واشنطن/كمال الحسينيليس هناك موقف أميركي
موحد تجاه الجدار الأمني بشكل خاص وخارطة الطريق بشكل عام. إذ تتجاذب الموقف
الأميركي وجهتا نظر، الأولى لوزارة الخارجية والوزير كولن باول، الذي لا يزال
هو موقف الإدارة الرسمي، والثانية لليمين المتطرف من المحافظين الجدد واللوبي
الصهيوني الداعم لـ(إسرائيل).
الرئيس بوش كان واضحاً في موقفه بعد لقائه أبو مازن في البيت الأبيض في 25
تموز/يوليو 2003، إذ وصف الجدار بأنه "مشكلة" لأنه برأيه يمنع بناء الثقة بين
الفلسطينيين والإسرائيليين، وتمنّى تحقيق السلام بين دولتين مستقلتين فلسطين
و(إسرائيل). وأعلن خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مع أبو مازن عن عدة خطوات
سيتخذها لتحقيق رؤياه بإقامة دولة فلسطينية، ومنها منح الولايات المتحدة مبلغ
عشرين مليون دولار للسلطة الفلسطينية مباشرة –تجدر الإشارة إلى أن هناك قانوناً
في الكونغرس يمنع منح الفلسطينيين مساعدات مباشرة إلا عن طريق منظمات أو
مؤسّسات دولية- وإرسال وزير المالية (جون سنو) ووزير التجارة (دون إيفان)
للمنطقة الخريف المقبل، لاستطلاع الخطوات التي يمكن اتخاذها لبناء الاقتصاد
الفلسطيني. وفي رد على سؤال فيما إذا كان يعتقد أن المستعمرات تشكل عائقاً أمام
تحقيق رؤياه للحل ردّ بالإيجاب، لكنه تجنّب الرد على سؤال فيما إذا كان ينوي
الضغط على (إسرائيل) لوقف بناء المستوطنات.
محمود عباس بدوره وفي لقاء مع مجلة "نيوزويك انترناشيونال" عدد 4 آب/أغسطس 2003
وصف بوش بأنه صريح، وأنه وعده بالعمل على تحقيق رؤياه لدولة فلسطينية مستقلة
ضمن حدود 1967.
تحفظات فقط
كولن باول كان أكثر وضوحاً في مناقشته مسألة الجدار، ففي لقاء صحفي مع صحيفة
"معاريف" الإسرائيلية في الثلاثين من تموز/يوليو قال: "إن للرئيس بوش تحفظات
على الجدار الفاصل ويتمنّى أنه غير موجود (قال ذلك وهو في تكساس)، وعندنا جدران
تمتد من تكساس إلى أريزونا ولا يزالون يأتون (يعني المهاجرين المكسيكيين)..
لـ(إسرائيل) الحق بإقامة الجدار وشارون يحتج بأن الجدار فعال من جهة غزّة،
المشكلة عندما يقام الحاجز ليس فقط على أراض إسرائيلية بل يضم أراضي فلسطينية..
ويجعل تطبيق خارطة الطريق صعباً".
كرّر باول الموقف ذاته في مقابلة مع راديو "سوا" في 4 آب/أغسطس 2003 "تحفظاتنا
على الجدار الإسرائيلي هي عندما يعبر الجدار أراضي الآخرين بطريقة يجعل المضي
قُدماً نحو تطبيق خارطة الطريق صعباً".
وفي مقابلة مع الصحفيين الأجانب في مركز واشنطن للصحافة الأجنبية في 7 آب/أغسطس
2003 وفي رد على سؤال حول الجدار وفرض عقوبات على (إسرائيل) قال باول "إسرائيل
وجدت ضرورة لإقامة الجدار وفرض عقوبات من أجل حماية أمنها والرئيس تفهّم ذلك،
لكن عندما بدأ الجدار يدخل داخل الخط الأخضر بما يمنع إقامة دولة فلسطينية،
ويفصل بعض المدن والقرى عن بعضها يحق لنا أن نقول لأصدقائنا الإسرائيليين
انظروا لنا مشكلة هنا، خصوصاً عندما شرعوا بالمرحلة الثانية من الجدار.. أما
فيما يتعلق بالمنحة –المالية- فلم نتخذ بها قراراً، ولكن يجب أن نكون صادقين مع
الكونغرس حول الطبيعة التي ستصرف بها هذه المنحة".
تجدر الإشارة هنا إلى أن وزارة الخارجية كانت قد هدّدت (إسرائيل) بخصم تكاليف
بناء الجدار من المساعدات الممنوحة لها. وبناء على هذه التصريحات نلاحظ أن
الإدارة الأميركية لا تعترض على إقامة الجدار بقدر ما تعترض على كون الجدار
تخطى الخط الأخضر الفاصل بين الضفة والأراضي المحتلة منذ العام 1948. بعد هذه
الاعتراضات الأميركية صرّح مصدر إسرائيلي مسؤول للأسوشييتد برس رفض الكشف عن
اسمه بأن السلطات الإسرائيلية تفكّر في إبقاء مستوطنة "أرييل" خارج الجدار
وبنائه في محاذاة الخط الأخضر.
موقف اليمين المسيحي
انتقاد الإدارة لـ(إسرائيل) حول بناء الجدار تترجم غضباً للصهيونيين
المسيحيين والإسرائيليين نحو الإدارة، معلوم أن المحافظين الجدد يعتبرون أن
بقاء أرض فلسطين كما ذكرت في الإنجيل بيد اليهود هو الضامن لعودة المسيح
الثانية والتي ستكون مقدّمة لانتهاء العالم حسب اعتقادهم، وبناء على ذلك فهم
يعارضون كل ما هو اسمه "عملية سلام" أو انسحاب إسرائيلي ولو جزئي من أي منطقة
من فلسطين التاريخية.
