|































| |
|
أوراق ثقافية 2 |
القضية
الفلسطينية كما صوّرتها السينما السورية
دعوة إلى الثورة ووعي انعكاساتها الاجتماعية
دمشق/غياث ناصر
منذ بدايات المؤسّسة العامّة للسينما بدمشق وهي الجهة الحكومية الوحيدة التي
تنتج أفلاماً سينمائية في سوريا، كانت القضية الفلسطينية هاجساً للعاملين في
السينما من مخرجين وكتّاب، لذلك فإن المتتبّع لمسيرة هذه السينما يدرك أنه من
النادر وجود فيلم سوري لا يتطرق للقضية الفلسطينية.
أفلام السبعينيات
في عام 1970 قدّمت المؤسّسة العامّة للسينما باكورة إنتاجها فيلم "رجال تحت
الشمس" وهو فيلم قدّم تجربة لم تتكرّر في تاريخ السينما السورية، إذ اعتمد
ثلاثة أفلام روائية قصيرة شكّلت تنويعاً على موضوع القضية الفلسطينية، والفيلم
من إخراج نبيل المالح ومروان مؤذن ومحمد شاهين، أما السيناريو فكان لنجيب سرور
ونبيل المالح وقيس الزبيدي ومحمد شاهين ومروان مؤذن.
يتناول "اللقاء" وهو أول أفلام "رجال تحت الشمس" لقاءً عابراً بين فدائي ملاحق
في أرضه المحتلة وفتاة أجنبية تزور الأرض المحتلة لأوّل مرّة ولا تعرف أبعاد
الفاجعة التي تمّت على هذه الأرض، فتصبح الفتاة رهينة بيد هذا الفدائي، وعندما
عرض قضيته العادلة أثار شفقتها على شعب مشرّد يسكن الخيام، أي أن الفيلم وبدلاً
من أن يشرح عدالة القضية اكتفى بأن يثير الشفقة، فاختصر مأساة الشعب الفلسطيني
إلى قضية مشرّدين ولاجئين. وقد حاز هذا الفيلم على الجائزة الفضية في مهرجان
قرطاج بتونس عام 1970.
أما في "المخاض" ثاني أفلام "رجال تحت الشمس" فهو يرصد اعتداءً صهيونياً يقع
على قرية عزلاء، ينتهي بمصير مفجع لرجل وزوجته الحامل التي تلد وليدها في مكان
مهجور وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، فيقطع الأب به الصحارى والحواجز الإسرائيلية
كي يوصله إلى برّ الأمان، وبرّ الأمان منطقة حدودية مسوّرة بالأسلاك الشائكة هي
الخط الفاصل بين المحتل والمقاومة، لتمتد أيدي الفدائيين وتنتشل الابن ومن ثم
أبيه، وهنا تتبلور مقولة الفيلم إن الولادة الحقيقية للأب والابن تكون بالكفاح
المسلّح.
محمد شاهين وقّع "الميلاد" ثالث هذه الثلاثية، وهو يتحدّث عن معلّم موزع بين
أحلام اليقظة التي يسردها التلاميذ عن بطولات الفدائيين، وبين حقيقة الحياة
التي يعيشها في منطقة حدودية تتعرّض لغارات العدو باستمرار، إلى أن يقوم نيابة
عن أخيه بالتطوع للقيام بمهمة شبه انتحارية، وعندها يكتشف أن خوفه أهم أعدائه
وهو الذي سيجعله عاجزاً عن تنفيذ مهمته، لكنه وعندما يشعر بأنه سيخسر كل شيء،
يمزّق أغلال الخوف المكبل ويرمي بقنابله على مجموعة الاستطلاع الإسرائيلية،
ليولد الرجل ويموت الجبان المتردد.
وقد أُخذ على "رجال تحت الشمس" أن تعاطيه مع القضية الفلسطينية كان من خلال
العمل الفدائي وتغييب النقطة الأهم وهي التشبّث بالأرض.
في عام 1972 قدّمت المؤسّسة العامّة للسينما فيلم "السكين" للمخرج خالد حمادة
عن رواية غسان كنفاني "ما تبقّى لكم"، هذا الفيلم الذي وصفه الناقد إحسان عباس
بالغموض ورآه تكملة لفيلم "رجال تحت الشمس" من حيث أنه يصوّر محاولة الفلسطيني
الهرب واقعه وسعيه إلى الاستقرار والحل الفردي.
