|
مجتمع |
يقضون عطلتهم الصيفية في ظلّ
الإرهاب الصهيوني:
الطفولة الصعبة
سميرة الحلايقة/الخليل
أينما تجولت تجدهم رجالاً حملوا همّ الوطن، كأنهم دهاقنة السياسة وصناديد
المعارك، أينما تنظر تجدهم كالزهور اليانعة ينشرون عبقهم من بعيد، لا ينتظرون
قطار العمر حتى يلتحقوا بالرجولة، وإنما يجبرون الرجولة على أن تركع لهم طائعة.
أطفال فلسطين أثبتوا ذاتهم، ليس في مواجهة الاحتلال فحسب، ولكنهم استطاعوا أن
يتحملوا مسؤولية أسرهم، وشاركوا آباءهم في حمل العبء. لم تعد تستهويهم رحلات
الاستجمام، بالرغم من أنها لو توفّرت لا يرفضونها، ولم تعد تستهويهم جلسات
اللهو على أرصفة الشوارع، إنما أصبحوا رجالاً تستهويهم المسؤولية وإثبات الذات.
رجولة مبكرة
بالقرب من سوق المنارة وسط مدينة الخليل، يقف الطفل محمد الزرو، في الصف
التاسع، عينان زرقاوان تنضحان بالأمل، وجسد نحيل ذو وجه بريء، قال لنا: اشترِ
مني، لم أستفتح هذا اليوم… وبعد حديث بسيط مع محمد، قال: إنه يعمل على بسطة في
العطلة الصيفية لمساعدة والده في تحصيل مصروفه المدرسي، وشراء احتياجاته
المدرسية للعام القادم.
محمد لم يكن من الطلبة الفقراء أو المعدمين بحسب ما استشعرنا من حديثه، لكنه
تحدث معنا بمنطق الرجال، وقال ليست الحاجة هي التي دفعتني للعمل، إنما شعوري
بالمستقبل على أن أكون رجلاً قادراً على تحمل المسؤولية، وقال أيضاً إنه التحق
بالعمل مع والده في محله التجاري، ولكن هناك العمل غير ميسر، فاختار العمل على
بسطة وسط السوق مع وجود حركة دائبة للمشترين.
هذا الرجل الصغير (14 عاماً) يحصل على معدّل 94% في المدرسة، ويقول محمد
للأطفال الذين لا يجدون ما يملؤون به فراغهم، لا بد أن يأتي الغد وتصبحون
رجالاً، فهيئوا أنفسكم للمسؤولية القادمة.
الاعتماد على النفس
الطفل ضياء النتشة (14 عاماً) يعمل على بسطة أحذية، وهو من طلاب الصف الثامن،
قال: إنه يستغل العطلة الصيفية، ويعتمد على نفسه، ويأخذ رأس المال من والده،
أما المربح فيقتطع جزءاً منه لمصروفه الخاص ومصروفه للمدرسة، واحتياجاته للعام
القادم، وجزءاً آخر يعطيه لوالده، ويقول إنه راضٍ عن نفسه، وهذا أفضل بكثير من
أن يكون عالة على أسرته، وقال إنه لا يحبذ الذهاب الى النوادي.
أما الطفل محمود الهيموني، فقد التحق بالعمل منذ أن كان عمره ثماني سنوات،
واعتاد على العمل في العطل الصيفية، ويقول نحن أطفال فلسطين اعتدنا الرجولة منذ
الصغر، ونحن محرومون كثيراً من الأمور الترفيهية وإن سنحت لنا الفرصة نذهب
إليها ولكنها ليست هدفاً ومبتغى.
استقلالية وإثبات للذات
الفتى حمزة يبدو متفائلاً جداً، بالرغم من أنه تعرض لحادث سير، مكث خلاله
شهراً كاملاً في الفراش أثناء ذهابه لإحضار كمية من البضاعة.
حمزة قال بأن حال أسرته المادي جيد، وأن والده يملك محلاً تجارياً، ولكنه اعتاد
منذ الصغر على العمل في العطلة الصيفية لإثبات ذاته، ولما سألناه لماذا تعمل
وبإمكانك أن تحصل على ما تريد دون هذه المشقة؟ قال هناك من يعمل لأنه يريد أن
يعمل، وهذا حال الأغنياء عفيفي النفس، وهناك من لا يعمل وهو لا يريد أن يعمل
وهذا حال قليلي الحيلة وأصحاب الحاجة، وهناك من يعمل ولا يريد أن يعمل وهؤلاء
أصحاب الحاجة والفاقة.
