عائلة الشيخ جمال أبـو الهيجا
ياسر الزعاترة
بكثير من التحدي والبطولة حاولت بنان أن تجترح بعض الفرح بنجاحها في امتحان
التوجيهي أو الثانوية العامة... دارت حول نفسها... قبّلت إخوتها الثلاثة
ورابعتهم الصغيرة ساجدة.. قبّلتهم واحداً واحداً... خانتها الدموع التي راحت
تسيل على وجنتيها وهي تتذكّر أمها وأباها وأخاها الذين لم يشاركوها فرحة
النجاح.
لم يكن المعدّل الذي حصلت عليه بنان عالياً. وكان ذلك طبيعياً لفتاة كانت تمارس
دور الأب والأم والأخ والأخت لإخوتها الصغار... كل ذلك لم يترك لها الكثير من
الوقت للدارسة.
إنها بنان جمال أبو الهيجا تلك الفتاة الفلسطينية الرائعة التي تعيش الآن في
مخيم جنين.. في بيت عمّتها، فيما والدها البطل في سجن بئر السبع (قسم العزل)،
ووالدتها في سجن الرملة، أما شقيقها الأكبر عبد السلام (19 عاماً) فيقبع في سجن
شطة.
تلقّى الأب التهنئة من زملائه في السجن، فيما علمت الأم بنبأ النجاح من الإذاعة
الفلسطينية، ولا يُعرف ما إذا كان عبد السلام قد علم سريعاً بنجاح شقيقته أم
تأخّر النبأ عليه، لكنه عرف على أي حال.
عائلة فلسطينية بامتياز تختصر معاناة الفلسطينيين تحت عسف احتلال لا يعرف
الرحمة ولا المروءة.. حقد أعمى يحكم هذا الكيان البشع من رأسه حتى أخمص قدميه.
بالمقابل تختصر حكاية هذه العائلة الرائعة قصصاً من البطولة لا تُحصى يجترحها
هذا الشعب العظيم في مواجهة جلاديه، ضارباً بذلك أروع الأمثلة، ورافعاً لواء
العزة والكرامة في أمّة لم تعرف ذل الاستسلام أبداً.
تبدأ الحكاية من الأب.. جمال أبو الهيجا، ذلك الفلسطيني الكبير الذي هاجر أهله
من بلدة عين حوض في سفوح الكرمل قضاء حيفا إلى مخيم اللاجئين في مدينة جنين.
في عام 1958 ولد جمال، ومضى يشب على دروب العلم والإيمان والفضيلة عاماً إثر
آخر، ومثل كثير من الفلسطينيين خرج بعد إكمال دراسته يبحث عن لقمة العيش في
اليمن والسعودية، لكنه عاد في العام 1990 في ذروة التحدي مع الاحتلال. ومن هناك
بدأت قصته في مواجهة الجلادين من سجن إلى آخر ومن وجبة اعتقال إلى أخرى. ولم
يسلم كما هو شأن كثير من إخوانه في "حماس" من عسف أوسلو وسلطته، فذاق مرارة
سجونها أيضاً.
جمال، قائد حماس في منطقة جنين ونجم المخيم. ومخيم جنين هو نجم فلسطين الذي صاغ
معركة نيسان/أبريل البطولية التي سيذكرها التاريخ كواحدة من أروع المعارك، حيث
صمد قلّة من المجاهدين في وجه أعتى آلة عسكرية في المنطقة. في معركة مخيم جنين
لم يكن جمال يحمل بندقية، بل كان قائداً ينسّق أمور الجند ويبعث فيهم روح
التضحية والفداء. كان ذلك لأنه بمثابة الأب لشباب المقاومة، فضلاً عن أن يده
اليسرى كانت قد بترت قبل ذلك أثناء محاولة اغتيال فاشلة طالته منها رصاصة في
الصدر وإصابة في يده، اضطر معها إلى بترها بدل الذهاب إلى المستشفى حيث يسهل
على جنود الاحتلال الوصول إليه.
بعد أربعة شهور من المعركة ومطاردة محمومة وصل القتلة إلى جمال واعتقلوه، وخضع
إثر ذلك لتعذيب مرير امتد ثمانين يوماً لم يفلحوا خلالها في انتزاع أي اعتراف
منه، على رغم كل الأساليب البشعة والدنيئة التي استخدموها معه.
لم تتوقف رحلة التعذيب النفسي والجسدي مع جمال. فبعد اعتقاله بثلاثة شهور ألقي
القبض على ابنه الأكبر عبد السلام (19 عاماً)، حيث كان يؤتى بالفتى ليسمع صوت
أبيه أثناء التعذيب، ويسمعونه صوته في ممارسة لا يقارفها غير السفلة من البشر.
لم يكن ذلك كل شيء، فما هي سوى أسابيع، ويوم عيد الأضحى بالتحديد، حتى كان
القتلة يسرقون زوجته أسماء أبو الهيجا من حضن أطفالها الخمسة ويقتادونها إلى
سجن الرملة، ثم يخرجون العائلة ويهدمون البيت.
لم يشفع لأسماء مرض السرطان الذي يفتك برأسها منذ سنوات وتعرضها لعمليتين
جراحيتين وحاجتها الماسة لعملية ثالثة، ولم يشفع لها صغارها وآخرهم الطفلة
ساجدة التي تعلقت بها لحظة داهم القتلة البيت.
مطاردة محمومة للأب كي يخضع ويعترف، لكنه لا يزال شامخاً كل الشموخ ومعه زوجته
أسماء التي حكمت إدارياً لمدة ستة أشهر، وكذلك عبد السلام الذي حرم من تقديم
امتحانات التوجيهي، وحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات بتهمة المشاركة في
المقاومة المسلحة ضدّ الاحتلال.
لم تنته الحكاية بعد، فقد قالت بنان إنها ستتحدى كل الظروف وتدرس الحقوق
وستدافع عن شعبها وحقوقه المغتصبة. وقالت أيضاً إنها سترعى إخوتها الصغار (عاصم
وعماد 15 عاماً، حمزة 11 عاماً، وساجدة 7 سنوات). سترعاهم وستعلمهم كيف تكبر
فلسطين كلّما سال دم لأجل عيونها، وكيف يشمخ الأقصى وتعانق مآذنه السماء كلما
كبّر الرجال خلف القضبان وفي معارك البطولة والشهادة.
لم تنته الحكاية بعد، فجمال لا يزال شامخاً يعجز القتلة عن كسر إرادته، وعبد
السلام يدرس جيداً لكي يقدم امتحان الثانوية وينتسب للجامعة، وربما كان في هذه
الآونة يغزل صورة أو يصنع مجسماً للأقصى كي يرسله هدية النجاح لشقيقته بنان.
لم تنته الحكاية بعد، فسيخرج جمال وعبد السلام وأسماء من السجن، ويقصون حكايات
السنين على الأطفال، وسيعلّمونهم كيف تكون العزة ويكون الكبرياء عدة الشرفاء
المؤمنين في مواجهة القتلة والجلادين.
|