فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

FM-M Sep 2003
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
حوار
الملف1
الملف2
الملف3
رأي
شؤون إسلامية
شؤون عربية1
شؤون عربية2
شؤون دولية
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
في الغربال
قناديل الشهادة
تحقيق
بريد القراء
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

الملف 1


 
الجدار الفاصل الإسرائيلي... في الفكر الصهيوني

الدكتور وجدي عبد الفتاح سواحل
المركز القومي للبحوث, القاهرة

فكرة الجدار الفاصل هي فكرة قديمة منذ عام 1937، ثم أعيد طرحها بعد حرب الخليج الثانية في عام 1990، وتزايد الجدل حولها بعد عمليات حماس المكثفة في العام 1993 وما تلاه في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، وبدأت تأخذ طريقها للتنفيذ الفعلي بعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وبوشر في تطبيقها فعلياً بعد ما سمي بـ"عملية السور الواقي" في عام 2002. أي إن مشروع الجدار الفاصل لم يأت نتيجة لانتفاضة الأقصى وبدوافع أمنية كما تدّعي (إسرائيل) وإنما ترجمة لفكرة طُرحت منذ سنوات وحالت أسباب سياسية دون تنفيذها.

نظرية السور الحديدي لجابوتنسكي
يتخطى جدار الفصل أو العزل في دلالته إلى حدٍ بعيدٍ مفهوم "السور" في اللغات غير العبرية، بشكلٍ يمكن فيه القول مع المعلّقة الإسرائيلية عميرة هاس، إن مصطلح "جدار الفصل" المستخدم في (إسرائيل) ليس سوى مصطلحٍ "مريحٍ ومضلّل" للتعبير عن منظومة التحصينات التي تقيمها (إسرائيل) الآن على الأراضي الفلسطينية المحتلة بدعوى الأمن.
ويشير الخبراء إلى أنه إذا ما كانت هناك ضرورة لاستخدام كلمة "السور" فإنه لا بد أن نضيف إليها كلمة "الحديدي" بشكلٍ يكون فيه لدينا تعبير "السور الحديدي"، الذي ينتمي حرفياً ومصطلحياً إلى المعجم الصهيوني اليميني أو "التصحيحي"، في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، وبشكلٍ أكثر تدقيقاً إلى مرجعه السياسي - القومي الصهيوني الممثّل بفلاديمير (زئيف) جابوتنسكي، الذي تصور ثلاثة حلولٍ حصريةٍ لـ"المشكلة العربية" في دولة (إسرائيل) قبل قيامها، هي حل "الترانسفير" القسري، وحل "مبادلة السكان"، أو إقامة "سور حديدي لا يمكن للسكان الأصليين أن يخترقوه. هذه سياستنا تجاه العرب، إن صوغها بأي طريقةٍ أخرى يعدّ نفاقاً، فكلّنا نصفّق ليل نهار للسور الحديدي" على حد تعبير جابوتنسكي.
فبالرغم من أن التبرير التسويغي الإسرائيلي لبناء هذا "الجدار" العازل أو الفاصل هو الأمن، في حين أنه يبدو عودةً محدثةً إلى نظرية "السور الحديدي" الجابوتنسكية التي يمثل الليكود الحاكم استمراريتها التاريخية في الحركة الصهيونية. فما يسكت عنه هذا التسويغ الأمني هو على وجه الضبط تلك الذهنية التي تحاول أن تبني أول "بنتوستان" (معزل عنصري) حقيقي في الشرق الأوسط، بعد أن تصورت الإنسانية نهاية "البنتوستان" مع نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فتختلف ذهنية الفصل الإسرائيلية هنا عن ذهنية الفصل العنصرية في جنوب إفريقيا السابقة، في الفروع وليس الأصول، بمعنى أن المركزية الإثنية لخطة الفصل الإسرائيلية تقوم على أساسٍ إثنيٍ دينيٍ يهوديٍ تتطابق فيه الهويتان الدينية والقومية، في حين كان الأساس الإثني لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا عرقياً. فالدين والقومية يحتلان في خطّة الفصل الإسرائيلية ما كان يحتله العرق في الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وهو ما يحتمله أحد معاني الكلمة العبرية "هفرداه" التي تعني فيما تعنيه "الفصل" و"العزل" بكل الدلالات التوراتية.