وبعد هذا المنطق الجميل والتعبير الذي أعطى الموضوع أكثر من حقه، سألنا حمزة من
أين لك هذه الفلسفة، فقال: هذه هي لغة السوق، من لا يفهم هذه الفلسفة لا يمكن
أن يستمر في العمل.
حمزة من طلاب الصف العاشر وحاصل على معدل 90% في الفرع العلمي.
أما الطفل ثائر العويوي فقد ذكر أنه خرج للعمل على بسطة أثناء العطلة الصيفية،
بعد أن أغلقت سلطات الاحتلال محلهم التجاري في شارع الشلالة في البلدة القديمة
في الخليل، واضطر للعمل حتى يساعد والده في مصروف الأسرة ويقتسم الربح بينه
وبين أسرته، ومع ذلك فهو مجتهد في دراسته، وهو من طلاب الصف العاشر وحاصل على
معدل 94%.
المخيّمات الصيفية
تحدثنا مع الزميل الصحفي نواف العامر الذي كان في رحلة سياحية للتعرّف على
معالم الوطن، مع مخيّم صيفي للفتيان تابع لنادي الأنوار.
بصفته دليلاً سياحياً للمخيم المذكور قال لنا: إن المخيمات الصيفية أصبحت الآن
تؤدي رسالة متشعبة، فهي لا تؤدي رسالة ترفيهية فقط بل أصبحت تنظم رحلات إلى
ربوع الوطن ضمن حملة إعرف وطنك واعرف عدوك، بالإضافة إلى عشرات البرامج الأخرى،
حيث يتم اصطحاب طلاب المخيم إلى حدود المستوطنات الصهيونية والحواجز العسكرية
للتعرّف على طبيعة العدو وعقيدته العسكرية، وعلى طبيعة المستوطنات والحواجز
وآلية عملها وعمل الجنود عليها.
وأضاف العامر: إن هذه الرحلات لاقت إقبالاً كبيراً وتفاعلاً منقطع النظير، وبدا
المشاركون وكأنهم خارجون من معتقل للتو بسبب الضغط النفسي الناتج عن الاحتلال
الصهيوني والذي عانى منه أطفال فلسطين خلال العامين الماضيين. ولفت إلى أن
أطفال فلسطين تجاوزوا مرحلة الطفولة منذ زمن بعيد، وأصبح همهم أن يثبتوا للعالم
أنهم ليسوا مجرد أرقام على قوائم الإحصاءات المركزية.
إذلال وانتقام
يقول العامر إن جنود الاحتلال المتواجدين على الحواجز الصهيونية يدركون حاجة
الأطفال الفلسطينيين للعمل، ويدركون أن العمل مكون أساسي من حياة الطفل
الفلسطيني، ويضيف إن أقذر الحواجز الصهيونية هي حاجز حوارة جنوب شرقي نابلس
وحاجز إيرز (2)، حيث يشاهد المارّون من تلك المنطقة عشرات الأطفال الفلسطينيين
ينقلون البضائع من جهة إلى أخرى، وأحياناً يتعرّض قسم منهم للابتزاز من قبل
الجنود الصهاينة، حيث يطلب الجندي من الطفل أن يقبّله حتى يسمح له بالدخول عبر
الحاجز، وأحياناً كثيراً يرفض الطفل الدخول أو العمل تحت هذا التأثير
اللاأخلاقي، وقسم من الأطفال يقبلون بهذا العرض تحت ضغط الحاجة
في حين أن غالبية الأطفال لا يرضخون لهذا الابتزاز، ويقول العامر إن هناك خشية
حقيقية على الأطفال الذين يقبلون بهذا الأمر، ومنهم من يسمح لهم بالدخول إلى
الحواجز وتتاح لهم الفرصة للتعرف على الجنود ومجندات داخل الحواجز، مما يعرضهم
لخطر الإسقاط.
|
|
(إسرائيل) تحاول اغتيال الطفولة |
تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 60% من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة هم ما دون
(19 عاماً) من بينهم 47% دون (15 عاماً). ويتعرّض هؤلاء الأطفال تحت الاحتلال
لشتى أنواع الاضطهاد والتعسّف من قتل واعتقال وتعذيب وإطلاق نار، إضافة إلى
الآثار النفسية التي لحقت بهم جرّاء ما شاهدوا من حوادث قتل وتدمير.
