجوه الإسرائيليين بسبب الهدنة" في إشارة إلى الشعور بالراحة الذي عم أوساط
الصهاينة. لكن عملية القدس مثّلت نهاية شهر العسل الصهيوني هذا. وهنا تتوجب
الإشارة إلى أن العديد من الأوساط الصهيونية حمّلت حكومة شارون المسؤولية عن
التدهور الذي انتهى بعملية القدس الاستشهادية. فقد حمل المعلق عميت كوهين،
المحلل والكاتب في صحيفة "معاريف" حكومة شارون المسؤولية عن التدهور، موضحاً
أنها لم تبذل أي جهد في سبيل الحفاظ على الهدنة، حيث واصلت عمليات الاغتيال ولم
تفرج عن أسرى فلسطينيين فضلاً عن مواصلة تقييد تحركات الفلسطينيين. من ناحيتها
اتهمت "كتلة السلام" الإسرائيلية الحكومة الإسرائيلية بالمسؤولية عن التصعيد
الأخير الذي انتهى بتنفيذ عملية القدس الاستشهادية. وفي بيان صدر عنها قالت
الحركة إن "دائرة الدم المتجددة ابتدأت بقرار المستويين السياسي والعسكري
الإسرائيليين، تنفيذ "تصفيات موضعية" في نابلس والخليل، وذلك ضمن معرفة تامة أن
هذه الضربات ستؤدي إلى عمليات انتقامية وإلى كسر "الهدنة". لكن بشكل عام فقد حث
كبار المعلقين في وسائل الإعلام الصهيونية حكومة شارون على مواصلة توجيه
الضربات لحركة حماس. الوف بن قال في "هآرتس" إن "عملية القدس لم تكن شهادة وفاة
"للهدنة" فقط وإنما أنزلت ضربة معنوية صعبة على رأس الجمهور الإسرائيلي الذي
تنفس الصعداء منذ عدة أسابيع سادها الهدوء. مرة أخرى انكشف عجز الحكومة عن
مواجهة (الإرهاب). (إسرائيل) لا تستطيع أن تمتنع في هذه المرة عن الرد الموجع
بسبب عدد القتلى الكبير. عملية العقبة السياسية المتأرجحة عادت إلى نقطة الصفر
كما أسلفنا"، على حد تعبير بن في هآرتس ( 21-8-2003).
الكثير من المعلقين الصهاينة اعتبر أن عملية القدس تمثّل في الواقع محاولة من
حركة حماس إلى تكريس أصول جديدة للعبة، بحيث تقوم فيه الحركة بالرد بعمليات
كبيرة على كل عملية تصفية تقوم بها الأجهزة الأمنية الصهيونية. كبار المعلقين
للشؤون الفلسطينية وكذلك المراسلين للشأن العسكري حذّروا من أن حركة حماس تسعى
إلى فرض الأصول التي كانت قائمة في جنوب لبنان أثناء الاحتلال الصهيوني له.
المسؤولون الصهاينة شدّدوا على أن الحكومة الصهيونية مصمّمة على إفشال توجّه
حركة حماس هذا من خلال شن حملات واسعة النطاق ضد الحركة وقواعدها والقيام
بمجموعة من العمليات بمختلف المستويات والآليات، من أجل القضاء على الحركة
وإضعافها والقضاء على بنيتها التحتية بشكل لم يسبق له مثيل.
تحريض دحلان وأبو مازن
الحكومة الصهيونية وكذلك وسائل الإعلام الصهيونية شنّت حملة تقصد إلى دفع رئيس
وزراء السلطة محمود عباس ووزير أمنه محمد دحلان إلى توجيه ضربة لحركة حماس.
ومنذ اللحظات الأولى للإعلان عن تنفيذ العملية حرص كبار مسؤولي الحكومة
الصهيونية على تحميل أبو مازن ودحلان المسؤولية الكاملة عن العملية بسبب ما
أسموه "تقاعس الاثنين" عن تفكيك البنى التحتية لحماس، على اعتبار أن هذا
استحقاق أساسي من استحقاقات خطة "خارطة الطريق" التي أعلنت حكومة أبو مازن
قبولها. وقد انضم إلى هذا الجهود بشكل مكثّف الإدارة الأميركية ممثّلة في
رئيسها بوش ووزير خارجيته باول.
روني شاكيد المعلق في صحيفة "يديعوت أحرونوت" شدّد على ضرورة التشبث بهذا
الاتجاه قائلاً "أبو مازن ودحلان هما العنوان، الضغط يجب أن يمارس عليهما -ولا
سيما الضغط السياسي من جانب الولايات المتحدة- كي يدفعهما إلى طريق معالجة أخرى
للإرهاب. وبالمقابل يجب مواصلة العمل الموضعي ضدّ الإرهاب، وضد زعماء الجهاد
الإسلامي وحماس، وضدّ كل سلسلة الإرهاب التي تقود شاباً من الخليل نحو الانتحار
في القدس" (يديعوت أحرونوت 21-8-2003). ويوصي شاكيد بتشديد الضغوط على السكان
الفلسطينيين بدعوى أن ذلك يساهم في دفعهم لممارسة الضغوط على حركات المقاومة.
