|
أوهام (إسرائيل) بالانتصار
صرّح عدد من المسؤولين الصهاينة بعد إعلان عدد من الفصائل الفلسطينية وقفاً
لإطلاق النار أو ما عرف بالهدنة، أن (إسرائيل) قد حققت انتصاراً على
الفلسطينيين وأن الفصائل الفلسطينية وجدت نفسها عاجزة في النهاية، واضطرت إلى
الرضوخ لجبروت (إسرائيل) العسكري والتسليم بالأمر الذي ترسمه (إسرائيل) كيفما
تشاء. وقد كانت البهجة ظاهرة على وجه رئيس وزراء (إسرائيل) ورئيس أركانه ووزير
حربه، ظناً منهم على ما يبدو أنهم أصبحوا مطلقي الأيدي ليوجهوا آلتهم العسكرية
بالطريقة التي يرونها مناسبة ضدّ الفلسطينيين. وقد كان واضحاً من اللحظة الأولى
أن (إسرائيل) لا تعتبر نفسها طرفاً في هدنة، وذلك من خلال تصريحات مسؤوليها
وأعمال جيشها ضدّ الشعب الفلسطيني في الضفة وغزّة.
لهذا استمرت (إسرائيل) بأعمالها العدوانية كان على رأسها عمليتها العسكرية ضد
من اتهمتهم بالنشاط العسكري ضدّها في مخيّم عسكر القريب من نابلس. وقد أكّدت
(إسرائيل) أنها ليست طرفاً في أي اتفاق لوقف إطلاق النار، وأنها تلتزم بعدم
مهاجمة أهداف في المناطق التي انسحبت منها وتركتها في عهدة السلطة الفلسطينية
الأمنية وبالتحديد في بيت لحم. أما نابلس وجنين والخليل وباقي المناطق، فإنها
غير مشمولة بأي اتفاق ويستمر فيها النشاط العسكري كيفما تقرر هي. وادعت
(إسرائيل) أن أعمالها تصنف دائماً ضمن الأعمال الدفاعية لأنها هي المسالمة
والفلسطينيون هم الإرهابيون، وأن الأمن الفلسطيني مرتبط بالأمن الإسرائيلي..
إذا توقف الفلسطينيون عن أعمال العنف، كما تقول هي، فإن (إسرائيل) تصبح آمنة
مما يعني الأمن للفلسطينيين. بمعنى آخر، تقول (إسرائيل) إن أمن الفلسطينيين
مرتبط باستسلامهم التام لإرادتها وقبولهم بما تقرره لهم.
فوجئت (إسرائيل) أن ظنونها حول استسلام الشعب الفلسطيني لا تستند إلى أساس، وأن
الفلسطينيين غير مستعدين لربط أمنهم بالأمن الإسرائيلي، وذلك عندما تم تنفيذ
عمليتين استشهاديتين بتاريخ 12/8/2003 رداً على عملية مخيم عسكر. أثبتت
العمليتان أن الفصائل الفلسطينية لم تقرر وقف إطلاق النار عن ضعف وأنها قادرة
على أن تخترق كل الموانع والحواجز وتطال (إسرائيل) في العمق. ولسان الحال يقول
إنه إذا لم يتوفر الأمن للفلسطينيين فإنه لا يمكن أن يتوفر للصهاينة، وإن أمن
اليهود هو من أمن الفلسطينيين أولاً.
كان على الصهاينة أن يدركوا أن الفصائل الفلسطينية لم تتوصل إلى وقف إطلاق
النار إلا لأسباب سياسية لها علاقة بالأوضاع الداخلية الفلسطينية. كانت السلطة
الفلسطينية هي المحور الأساس الذي دفع الفصائل إلى إعلانها، وذلك من أجل أن
يكون لدى السلطة فرصة من الهدوء تختبر فيه النوايا الأميركية والإسرائيلية تجاه
الحقوق الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية الحقيقية ذات السيادة. كان بإمكان
الفصائل أن تضرب بالسلطة الفلسطينية عرض الحائط، لكنها كانت حريصة أيضاً على
استتباب الوضع الداخلي الفلسطيني، وأن تمنع أي عمل عسكري أو اعتقالات تقوم بها
السلطة.
لا شك أن (إسرائيل) وأميركا تحرّضان من أجل أن تنقضّ السلطة على الفصائل، وأن
هناك في السلطة من لديه الاستعداد لخوض حرب داخلية فلسطينية، إلا أن الفصائل
قدرت ضرورة الخروج من المحنة المتوقعة بهدوء وحكمة، حتى لو اضطرت أن تتراجع إلى
الخلف خطوة. ومن هنا جاء الإعلان الفلسطيني عما عرف بالهدنة.
أظن أن قادة العدو الصهيوني قد أدركوا الآن أنهم يتسرعون في إعلاناتهم عن
الانتصارات. لقد سبق أن أعلنوا الانتصار عقب اجتياح مختلف مناطق الضفّة الغربية
في نيسان/أبريل من العام الماضي، لكنهم شهدوا استمرار العمليات العسكرية في ظل
منع التجول الذي كانوا يفرضونه على المدن.
يقع الصهاينة دائماً ضحايا أوهامهم، وربما عليهم أن يستنتجوا أن هزائم العرب قد
ولّت إلى غير رجعة. لا يستطيع العرب تحقيق النصر المبين الآن، لكن الصمود في
الخندق هو واقع المرحلة وعلى العدو أن يذوق مرارة الآلام والأحزان.
|