خيار الصمود والمقاومة في
المجموعة القصصية "حالة موت"
للقاص نعيم الغول
عمان/إبراهيم عباس
يواكب الأدبُ الإسلامي شعراً ورواية وقصّة وتائرَ الانتفاضة المباركة لشعبنا
الفلسطيني المسلم على أرضه التي اغتصبتها العصابات الصهيونية. فنجد الأدب
الإسلامي يعبّر عن آمال وآلام شعبنا الرازح تحت الاحتلال وممارساته القمعية
الشرسة. ونجده كذلك يصور ويرصد ويحفز التوجه نحو مقاومة هذا الاحتلال من أجل
الخلاص منه، بل إنه يفرز المقاومة عن غيرها من الطروحات بصفتها الخيار الأصح
الذي يحقق هذا الخلاص، خاصة وأن ما حدث من هرولة نحو التطبيع مع العدو
والاتفاقات التي توالت قدم البرهان على صحة هذا الخيار.
وقد ظهرت أعمال شعرية وروائية وقصصية مثّلت الدور الذي يلعبه الأدب الإسلامي في
معركة الأمّة الإسلامية ضد الاستعمار والإمبريالية التي تقودها الولايات
المتحدة ويمثّل حربتها الكيان الصهيوني الغاصب. ومن هذه الأعمال مجموعة قصصية
للقاص الإسلامي نعيم الغول باسم "حالة موت"، التي حوت عدداً من القصص تناولت
الأبعاد المختلفة للصراع مع الكيان الصهيوني، فمن تصوير الفلسطيني على المستوى
الفردي سجيناً في زنزانة وضعه المحتل فيها، وأذاقه صنوف العذاب، إلى المستوى
العام حيث أن الزنزانة هي الوطن المحتل والسجين هو الشعب الرازح تحت الاحتلال
والضابط الصهيوني هو الاحتلال. ومن تصوير المعاناة التي يقاسيها الشعب تحت
الهجمة الشرسة للاحتلال إلى درجة عدم تمكن الشعب من ممارسة حقوقه الإنسانية
المعتادة بسبب ظروف منع التجول والتدمير والقتل والهدم.
كما أنها تشكّل إدانة لأؤلئك الذين اكتفوا من جهد الجهاد والمقاومة بالتفرج
والصراخ أمام شاشات التلفاز. وإضافة إلى ما تقدم تناولت أثر الاحتلال غير
المباشر على الفلسطيني خارج الأرض المحتلة.
في قصة "السجين" يقدّم الكاتب شريحة مشهدية لشعب تحت الاحتلال من خلال تسليطه
الضوء على شاب مسلم في زنزانة. ويتضح أن هذا الشاب يتعرض لتعذيب شديد إلى درجة
أن فتح باب الزنزانة كان يعني له وجبة تعذيب جديدة. يدخل الضابط الصهيوني وفي
ذهنه كسر صمود هذا الشاب الذي رفض أن يتكلم أو يعترف أو حتى ينطق بصيحة ألم.
"لم تتكلم بعد.. تظن أن لحيتك هذه تعطيك ميزة عند الله فتقول أصبر والله معي..
الله معك هاه؟ سنرى كيف يكون معك. لا زلت صامتاً، تظن أن صمتك ينجي المخربين
الآخرين.. لا بأس.. أنا لا أريدك أن تتكلم.. لا حاجة لنا بكلامك. اصمت كما
تشاء.. واحمِ المجرمين الآخرين.. سنصطادهم ونقتلهم كما نقتل الحيوانات
المتوحشة."
ومن الملاحظ أن الكاتب لم يُجرِ على لسان السجين كلمة واحدة واكتفى بأن جعله
يفعل، وهو بذلك يشير إلى فعل المقاومة في مقابل لرفض فكر التنظير والجدل
العقيم. ويشير إلى الإصرار الأسطوري لشعب علم الدنيا الإصرار والصمود رغم ظروفه
التي تفوق قسوتها ظروف الزنزانة. يرغب الضابط الصهيوني في التعذيب لإشباع
رغباته السادية ويتخلّى عن مطالبة الشاب بالاعتراف بأي شيء ويساومه على كلمة
"آه".