خطوات الرد الصهيوني
دوائر صنع القرار في الدولة العبرية يدّعون أنهم بصدد تغيير أصول اللعبة بشكل
كامل بعد العملية الاستشهادية في القدس. ويؤكّد كبير مراسلي "معاريف" بن كاسبيت
أن أرييل شارون قد صادق على قائمة مرشحين للاغتيال من بين أعضاء في حركة حماس
تضم: القيادة السياسية العامة، والقادة التنظيميين، فضلاً عن تصفية قادة وكوادر
الجهاز العسكري. حسب شارون فإنه يتوجب عدم التفريق بين هؤلاء جميعاً. وحسب
كاسبيت فإنه ليس من المستبعد أن تنفّذ الحملة التي كانت تزمع تنفيذها قبيل عقد
قمّة العقبة، والتي كانت تهدف إلى تصفية قادة حركة حماس في غزّة وذلك في عملية
برية خاطفة تقوم بها الوحدات المختارة في الجيش. التبسيط الإسرائيلي للأمور وصل
إلى حد تشبيه عملية القدس بعملية ميونيخ في العام 1972، عندما قام فدائيون
فلسطينيون بقتل أحد عشر رياضياً إسرائيلياً، فقامت الدولة العبرية بتصفية قادة
منظمة "أيلول الأسود" التي كانت وراء العملية، وهم يدّعون أنهم عازمون على
تصفية قادة حركة حماس. شارون وصف قادة وكوادر حركة حماس في اجتماعات سرية بأنهم
"أبناء موت". لكن فيما تعتبره استخلاصاً للعبر من الحملات السابقة فإن الأجهزة
الأمنية الصهيونية أوصت المستوى السياسي الصهيوني بأن يأخذ الرد الصهيوني على
عملية القدس شكل العمليات المتنوعة وليس شكل الحملة الواحدة، بحيث إن الرد
الصهيوني يشمل القيام بعمليات اغتيال كثيرة تستهدف بشكل خاص قادة حركة حماس
السياسيين وكوادر جناحها العسكري، وتدمير ما تعتبره بنى تحتية لإنتاج الوسائل
القتالية، بالذات صواريخ "قسام"، مع العلم أن أجهزة الأمن الصهيونية حرصت على
الادعاء أن حركة حماس استغلت فترة الهدنة من أجل تطوير صواريخ القسام لزيادة
مداها، إلى جانب القيام بعمليات اجتياح واسعة النطاق في جميع أرجاء الضفّة
الغربية بحثاً عن مطلوبين واعتقالهم.
لماذا استهداف القادة السياسيين؟
في عملية اغتيال القائد إسماعيل أبو شنب لم تحاول (إسرائيل) هذه المرة الادعاء
أن أبو شنب على علاقة بالجهاز العسكري للحركة، بل إنها أكدت أنها قامت بتصفيته
لأنه قائد سياسي في حركة حماس. وهنا كشفت (إسرائيل) عن سرّ استهداف السياسيين.
وكما نقلت "يديعوت أحرونوت" عن مصادر أمنية صهيونية فإنه بالنسبة لحركة حماس
بإمكانها دوماً تخريج وإنتاج كوادر الجهاز العسكري وذلك لسيادة روح التضحية في
الشارع الفلسطيني، لكن –وحسب المنطق الصهيوني– فإن حركة حماس تجد صعوبة كبيرة
في إبراز قادة سياسيين كبار على غرار أبو شنب، حيث إن ذلك يستغرق وقتاً طويلاً!!
(إسرائيل): سنضرب حماس لنساعد السلطة
الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية وفي حملة إعلامية واضحة شددت على أن
قيامها بضرب حركة حماس يهدف أيضاً إلى تمهيد الطريق أمام حكومة أبو مازن لكي
يستتب لها الأمر، وهذا ما نقله المراسل السياسي لصحيفة "هارتس" عن مصادر في
مكتبي رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيليين. الحجة الإسرائيلية تقوم على
أساس أنه بضرب البُنى التحتية لحركة حماس في قطاع غزّة تحديداً يتمكن أبو مازن
ودحلان بسهولة من تثبيت أقدامهما في المكان، وفرض أصول لعبة جديدة على حركة
حماس أيضاً.
ومن أساليب العمل الذي تتجه الحكومة الصهيونية لاستخدامها هو استهداف أعضاء
قيادة حركة حماس في الخارج. وهناك من أشار إلى أن التعليمات قد صدرت بالفعل إلى
فرق الموت التابعة لجهاز الموساد لتعقب قادة الحركة في الخارج وتصفيتهم واحداً
واحداً. الإسرائيليون يعتقدون أن الظروف الدولية والإقليمية تسمح بالشروع في
مثل هذه العملية. إلى جانب ذلك فإنه تقرّر الاستعانة بكل من المنظمات اليهودية
وممثلي المحافظين الجدد الذين يتولون إدارة دفّة الأمور في إدارة بوش وكبار
قادة الكونغرس، من أجل حمل بوش على تكثيف ضغوطه على الحكومة السورية لقطع أية
علاقة لها مع حركة حماس. الحكومة الإسرائيلية ترى أنه في ظلّ الظروف الحالية
فإن الضغوط على سوريا ستؤتي أكلها بسرعة وبنجاعة أكبر.
"لن ننتصر على حماس"
المفكر والكاتب الإسرائيلي بي ميخائيل عبر عن امتعاضه من دعوة حكومة شارون
لمحمود عباس ودحلان بالقضاء على حركة حماس ووقف عملياتها. وفتح ميخائيل أيضاً
حساباً عسيراً مع الرئيس المؤقت لحزب العمل شمعون بيريز، الذي قال إنه لدى أبو
مازن ما يكفي من البنادق للتغلب على حركة حماس، فردّ عليه ميخائيل موبخا "إسرائيل
استخدمت ألوية مدرعة وطائرات حربية وأسراباً جوية قتالية وسفناً حربية ومروحيات
وغواصات وعشرات "الوحدات المختارة" المزودة بأفضل الأسلحة وأكثرها إحكاماً
وفشلت رغم ذلك في دحر الإرهاب والقضاء عليه، أما أبو مازن فعليه أن يقوم بذلك
بواسطة البنادق، لديه ما يكفي"، على حدّ تعبير ميخائيل.