تعكس قصّة هذا الفيلم جانباً من مأساة الشعب الفلسطيني من خلال ثلاث شخصيات
أساسية (حامد-مريم-زكريا) فحامد شاب حالم، تصفعه في بداية حياته خيانة أخته
مريم مع زكريا الرجل المتعاون مع المحتلين. يغادر حامد بلدته في غزّة إلى
الضفّة الغربية عن طريق الصحراء للالتحاق بأمه الموجودة هناك منذ عام 1948،
وخلال مسيره في الصحراء يلتقي بجندي إسرائيلي ضائع فيقتله بعد صراع، وعند هذا
اللقاء تأخذ حياته مجرى آخر.
أُخذ على الفيلم التزامه المخلص بالنص الأدبي، فبدت شخصياته وكأنها تتلو
تداعياتها إلى جانب تجنبه الشعارات الفجّة التي كانت سائدة آنذاك، فهو فيلم لم
يعتمد البطولات والمغامرات التي تدغدغ مشاعر الجمهور، وإنما استطاع من خلال
المشاكل العائلية الصغيرة أن ينفذ إلى القضايا القومية والإنسانية.
أما في فيلم "المخدوعون" سيناريو وإخراج توفيق صالح الذي أُنتج عام 1972 عن قصة
غسان كنفاني "رجال في الشمس", اختار توفيق صالح نصاً قلب كل السائد في التعاطي
الفني أو القومي عموماً مع القضية الفلسطينية وفيه تجاوز مرحلة النواح والبكاء
وتوقف أمام مسؤولية الفلسطيني نفسه عما جرى وذلك من خلال حكاية ثلاثة فلسطينيين
يحاولون الهروب من أوضاعهم البائسة، يودون السفر إلى الكويت بحثاً عن فرصة عمل،
ولصعوبة الحصول على تأشيرة دخول يتفقون مع مقاول أنفار على نقلهم تسللاً داخل
صهريج، وعند الحدود العراقية الكويتية تحت حرارة الشمس في الصحراء يموتون
مسجونين داخل الصهريج.
لم يبرئ توفيق صالح أحداً من عار الهزيمة في هذا الفيلم، وصور كيف باع الزعماء
العرب أرض الفلسطيني وسلموه خطباً رنانة، أما داخل البيت الفلسطيني أدان فيلم
"المخدوعون" كلّ من رأى في الفرار نجاة.
بعد ذلك أنتجت المؤسسة العامة للسينما عام 1974 فيلم "كفر قاسم"؛ سيناريو
وإخراج برهان علوية عن قصة لعاصم الجندي، وقد حاز الفيلم على ذهبية مهرجان
قرطاج لعام 1974. يتناول الفيلم مجزرة قرية كفر قاسم الفلسطينية من قبل السلطات
العسكرية الصهيونية، ويمزج الوثيقة بالرواية ضمن تحليل سياسي وفني ناضج، يوضح
أبعاد هذه المجزرة وملابساتها، وبالمقابل يحلل الواقع الفلسطيني داخل الأرض
المحتلة في تلك الفترة.
الفيلم باختصار يفضح هوية العنصرية بحدة ووضوح، مما يجعله وثيقة سينمائية دامغة
للممارسات الصهيونية ضدّ الفلسطينيين.
يعدّ فيلم "الأبطال يولدون مرتين" آخر الأعمال التي أنجزت في عقد السبعينيات
والتي تعرّضت للقضية الفلسطينية وهو للناقد والمخرج صلاح دهني في تجربته
الإخراجية اليتيمة، وهو عن قصة علي زين العابدين الحسيني، وقد أُنتج عام 1977.
والفيلم كما قال عنه معظم النقاد: نموذج للأعمال الفنية التي تدغدغ المشاعر
الوطنية وتستثمر جذوة الحماس. يتحدّث الفيلم عن فؤاد البري وهو طفل في الحادية
عشرة من عمره، فقد أمّه وأباه في حرب 1967.
ويرصد الفيلم عملية الانتقال النضالي من الفطرة إلى القرار، حيث يصبح هذا الطفل
أحد عناصر المقاومة ويصطدم وجهاً لوجه مع رجال العدو في عمل قتالي يبدأ بإلقاء
قنبلة مولوتوف صنعها بنفسه على سيارة دورية عسكرية إسرائيلية.
