أميركا وفشلها ما بعد احتلال
العراق
نظرة سريعة إلى وضع أميركا دولياً وعربياً تؤكّد، وبلا حاجة إلى دلائل كثيرة،
بأنها أضعف، لا سيّما من الناحية السياسية، مما تُصوّر نفسها أو مما يصوّرها
عدد من المثقفين والسياسيين. فعلاقات أميركا بكل من الصين وروسيا وفرنسا
وألمانيا وعدد غير قليل من الدول في العالم يشوبها الفتور، الذي يدل على خلافات
وتناقضات لا يُراد لها أن تتحول إلى أزمة محتدمة مفتوحة. ويمكن أن يُلحظ هذا
الفتور من خلال مستوى اللقاءات التي أصبحت متباعدة وشكلية، كما من خلال ما يمكن
قراءته من خلف السطور في التصريحات الرسمية، التي تدل على تباعد في المواقف مع
نوع من المهادنة الشكلية.
ثمّة قراران مهمان أخذهما مجلس الأمن بعد العدوان على العراق واحتلاله: أولهما
القرار المتعلق باعتراف مجلس الأمن باحتلال العراق (قرار 1483) وهو اعتراف
واقعي (بالمعنى القانوني "ديفكتو")، وليس اعترافاً بشرعية الاحتلال، بل وضعه في
حالة المسؤولية وفقاً لاتفاقيات جنيف. وهذا بالطبع غير ما تريده الإدارة
الأميركية وجاء نتيجة مساومات مضنية، لأن أميركا تريد اعترافاً بشرعية الحرب
(العدوان) ونتائجها وليس اعترافاً بأنها محتلة. الأمر الذي يرتب كثيراً من
الحقوق للشعب العراقي وفي مقدمتها حق مقاومة الاحتلال بكل أشكالها. ولكنه في
الوقت نفسه خفف من عزلتها الدولية بالعودة إلى مجلس الأمن، والإقرار للأمم
المتحدة بدور في العراق، ولكن ليس كما تطالب فرنسا وروسيا والدول الأخرى؛ أي
دور أساسي وقيادي لهيئة الأمم.
أما القرار الثاني فتمثّل في القرار رقم 1500، والذي رحّب بتشكيل "مجلس الحكم".
وهو التعبير الذي خفّف من عزلته ولم يرقَ إلى مستوى الاعتراف بشرعيته، الأمر
الذي يدل على أن أميركا ليست مطلقة اليد وليست الآمرة الناهية، والدول الأخرى
ليست داخل بيت الطاعة الأميركة. هذا ويدل كذلك على سقوط تلك السياسة التي ادعت
أن أميركا في غير حاجة إلى هيئة الأمم أو أنها في صدد إلغاء دورها تماماً.
فمحاولة الخروج، وبشق النفس، باتفاق حول قرار وسط بين موقفها هي وبريطانيا
ومواقف الدول الأخرى، يعبّر عن ضعفهما وليس عن حالة التحكم بدول العالم.
وباختصار، يستطيع المرء أن يلحظ نسبة القوة الأميركية على المستوى الدولي من
خلال موقفها من مجلس الأمن واتخاذ القرارات عبره. فهي قادرة على التعطيل وإضعاف
دور الأمم المتحدة، ولكنها غير قادرة على التفعيل كما تريد، أو جعل الأمم
المتحدة طوع بنانها. وهي قادرة على اتخاذ قرار منفرد ضاربة عرض الحائط بمجلس
الأمن كما فعلت في العدوان على العراق. ولكنها غير قادرة على الخروج من العزلة،
وهذا وذاك يتضمنان بالضرورة مستوى من الممانعة من جانب الدول الكبرى الأخرى،
وإن لم تصل إلى حد الفرض على أميركا، أو منعها من أن تركب رأسها وتذهب إلى
التحدي العسكري. فلماذا لا تُترك لتفعل، وإن لم يكن ثمّة خيار آخر، فتتورط وتجد
نفسها في أزمة لا خروج منها إلا بالعودة إلى طلب مساعدة الدول الأخرى، وعندئذ
تجد الباب مشقوقاً فقط، فلا يُفتح إلا بتقديم التنازل للدول التي تطالب بشراكة
حقيقية فعالة ولو بنسب متفاوتة من النفوذ.
أهمية الخروج من نظرية تحكم أميركا في العالم، وإلغاء أدوار الدول الأخرى مسألة
أساسية في إدارة الصراع، لأن التسليم بتلك النظرية يؤدي إلى الاستسلام، أو
الهروب من الممانعة والمقاومة ومن رؤية آفاق لإفشال السياسات الأميركية.
وحال أميركا ليس بأفضل على المستوى العربي بالرغم من تلك الضجة التي أثيرت قبيل
الحرب (العدوان) وبعد الاحتلال. وخلاصتها أن الدول العربية والإقليمية ستتهاوى
مثل أحجار "الدومينو" وتصبح تحت إمرة السيد الأميركي تنفذ كل طلباته وإملاءاته.
وقد زيد على ذلك بأن شارون كسب الجولة على الفلسطينيين والعرب بعد العدوان على
العراق واحتلاله. فقد أثبتت الوقائع العكس تماماً، لا سيما بعد رفض الشعب في
العراق، وبشبه إجماع، الاحتلال. وراح يشن المقاومة بمختلف أشكالها ضده
(المقاومة السلمية والمقاومة المسلحة وما لا يحصى من ألوان الممانعة)، الأمر
الذي أفشل، ولنقل حتى الآن في الأقل، وسيفشل في المستقبل أيضاً، إن شاء الله،
السياسات الأميركية بعد احتلال العراق والهادفة إلى أمركته وصهينته والتحكم في
كل مقدراته وقوته الإقليمية والعالمية. ويبدو هذا واضحاً من محاولات أميركا
الاستنجاد بهيئة الأمم والدول العربية والإسلامية للخروج من ورطتها في العراق.
