|































| |
|
شؤون فلسطينية2 |
إمام الاستشهاديين
رائد مسك منفّذ عملية شارع حاييم بارليف في القدس
حافظ للقرآن ومحبّ للناس وربّ أسرة ومعلّم لأطفال الخليل
الخليل/محمد الحلايقة
لا يدري المرء من أي باب يمكن له أن يدخل إلى شخصية الشهيد الشيخ رائد عبد
الحميد مسك من مدينة الخليل، الذي نفذ عملية شارع حاييم بارليف في القدس
المحتلة.. حقاً لقد أخذتنا الحيرة كيف يمكن لرجل يعيش في الجنة ثم يطمح للجنة،
كيف لرجل أن يسأل الله أن يمنحه الشهادة قبل الشهادة. نور على نور وعلم يتدفق
من جنبات صدرك، وهذا عشّك الصغير الذي فارقته بالأمس، وملاكين بريئين أسعدتهما
بحياة قصيرة، وزوجة صالحة أقسمت أنها عاشت معك حياة سعيدة لم تعشها امرأة من
قبل.
كيف يمكن أن تنام ذاكرة الخليل عنك وأنت فارس لمنابرها.. معلم لأطفالها.. مفرّج
لكرب أهلها، ربما لأنك أول من مررت على جرح الخليل وشممت أنفاسها الحرّى، أو
ربما كان السر الذي بُحْت به قبل استشهادك بيوم ولم يسمع همسك أحد: (روحي تاقت
للجنة وللشهادة استعجلنا).,
النشأة والدراسة
ولد الشهيد رائد عبد الحميد عبد الرزاق مسك في مدينة الخليل بتاريخ 24/1/1974،
وهو من سكان منطقة واد أبو اكتيلة في الجزء الغربي من المدينة، التحق بمدرسة
الجزائر الأساسية، أما الدراسة الإعدادية فكانت في المدرسة الشرعية للبنين وهي
إحدى المدارس الإسلامية الرائدة في مدينة الخليل.
التحق بكلية المجتمع في الأردن ودرس لمدة سنتين مادة الشريعة إلاسلامية، ولظروف
قاهرة لم يكمل الدراسة، ولكنه عاد إلى جامعة الاستشهاديين جامعة الخليل وحصل
على البكالوريوس في الشريعة إلاسلامية، وكان يعمل مدرساً في مدرسة رابطة
الجامعيين الثانوية في الخليل.
تزوج بتاريخ 25/8/1998 من أريج محمد الجعبة، التي تعمل مدرسة لمادة اللغة
العربية في جمعية الشبان المسلمين، وهي أيضاً من حملة شهادة البكالوريوس في
اللغة العربية، وأنجبا طفلين هما: مؤمن (ثلاث سنوات) وسما (22 شهراً)، وله من
الأشقاء اثنين و11 شقيقة.
تقول أم مؤمن إنه عزم قبل عامين على إكمال دراسته فالتحق بجامعة النجاح الوطنية
للحصول على الماجستير، وكان من المفترض أن يحصل على درجة الماجستير في شهر
تشرين أول/أكتوبر المقبل، وقد قدّم الرسالة حول مخطوطة (بيان جهد المقل) في
التفسير والقراءات، وكان يطمح للحصول على شهادة الدكتوراه. وتقول أم مؤمن: كنت
دوماً أسمعه وهو يردّد "اللهم ارزقنا الشهادة قبل الشهادة"، وعندما كنت أسمعه
أدعو الله "اللهم ارزقه الشهادة بعد طول عمر وطول عمل"، وكان يغضب مني حينما
أقول هذا الدعاء.
وتضيف: لقد كان محبوباً وحافظاً للقرآن الكريم منذ أن كان عمره (15 عاماً)،
وكان محباً للمطالعة وقراءة القرآن، ومتفكراً في كتابه، حتى إنه كان دائماً
يقول لي "انظري يا أم مؤمن إن كل آية في القرآن تحتوي على كنز، انظري ما سرّ
هذه اللام وما الحكمة منها"، وكنت إذا خرجت إلى الشارع معه أشعر بالخجل لكثرة
ما يطرح السلام على المارّة ولكثرة معارفه ومحبيه.
لقد كان واصلاً لرحمه وآخر ليلة عشناها معاً كان في زيارة شقيقته، وقد بتنا تلك
الليلة عندها وأعطاها خمسين ديناراً، وتتابع: كان محباً للأطفال لدرجة أنه كان
يطعمهم بيديه ويضع لهم الطعام ثم يقول لهم من يحضر لي وعاءه فارغاً سوف آخذه
معي إلى "السوبر ماركت"، فكان الأطفال يتسابقون في الأكل من أجل الفوز بالخروج
معه.