أفلام الثمانينيات
مع الاعتداءات الإسرائيلية المتتالية لم يعد من الممكن التذرع بأن (إسرائيل)
ذراع حطّت على بقعة جغرافية محدودة، بل تجلّت حقيقة كونها أخطبوطاً خلخل
الثوابت وفجر العروش وأطاح بوهم الأمس المعزول عن المحيط.. وصار التحليل أكثر
شمولية والتوقف أمام الأوجه المتعددة، فـ(إسرائيل) إضافة إلى أنها سبب فهي
أيضاً نتيجة لمجمل وضع عام تداخلت في تكوينه العوامل الإقليمية والدولية، كما
العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويبدو ذلك من خلال أفلام: "حادثة
النصف متر" سيناريو وإخراج سمير ذكرى عن قصة لصبري موسى أُنتج عام 1980،
و"ليالي ابن آوى" سيناريو وإخراج عبد اللطيف عبد الحميد أُنتج عام 1989، تبدأ
أحداثه قبل عام 1967 بما يؤكّد توجّه أبناء هذا الجيل لدراسة الأسباب التي أدّت
إلى الهزيمة، وقد استطاع عبد الحميد من خلال حكاية بسيطة لكنها مشبعة بالمعاني
والدلالات أن يكثف وضعاً عاماً لبلد بأكمله، من خلال جهاز الراديو الذي حل
كشخصية لها حضورها بكل الخطب والأغاني الحماسية التي كانت تبثها إذاعات تلك
الحقبة، ليأتي صدى القعقعة بديلاً عن السلاح نفسه.
وإذا كنا نستطيع الجزم عبر أفلام السبعينيات بأن المزاج العام الذي كان يحكم
التعاطي الرسمي والشعبي مع قضية فلسطين مزاج منفعل، متحمس وعاطفي أكثر منه
عقلاني، بل إنه قد يحرف هذا التعاطي إلى خانة الادعاء الأجوف، فإننا نستطيع عبر
أفلام الثمانينيات أن نستشف ملامح تعاطف عقلاني ومتأمل، وذلك دون أن يبهت
الإحساس بالانتماء العضوي للقضية الفلسطينية.
أفلام التسعينيات
إذاً ماذا عن عقد التسعينيات وهو عقد القبول بالأمر الواقع وخلط الأوراق. لقد
شهد هذا العقد هزيمتنا فهل يمكننا البت بأن القضية الفلسطينية هي قضية العرب
القومية المركزية والأولى؟
أمام هكذا ظرف لا بد أن تنكمش نسبة الأفلام التي تنطلق من القضية الفلسطينية،
فمن بين أكثر من اثني عشر فيلماً أُنتج في عقد التسعينيات يمكن أن نحصي ثلاثةً
قارب مخرجوها هذه القضية القومية، أما عن كيفية الاشتغال عليها فسنشهد فيما
بينها تبايناً يكاد يكون متناقضاً، فما بين محمد ملص مخرج فيلم "الليل" الذي
يتحزب لأناه الجامحة والمبدعة وما بين ريمون بطرس في "الترحال" الذي يحاول أن
يصالح ما بين تمرده وبين التزامه.. وما بين الإثنين سنجد ما هو أكثر من اختلاف
رغم التشابه.
وغياب السمة العامة لأفلام التسعينيات في تعاطيها مع القضية الفلسطينية يعود
إلى اختلاف انعكاسات ما جرى باختلاف البنى الروحية والمصالح الشخصية والمشاريع
المستقبلية، وما إذا كان المخرج ينتمي لنفسه فقط أم لا زال مخلصاً لإيديولوجية
سقطت رموزها.
إذن من أفلام التسعينيات كان "الليل" سيناريو محمد ملص وأسامة محمد وإخراج محمد
ملص, ويتحدث عن مدينة القنيطرة التي هدمها الإسرائيليون بعد احتلال عام 1967،
وفيها ضريح لمجاهد قديم، وفي زمن المدينة المدمرة يبحث الابن عن قصة الأب،
فالأب مرّ من القنيطرة ذات يوم من عام 1936 نحو فلسطين مجاهداً، وحين مرّ ثانية
عائداً من فلسطين، توقف، فقد سحره هواؤها واستقر فيها وتزوج، ثم عاد إلى فلسطين
مع جيش الإنقاذ ليعود ثانية إلى القنيطرة.
فيلم "شيء ما يحترق" إخراج غسان شميط، سيناريو وليد معماري وغسان شميط. أُنتج
عام 1993 ينطلق شميط من نكسة حزيران/يونيو ليغوص في مجتمع ما بعد النكسة
وتأثيرها على مصائر ضحاياها، فيتناول حياة المهجرين من هضبة الجولان وحياة
اللاجئين في المخيّمات.
