قبسات
النظرة الاستشرافية والقيادة الفاعلة
هذا هو المثقف وهذه هي مهمته..
بعد انتهاء الحرب الأميركية على المنطقة، دُعي عدد من المثقفين الفلسطينيين إلى
اجتماع موسع لبحث مستجدات العالم والسياسة والدور الذي يجب أن يلعبه المثقفون
فيها!
بدأ مدير اللقاء حديثه بدعوة الآخرين بعدم بحث أسباب الحرب، فقد فات أوانها،
وأن على الحضور أن يناقشوا النتائج المترتبة على الحرب.. وقال بطريقة
(إبداعية!) علينا أن نستشرف الأحداث وليس أن نتبعها، وما لبث أن استغرق ساعتين
ونصف، قضي معظمها في البحث بالأسباب.
ما زال معشر المثقفين يعتبرون أن بحث الأحداث في أوانها استشراف، وهو في
الحقيقة متابعة ليس أكثر، وفي أحسن الأحوال تفاعل مع الحدث. غير أن الدور الذي
على المثقف أن يتصدره هو الاستشراف الحقيقي والفعل بدل التفاعل أو رد الفعل.
حيث أنه كان على المثقفين أن يبحثوا نتائج هذه الحرب واحتمالاتها قبل اندلاعها،
وهم هنا ثلاثة أنواع؛ الأول: يبحث الأسباب بعد الحرب، والثاني: يبحث النتائج
المترتبة بعد الحرب، والثالث، وهو الرائد: يفعل فعل الثاني، ولكن قبل الحرب.
وأشير هنا إلى مقال للدكتورة بثينة شعبان، المستشارة الإعلامية في وزارة
الخارجية السورية، والتي صبغت خطاب الخارجية السورية بنكهتها وحنكتها، تقول
فيها إنها دعيت إلى مؤتمر في دولة خليجية يبحث في نتائج الحرب، فيما كانت قد
دعيت إلى مؤتمر مطابق له في الولايات المتحدة قبل سنة من قِبل مؤسسة جيمس بيكر
للدراسات الاستراتيجية، وتلقت لاحقاً كتاباً يضم محاضرات ذلك المؤتمر. ما يعني
أننا ما زلنا كعرب، شعوباً وأنظمة، نعاني من ردة الفعل اللاحقة والتابعة وليس
الفعل الاستباقي الذي يقوم على استشراف الحدث والتعامل معه قبل حدوثه بوعي
واستراتيجية، وليس بآنية ضيقة.
أما تفاعل الجماهير في مختلف دول العالم مع الحدث، فإن هذه الجماهير ستظل غثاء
طالما لم تؤطّر في عملية توعية جماعية قادرة على ضمان استنهاضهم بإشارة واحدة،
إذ ليس المطلوب أن تقوم هذه الجماهير بعد المذابح والحروب، بل أن تقوم عند أي
أزمة فكرية أو أخلاقية أو هيمنة سياسية أو ثقافية. وعندما تصل هذه الجماهير إلى
مستوى فهم واستيعاب خطورة الهيمنة الثقافية –مثلاً- وتساويها بالهيمنة
العسكرية، حينها لن تكون غثاء. ولا يؤمّن ذلك التفاعل إلا مستوى راق من الوعي،
وهذه مهمة المثقفين..
أيها المثقفون: أمسكوا الزمام وتوقفوا هنا عند فكرة الوعي والتفاعل، ألا يخرج
هذا الكلام من رحم الحديث الشريف عن الأمة وغثاء السيل؟
المحرر الثقافي