في قصة "حالة موت" التي تحمل المجموعة اسمها، تجد شاباً فلسطينياً جالساً ينظر
بحيرة إلى جثّة أمّه وأخيه الصغير اللذين سقطا صرعى رصاص قناص صهيوني حاقد. وفي
الوقت الذي ترزح فيه رام الله وكل الوطن المحتل تحت حصار خانق، وتمتلئ شوارعها
بدبابات الاحتلال، تتدافع الصور في ذهن الشاب حول مجمل الوضع الفلسطيني وحول
والده المنتمي إلى حماس، والذي لا يكاد يخرج من السجن حتى يعود إليه، في إشارة
إلى استمرار نضال أهلنا وعلى رأسهم أبناء الحركة الإسلامية.
"عمر يحب الملبس، وأبوه قال اتركوه على حريته. أبوه سيخرج قريباً من السجن.
والله أعلم أيبقى أم يعود، فقد تعوّد على أن يكون سنة داخل السجن وسنة خارجه.
كان والده يقول لمن يعلّق على ذلك: "هذه حال أغلب الفلسطينيين وخصوصاً من كانوا
في حماس". ونجده في أحلك الظروف يتمسّك بحقّه في ممارسة إنسانيته المتمثلة في
حقه في دفن أمّه وأخيه من باب "إكرام الميت دفنه". ولأن هناك حظر تجوال فإنه
يفكّر في شتى الطرق ليدفنهما. وحين يجد أن الطرق قد سدّت، يقرّر المطالبة بحرية
الدفن معتبراً إياه تنازلاً عن حقّه في الحرية الكاملة، ولكنه لا يقاس بحجم
التنازلات التي سقط في فخّها الآخرون، فالحق بالدفن هو جزء من الحق بالحرية
التي يجب أن ينتزعها الشعب. يكتب العبارة على يافطة كانت معدّة لمظاهرة سيقوم
بها ورفاقه، ولأن من عادة قوات الاحتلال أن تطلق النار عشوائياً مدعية أنها
خشيت من أن يكون القتلى يحملون أحزمة ناسفة، يخلع ملابسه ويحمل اليافطة ويخرج
إلى الشارع. ولكن الأمر عند المحتلين سيان، فالذي قتل الطفل وهو يطل من نافذة
البيت وقتل الأم داخل منزلها، لن يوفر شاباً أعزل يحمل يافطة تقول حرية الدفن.
فتتقدّم الدبابة وتهرس العظام واللحم وترتمي اليافطة حيث تعود المطالبة إلى
الأصل العام "حرية".
هذه القصة تعبر عن شكل آخر من أشكال المقاومة المتمثلة في رفض الاستكانة لواقع
الاحتلال ومحاولته المستمرة تجريد الشعب من إنسانيته.
ولأن أثر الاحتلال البغيض يلاحق الفلسطيني في كل مكان، نقرأ في" قصة بطالة":
"كان كل ما لدي من مال قد أوشك على النفاد. ولم أكن أعرف أحداً ألجأ إليه إذا
ما ازداد الحال سوءاً. كان العدد القليل الذي أعرف قد جاؤوا أيضاً من الكويت.
وأهلي في الضفّة الغربية، ولم أستطع ترك عمان إلى طولكرم حيث أهلي فقد كانت
الجسور مغلقة. بسبب الاحتلال تشتّت الفلسطينيون في كل بقاع الأرض. وحين غزا
صدّام الكويت كان الفلسطينيون كبش الفداء فتركوا كل شيء وعادوا من الشتات إلى
الشتات. لكن وضع الأهل في الداخل كان لا بدّ أن ينعكس على وضع أبنائهم وإخوتهم
في الخارج فتضاعفت المعاناة.
إن قصص هذه المجموعة تعطي مثالاً على قدرة الأدب الإسلامي على أن يكون الصورة
الصادقة المعبرة عن طموحات الشعب الفلسطيني وآماله، وتؤكّد على خيار الصمود
والمقاومة حتى جلاء المحتل عن كل فلسطين.