صحيح أن الدول العربية التي أريد لها أن تكون مثل أحجار الدومينو واجهت الضغوط
فوراً بعد احتلال العراق، وهُددت أنظمتها بمصير مماثل لمصير نظام صدّام حسين،
ومن ثم حاولت أن تفاوض وتقدّم بعض التنازلات في محاولة لتلافي تنفيذ أميركا
لتهديداتها، علماً بأنها غير قادرة على أن تفتح حرباً فورية جديدة، أو تحشد
حلفاء إلى جانبها لا سيما في الظروف الراهنة. ولكن ما العمل مع الحرب النفسية
التي تريد أن توهم بامتلاك أميركا قدرة على فعل أي شيء تتوعد به؟ ولهذا رأينا
الوضع العربي الرسمي مزعزعاً بعد احتلال العراق مباشرة، أو على التحديد بعد
النصر العسكري السهل والسريع الذي حقّقته القوات الأميركية.
ولكن هذه الزعزعة، ومعها فتح أبواب المساومة، لم يحملا طابع الاستسلام الكامل
والقبول بالإملاءات، ومن ثم انتهاء كل شيء. ففي أثناء هذه الأزمة وُوجهت أميركا
برفض عدد من مطالبها التي اعتبرتها أساسية فيما اعتبرت الدول المعنية بأنها غير
قادرة على تلبيتها. وهذا ظهر في مؤتمر قمّة شرم الشيخ حيث لم يُستجب إلى طلب
التطبيع الفوري مع الدولة العبرية وعودة السفراء، ولم يقبل أن يذكر اسم حماس
والجهاد وكتائب الأقصى وحزب الله في البند المتعلق بالإرهاب. وذلك بالرغم مما
قدّم من تنازلات مقابلة مثل قبول عقد المؤتمر من دون سوريا ولبنان وياسر عرفات،
أو الحديث عن الإرهاب من دون تفريق حاسم بينه وبين المقاومة المشروعة للاحتلال
مما جعله حمّال أوجه.
هذا، وحدثت الزعزعة نفسها بالنسبة إلى الموقف الأوروبي، أمام الضغط الأميركي
لحشد أوروبا ضدّ منظمات المقاومة وإدراجها في قائمة الإرهاب.
ولكن هذه المعادلة سرعان ما اختلت في غير مصلحة أميركا والدولة العبرية، بعد أن
أخذت حماس والجهاد وكتائب الأقصى والمنظمات الأخرى قرار الهدنة الذي انطلق
صاروخاً سياسياً أسقط الصاروخ الأميركي الذي حاول حشد جبهة عالمية وعربية
وفلسطينية تحت شعار تفكيك منظمات المقاومة عنواناً لهيمنة أميركية – إسرائيلية
على المنطقة. وبهذا ساعد القرار على تعزيز عناصر الممانعة في الموقف الفلسطيني
والعربي وحتى الدولي. وأعاد الكرة إلى الملعب الأميركي والإسرائيلي. الأمر الذي
يفسر لماذا بعد قمّة شارون – بوش الأخيرة في واشنطن، فقدت أميركا زخمها في ما
يتعلق بـ"خارطة الطريق". بل وضعتها عملياً على الرف. وراحت تفتح الجبهات ضد
السعودية وسوريا ولبنان ومصر والفلسطينيين وإيران. وبهذا يكون الوضع العربي
والفلسطيني سار عملياً على عكس تقديرات نظرية "أحجار الدومينو". وعادت المنطقة
لتتوقع مواجهات سياسية ونقاط توتر حامية وعمليات لَيّ أذرع من جديد، كما لو أن
العدوان على العراق لم يقع أو لم يتحقق ذلك النصر العسكري.
لعل البيان الثلاثي المصري – السوري – السعودي والذي جاء إثر زيارة الأمير عبد
الله ولي عهد السعودية لكل من سوريا ومصر عبّر عن دخول المنطقة مرحلة جديدة من
المواجهات راحت تدفع إليها الإدارة الأميركية بالاتفاق مع الحكومة الإسرائيلية،
بعد أن فشلت كل التوقعات الأميركية – الإسرائيلية، في العراق وفلسطين والمنطقة
العربية وإيران ما بعد الحرب والاحتلال. فالرياح جميعها تقريباً هبّت، كما على
المستوى الدولي، على غير ما تشتهي سفنهما. ولهذا عادا إلى لغة التهديد والتأزيم
والمواجهات، وهو ما يجب أن تتهيأ له الساحة الفلسطينية قبل غيرها.
يستطيع المرء أن يلحظ نسبة القوة الأميركية على المستوى الدولي من خلال موقفها
من مجلس الأمن واتخاذ القرارات عبره. فهي قادرة على التعطيل وإضعاف دور الأمم
المتحدة، ولكنها غير قادرة على التفعيل كما تريد، أو جعل الأمم المتحدة طوع
بنانها
ساعد قرار الهدنة على تعزيز عناصر الممانعة في الموقف الفلسطيني والعربي وحتى
الدولي. وأعاد الكرة إلى الملعب الأميركي والإسرائيلي. الأمر الذي يفسر لماذا
بعد قمّة شارون – بوش الأخيرة في واشنطن، فقدت أميركا زخمها في ما يتعلق
بـ"خارطة الطريق"
|