الفيلم الأخير في عقد التسعينيات كان "الترحال" وقد أُنتج عام 1997 وهو من
تأليف ريمون بطرس. يتناول بطرس في فيلمه حكاية أبي فهد نقاش الحجر، الذي يترك
مدينة حماة ليسافر إلى فلسطين بحثاً عن الرزق، لكن اشتعال المواجهات بين أبناء
البلد والمستوطنين وخطر قيام (إسرائيل).. كلّ ذلك سيجعل من حلمه بتخفيف الأمن
الاقتصادي وهماً فيزدري مشروعه الفردي ويلتحق بصفوف الثوار وتنقطع أخباره عن
الأسرة.
تقييم النقاد
ديانا جبور (ناقدة سينمائية)
لا شكّ أن سينما المؤسسة العامة السورية من أكثر السينمات العربية التحاماً
بالهمّ العربي، سواء كان سياسياً قومياً، أو اجتماعياً اقتصادياً.. فقد التزمت
التعبير عن قضايا العرب المصيرية وما تفرضه من تحولات في بُنى مجتمعاتنا، لذلك
فقد كانت قضية فلسطين وما تفرّع عنها من نكبات ونكسات ومعارك وهزائم وانتصارات
في رأس قائمة إنتاجاتها، سواء من حيث الكمّ، أو من حيث التسلسل الزمني. فإذا
استثنينا "سائق الشاحنة" وهو وإن كان أول إنتاج روائي طويل للمؤسّسة، إلا أنه
حمل توقيع المخرج اليوغسلافي بوشكو فوتشينيتش.. إذن، سنجد مع استبعاد هذا
الاستثناء، أن أول فيلم أنتجته المؤسّسة دون الاستعانة بالخبرات الأجنبية كان
عن القضية الفلسطينية.
مدلول هذا الاستهلال الفلسطيني في الإنتاج السينمائي السوري سيتأكّد ويتعمّق مع
توالي الأفلام التي تقارب أو تلتحم بقضية فلسطين وأطيافها، حيث يجتمع لدينا في
المحصّلة ثلاثة عشر فيلماً.. وهو رقم كبير بالمقارنة مع مجمل إنتاج المؤسّسة.
وإذا كانت معظم أفلام السبعينات تقدم القضية الفلسطينية من منطلق مأساة أصابت
الآخر فحرّكت وجدان إخوانه في القطر المجاور، ومن ثم اندفع مبدعوه لصنع أفلام
تمجّد بطولات الشعب الفلسطيني وتسجّل معاناته في وجه هذه المأساة.. علماً أن
الحميمية في العلاقة لا تلغي حقيقة كون الآخر.. أي (هو) و(هم) وهذان يختلفان عن
(الأنا) و(النحن).
نقول، إنه إذا كانت تلك هي السمة الغالبة على أفلام السبعينات، إلا أن أفلام
الثمانينات تناولت العلاقة المتبادلة بين قضية العرب المركزية وبنية المجتمع
السوري، من دون أن تخوض تفصيلاً في المعارك والحروب.. فكان لدينا مثلاً فيلم
"حادثة النصف متر" وفيه يربط المخرج سمير ذكرى بين النخر والعفن الاجتماعي
والأخلاقي وهزيمة 1967.
ولا ننسى أيضاً "ليالي ابن آوى" وفيه ربط عبد اللطيف عبد الحميد بين تسلّط
الرأي الواحد لعسكري متقاعد وما أدى إليه هذا المتسلّط من تفتيت أسرته ومن
إحساسه هو نفسه بالوحشة والعزلة.. وبين الهزيمة والعقلية التي أدّت إليها، إنما
بشاعرية وشفافية تكاد تومئ إلى هذا الربط.
الملاحظة الثانية عن أفلام السبعينات، أن اثنين من أهمّها حملا توقيع مخرجين
عربيين غير سوريين، فكان لدينا "المخدوعون" لتوفيق صالح المصري عن رواية "رجال
في الشمس" لغسان كنفاني و"كفر قاسم" لبرهان علوية اللبناني عن قصة لعصام
الجندي.. وفي هذه الاستعانة دليل إضافي على توجّه رسمي ومزاج شعبي عن الالتحام
بمأساة الشعب الفلسطيني، بغض النظر عن الحواجز الإقليمية وعن القطر الذي ينتمي
إليه المخرج، طالما أنه تقدّم ليشارك بنصيبه في حمل لواء حق يراد له الاندثار.