زعيم الأغلبية في الكونغرس الجمهوري (توم دلاي) هدّد أعضاء إدارة بوش بأنه إذا
استمر الرئيس الأميركي بانتقاد (إسرائيل) فإنه سيقدّم مشروعاً في الكونغرس يدعم
فيه السياسة الإسرائيلية. وقد وصف دلاي في حفل للاتحاد الأرثوذكسي اليهودي
خارطة الطريق بأنها "سخيفة".
بات روبرتسون الصهيوني المسيحي المعروف يقول "إذا فعلوا شيئاً غير جعل القدس
عاصمة لإسرائيل، فإنهم يلعبون بكلام وقوة الإله". منظمة صهيونية مسيحية تُدعى
"جمعية الصلاة من أجل القدس" دعت أعضاءها لدعم الاستيطان بإطلاق مشروع "تبنّي
مستوطن" حتى يشعر المستوطنون بأنهم ليسوا وحدهم وتضم هذه الجمعية حسب زعمهم
مليوني عضو.
لم ينس المحافظون الجدد وزارة الخارجية والوزير باول من حملتهم على الإدارة،
وقد تزعّم هذه الحملة المتحدث السابق للكونغرس نيوت غينغرتش فانتقد أداء وزارة
الخارجة في حديث له أمام "المعهد الأميركي" إحدى مؤسسات المحافظين، ثم أتبع ذلك
بهجوم في مقالة طويلة له في مجلة "فورين بوليسي" عدد تموز/آب 2003 فصّل فيه
مآخذه على الوزارة ودعى إلى إعادة تركيبها من القمة إلى القاعدة وكان غينغرتش
قد وصف في تصريح سابق خارطة الطريق بالمؤامرة التي أعدتها وزارة الخارجية مع
قوى أجنبية لتعمل ضد سياسة الولايات المتحدة. ثم جاءت قصّة تسريب أنباء إلى
"الواشنطن بوست" بأن باول ونائبه ريتشارد أرميتاج يعتزمان الاستقالة إذا تم
انتخاب بوش لدورة رئاسية جديدة، في عملية وصفها المحللون بأنها عملية تغيير
للنظام في وزارة الخارجية. مصادر قريبة من المحافظين قالت بأن نائب الوزير باول
(ريتشارد أرميتاج) أخبر مستشارة الرئيس للأمن القومي كونداليزا رايس بأنهما
سيغادران موقعيهما في كانون الثاني/يناير 2005؛ تاريخ تسلم بوش مقاليد الرئاسة
لفترة جديدة، الأمر الذي نفاه باول. وفيما يبدو أن جميع أسماء المرشحين لتولي
المنصب هم من المحافظين الجدد وهم كونداليزا رايس، نيوت غينغرتش وبول
وولفوفيتز.
الحملة الانتخابية
ومع اقتراب العام 2004 عام الانتخابات الرئاسية الأميركية يبدو أن
المحافظين الجدد واللوبي الصهيوني قد وضعوا استراتيجيتهم للانتخابات بدعم
الرئيس بوش –الذي وصفه ماثيو بروكس مدير تحالف الجمهوريين اليهود بأنه أكثر
رئيس أميركي متعاطف مع اليهود- وإقصاء كولن باول عن وزارة الخارجية وتسليمها
لأحد أقطاب المحافظين الجدد لتتم لهم السيطرة على هذا الموقع الهام الذي لا
يزال خارج دائرة نفوذهم. هذا الأمر بالطبع يدعمه الإسرائيليون الذين يعتبرون أن
التهديد بوقف بعض المساعدات لإسرائيل إذا استمرت في بناء الجدار حسب التخطيط
الإسرائيلي هو سياسة وزارة الخارجية وليس سياسة الإدارة الأميركية.
خلال عام الانتخابات لن تكون الإدارة الأميركية في موقع الضغط على (إسرائيل)
لتغيير سياستها فيما يتعلق بالجدار الفاصل أو تطبيق خارطة الطريق، لانشغال
الإدارة بالانتخابات ولرغبتها في الحصول على أكبر عدد من أصوات الناخبين اليهود
والمحافظين على السواء.
إذا تم انتخاب بوش لفترة ولاية جديدة ورحل باول عن وزارة الخارجية فإن خارطة
الطريق ستنضم إلى نادي أوسلو و"واي ريفر"، ذلك أن التزام الوزير الجديد بها غير
مؤكّد، أضف إلى ذلك أن التزام بوش نفسه بخارطة الطريق أمر غير مؤكّد أيضاً، إذ
يرى كثير من المحللين أنه انخرط في عملية السلام في الشرق الأوسط لإرضاء حليفه
توني بلير، وأن اقتراح موعد إقامة الدولة الفلسطينية عام 2005 بعد انتهاء
الفترة الرئاسية الحالية أمر مثير للاستهجان.
بعد انتهاء المرحلة الأولى من الجدار والشروع في إنجاز المرحلة الثانية منه
فيما الإدارة الأميركية مشغولة بالانتخابات الرئاسية، هل يصبح الجدار كما
المستوطنات أمر واقع على الأرض؟ وكيف سيتعامل معه الطرف الفلسطيني مع إدارة
جديدة قد تكون أكثر تعاطفاً مع (إسرائيل) من الإدارة الحالية؟