وأكثر ما آلمه في حياته موت أمه وهو في السجن حينما اعتقل قبل 14 عاماً وحكم
عليه بالسجن لمدة عام واحد، ولما خرج وجد أمه في ضيافة الله عز وجلّ، وكان
بالرغم من طول المدة يبكي كلّما تذكرها حتى تسيل دموعه وتبتل لحيته.
محطات مثيرة
هناك محطات كثيرة ومثيرة في حياة الشهيد مسك، ولا شك أن أعظمها أنه قال لأخته
عندما ذهب لزيارتها أن تعرض عليه وعلى زوجته المبيت عندها لأنه تعمدّ على ما
يبدو أن لا يبيت في منزله ليكمل خطته بنجاح. وفي صبيحة اليوم التالي ودّعها ثم
خرج على اعتبار أنه سوف يذهب إلى جامعة النجاح الوطنية، وعند خروجه قال لها إنه
ربما اعتقل أو استشهد لأن اليهود مشددين على الطرق وطلب منها أن تدعو له، وهذه
كانت عادته عندما كان يذهب إلى مدينة نابلس، وتضيف أم مؤمن: لم أشعر بأي نوع من
التحوّل في حياة رائد، غير أني سمعته قبل يومين من تنفيذه للعملية ينشد أنشودة
أبو راتب:
هيأت لي أمي فراشاً وثيراً من ريش الحمائم حشت الوسادة
صبغت غرفتي بلون المرايا وتمنت علي عهد السعادة
ثم قالت هذي عروسك يا إنها الدرّ نهج ونجادة
فرفضت وقلت يا أم حيدي إن عرسي في الأرض يوم الشهادة
يوم ألقى حور الجنان ودمي فوق صدري وسام كالقلادة
عندها تصبح الجراح صلاة وصلاة الجراح أحلى عبادة
وتضيف أم مؤمن: وعندما ذهب إلى نابلس وعدني بأن يتصل بي ولم يفعل، وبقيت أشعر
بالقلق حتى ساعات المساء، عندما عدت من منزل شقيقته إلى منزلنا جاء ابني مؤمن
الذي كان يشاهد إحدى المحطات المحلية وهو الذي زف لي خبر استشهاد أبيه وقال لي
بالحرف الواحد (يا ماما لقد رأيت أبي وهو يحمل البندقية في يد والقرآن الكريم
في يد ويتحدث على التلفزيون يا ماما لقد ذهب أبي إلى نابلس ومن هناك صعد للجنة)
وعندما عدت إلى التلفاز وجدت أن ما قاله ابني صحيحاً.
سنكمل المشوار
وتقول أم مؤمن إنها حامل في الشهر الخامس وإنها ستكمل مشوار زوجها في تربية
أبنائها، وتأمل أن يرزقها الله مولوداً ذكراً كي تسميه "رائداً" علماً بأن
رائداً قال لها إذا أنجبت مولوداً ذكراً فسمّه يحيى.
وفي تفاصيل عملية شارع حاييم بارليف ذكرت إذاعة العدو أن الشهيد رائداً صعد إلى
الحافلة رقم (2) التي كانت تغصّ بالمتدينين اليهود، وهي حافلة مزدوجة، وكانت
قادمة من حائط البراق، وكان الشهيد يتخفى بزي مستوطنين متزمّتين. وقالت
استخبارات العدو إن الشهيد كان يحمل على جسده قنبلة بزنة 5 كلغ ومحشوة بالقطع
المعدنية، وفي هذه المرة نجح رائد بالتخفي، حتى أن المعلومات التي جُمعت عنه
تساوي صفراً، فلم يتعرف عليه أحد كما لم يشتبه به أحد، ولم يُعرف أيضاً من أي
النقاط صعد إلى الحافلة أو في أي المقاعد جلس، وقد فجّر الشهيد نفسه ما أدى إلى
مقتل أكثر من 20 مستوطناً حسب اعتراف العدو وأصيب أكثر من 150 بجروح، جروح
العشرات منهم بالغة الخطورة.
وفي نهاية حديثها قالت أم مؤمن إنها فخورة باستشهاد رائد بالرغم من أنها حزينة
لفراقه، وعزاؤها الوحيد أنه استشهد ونفسه كما قال تاقت للجنة.
وتقول إن ما حصل مع رائد هو توفيق من الله، لأنني لا أذكر أن رائداً دخل القدس
الغربية طيلة حياته، وأنه لو عاد إليها حياً يرزق ستكون سعيدة، ولكن ليس
كسعادتها الآن بشهادته.
|
| |
|