في التسعينات، وهو عقد انهيار الأيديولوجيات التي كانت تبدو أنها مستقرّة
وأبدية.. عقد المصالحات التي تطعن بسيف الاتفاقات والمعاهدات فتحوّل الكلّ
المتماسك إلى أشلاء منفردة ومتناثرة.. عقد القبول بالأمر الواقع وفن تحويل
الممكن والمتاح إلى هدف منشود.. في هذا العقد نجد من الطبيعي أو المفهوم -ولا
أقول الصحي- أن تنكمش نسبة الأفلام التي تتناول القضية الفلسطينية وأن يتبدى
استحياء أو ذاتية خطابها الفكري المفرطة.
حسين الإبراهيم (ناقد سينمائي):
يجب الإشارة إلى أنه من النادر وجود فيلم سوري لم يتطرّق بشكل أو بآخر إلى قضية
الصراع العربي-الإسرائيلي بشكل عام، والقضية الفلسطينية بشكل خاص، فمنذ بدايات
إنتاج المؤسّسة العامّة للسينما في عام 1963 كان المخرج السوري يبحث عن نص له
علاقة بالقضية الفلسطينية؛ لأنها كانت الهمّ المشترك بالنسبة للجمهور العربي
بشكل عام وجمهور السينما بشكل خاص، وحتى في بعض الإنتاجات المشتركة التي تمت
بين المؤسسة العامة للسينما وجِهات عربية كانت القضية الفلسطينية هماً مشتركاً
بين الفنانين.. إذاً لا يوجد مخرج سوري إلا وقدم فيلماً له علاقة بالقضية
الفلسطينية، لدرجة أنني قلت في إحدى الندوات العربية: إن عبء القضية الفلسطينية
محمّل على السينما السورية أكثر من أية سينما أخرى بما فيها السينما الفلسطينية
ذاتها، كذلك نجد أن السينما السورية باتجاهاتها المختلفة: الكلاسيكية وسينما
المؤلّف.. إلخ كان إطار إبداعها يستلهم من القضية الفلسطينية الأفق والأبعاد،
وإذا كنا نجد أفلاماً مباشرة مثل "كفر قاسم" و"رجال تحت الشمس"، نجد في المقابل
أفلاماً نسجت خيوطها الفنية من خلال معاناة الشعب الفلسطيني كفيلم "السكين"
الذي سلّط الضوء على الأبعاد الإنسانية لهذه المعاناة، فامتزج عبر هذه الأفلام
الإبداع الفني مع إبداع الفكرة، وهذا ما خلق حالة التحام حقيقية بين المخرج
السوري والقضية الفلسطينية.
وحتى على صعيد الأفلام التلفزيونية سواء ما أنتجه التلفزيون العربي السوري أو
ما قدّمته الإدارة السياسية كانت أكثر التصاقاً بموضوع القضية الفلسطينية.
وأذكر هنا "فلسطين الجذور" للمخرج أمين البني وقد حاز على عدة جوائز عالمية،
وفيلم "الأرجوحة" لـ هيثم حقي؛ حيث كان الهم السينمائي أكثر من موضوع عرض وقائع
بل كان يتضمن مضموناً تحررياً، لأن المخرج كان يعتبر نفسه مقاتلاً في مواجهة
الهجمة الصهيونية على الصعيد الفني أو الإبداعي وهذا ما أوجد أفكاراً إبداعية
في هذا المجال. وأذكر هنا فيلم "رجال تحت الشمس" واستطاعت السينما السورية
شيئاً فشيئاً أن تكون أكثر نضجاً وعمقاً في أفلامها من خلال أفلام مثل
"الترحال" لـ ريمون بطرس و"الليل" لـ محمد ملص الذي ارتقى في مضمونه كما ارتقى
في الإخراج الفني له.
وكموضوع منسجم مع تطورات القضية الفلسطينية، نعترف أن السينما السورية لم تواكب
هذه التطورات بل سعت دوماً إلى قراءة الحدث بشكل عام، خاصة وأنها سينما اعتمدت
على الأعمال الأدبية لكتّاب مشهورين دون أن يكون هناك محاولة لقراءة الحدث
الآني، فكانت في معظمها أفلاماً تاريخية أكثر منها أفلاماً مرتبطة بالواقع بشكل
مباشر، وهذا يعني أن السينما السورية قدّمت موضوع القضية الفلسطينية دون
الاعتماد على منهج نظري محدد ينسجم مع متطلبات هذه القضية، حيث أن المنهج
الفردي والرؤية الأحادية هما اللذان كانا سائدين.
|
| |
|