كطرف في اتفاقية حقوق الطفل فإن (إسرائيل) ملزمة بالمحافظة على نصوص ومضامين
الاتفاقية. من ضمنها المادة 37 التي تنص على أن "يعامل كل طفل محروم من حريته
بإنسانية واحترام للكرامة المتأصلة في الإنسان، وبطريقة تراعي احتياجات الأشخاص
الذين بلغوا سنّه". ولكن (إسرائيل) كعادتها في مخالفة القانون الدولي لجأت إلى
تقنين وتشريع وتبرير سياسة اعتقال الأطفال من خلال إصدار أوامر عسكرية تجيز
اعتقالهم وإطالة مدة احتجازهم دون محاكمة، فالأمر العسكري رقم 132 يجيز اعتقال
الأطفال ما فوق 12 عاماً ويحدّد سنّ النضج الفلسطيني بـ 16 عاماً، في حين تطبق
على أطفالها بنود اتفاقية حقوق الطفل الذي يحدّد سقف مرحلة الطفولة بـ 18
عاماً. كذلك الأمر العسكري رقم 1500 لعام 2002 الذي يسمح باحتجاز الأطفال
الفلسطينيين لفترات طويلة ودون محاكمة. وشهدت السنوات الثلاث الماضية ارتفاعاً
في وتيرة اعتقال الأطفال الفلسطينيين؛ حيث بلغ عدد الأطفال المعتقلين أكثر من
ألفي طفل. لا يزال 330 طفلاً منهم معتقلاً في سجون الاحتلال، ويتعرّضون للتعذيب
الذي يمارسه الاحتلال بشكل ممنهج، ومن بينهم 35 طفلاً رهن الاعتقال الإداري؛
كما يوجد في سجن الرملة إحدى عشرة طفلة رهن الاعتقال.
وكشف تقرير الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال أن عدد الشهداء الفلسطينيين من
الأطفال وصل إلى 463 شهيداً حتى نهاية حزيران الماضي، فيما ارتفعت الإحصاءات
إلى أضعاف ذلك بالنسبة لعدد الجرحى والمعتقلين والمعاقين، ولم تقم سلطات
الاحتلال الإسرائيلي بالتحقيق في هذه الاعتداءات. وكان من بين الأطفال الشهداء
عدد من الذين حاولوا التسلّل إلى المستعمرات الصهيونية بعدما رأوا الجرائم
الصهيونية من بينهم: محمد دواس (14 عاماً) وطارق دواس (15 عاماً)، وجهاد جمعة
(13 عاماً) من مخيم جباليا قد استشهدوا بتاريخ 1-1-2003 على أعتاب مستوطنة
"إيلي سيناي" شمال قطاع غزّة إثر محاولتهم القيام بعملية ضد المستوطنين.
كما أن التقييدات على حركة المواطنين الفلسطينيين عرقلت حق الأطفال الفلسطينيين
في التعليم والصحة وضخّمت معدّلات الفقر إلى أقصى حدودها. وأظهرت دراسة أجرتها
جامعة "جونز هوبكنز" الأميركية في الأراضي الفلسطينية خلال شهر تموز/يونيو
الماضي أن 50% من الأطفال الفلسطينيين تحت سن الخامسة يعانون من سوء التغذية
جرّاء الاعتداءات الصهيونية على الشعب الفلسطيني، وأن 45% من الأطفال لنفس
الفئة العمرية يعانون من فقر الدم.
ونتيجة للقمع الصهيوني كانت هناك آثار نفسية كبيرة على الطفل الفلسطيني منها:
الاستيقاظ والصراخ أثناء الليل، البتوّل اللاإرادي، الكآبة المبكرة، عدم
التركيز أثناء الدرس (إذا استطاع الوصول إلى فصله الدراسي). كما أن دراسة
أجراها الدكتور شفيق مصالحة تُظهر أن 75% من الفتيان والفتيات الفلسطينيين
حلموا خلال فترة انتفاضة الأقصى أن يصبحوا شهداء، واللافت أن النسبة بين
الفتيات لا تقل كثيراً عن الفتيان. هذا أبرز ما يعانيه أطفال فلسطين من تعسّف
وقمع صهيوني لا يعرف الرحمة، ولا شكّ أن محو تلك الآثار أو التقليل منها يتطلّب
جهداً كبيراً ومشاركة فعّالة سواء من ناحية فكرية وتربوية أو من ناحية مادّية
لسدّ هذا العوز.
|
| |