الجدار الفاصل وعقدة الجيتو
"الجيتو" أو "حارة اليهود" في مجتمعنا العربي هي المكان الذي اختاره اليهودي ليعزل نفسه عن محيطه، وهي عقدة لا تزال تسيطر على اليهودي أينما حلّ، حتى بعد إقامة كيانه المغتصب فوق أرض فلسطين. ولأن هاجس العزلة والبعد عن الآخر أكثر ما يميز اليهودي على مر التاريخ، فقد جاءت فكرة السور الواقي أو الجدار الواقي التي تواصل الجرافات والرافعات الإسرائيلية في الوقت الراهن تنفيذها منذ أن قدم هذه البدعة بنيامين بن أليعازر وزير الحرب الإسرائيلي السابق في أعقاب فشل حملته العسكرية التي حملت اسم "السور الواقي" في عام 2002.

تاريخ الجدار الفاصل

أ‌- بتهارت وجدار الحدود اللبنانية
فكرة جدار الفصل وبناؤه قديمة وليست وليدة اليوم كما تدعى القيادات الإسرائيلية، فقد أشار تقرير صهيوني إلى أن فكرة بناء جدار فاصل هي فكرة قديمة منذ عام 1937 أيام ما أسماه التقرير بالتمرد والثورة العربية، حين طلب من تشارلز بتهارت، الخبير البريطاني لشؤون الإرهاب، بوضع خطّة لإقامة جدار على طول محاور الطرق الرئيسية من الحدود اللبنانية في الشمال وحتى بئر السبع، وقام الخبير البريطاني بتهارت برسم المرحلة الأولى من عملية إقامة الجدار حسب الحاجات الاستراتيجية العاجلة، وهو جدار من أربع طبقات وبارتفاع مترين يتم بناؤه على طول 80 كلم من طبريا في الشمال الشرقي وحتى رأس الناقورة في الشمال الغربي بالقرب من محاور الطرق المركزية. وكانت تكلفة المشروع آنذاك 60 مليون دولار، وأوكلت بريطانيا إلى شركة "سوليل بونيه"، وهي شركة تابعة للهستدروت العالمي اليهودي قبل قيام (إسرائيل) مسؤولية إقامة الجدار، وتم تكليف مجموعات "الهاجانا" بعد توفير السلاح والعتاد بالإشراف على حماية عملية البناء، وصد ما أسماه التقرير بالجماعات الدينية المتطرفة. ومنذ ذلك الوقت من 66 عاماً والجدار الذي أقيم تم هدمه من جانب سكان القرى العرب على جانبي الجدار.

ب‌- رابين وسياج غزة
بعد حرب الخليج الثانية في 1990 بدأت المؤسسة الصهيونية بأول خطوة للفصل بين سكان الضفّة ومناطق الـ 48، عبر المباشرة بإصدار تصاريح خاصة لكل فلسطيني يريد الدخول للعمل أو ما شابه، وذلك بعد تفجّر حرب السكاكين في تلك الفترة، حيث كانت الضفة قبل ذلك مفتوحة بشكل كامل على مدن الداخل والتنقل لا يحتاج إذناً من أحد، وعليه فإن فكرة إصدار التصاريح تعتبر الفكرة الأولى في طريق ما سمّي لاحقاً بالفصل. وفي العام 1993 ابتدع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين مصطلحاً جديداً في ردّه على عمليات حماس في تلك الفترة وهو مصطلح الإغلاق؛ (سيجر) باللغة العبرية، ولم يكن هذا الإجراء معروفاً من قبل، إذ يقضي هذا الإجراء بإغلاق الضفّة الغربية عن فلسطين المحتلة عام 1948، واقترح حينها رابين إنشاء ما يسمّى بالجدار الأمني العازل وناشد الإسرائيليين حينها في أحد الاجتماعات: "أَخرجوا غزّة من تل أبيب"، ورابين كان يشعر أن غزّة تمثّل الخطر الحقيقي على (إسرائيل)، حيث كان ينطلق الاستشهاديون من غزّة إلى المدن الإسرائيلية، وقد تمنّى يوماً أن يصحو ويجدها قد ابتلعها البحر.
كانت البداية الحقيقية في إقامة سياج أمني حول قطاع غزّة من الناحية الشمالية والشرقية على امتداد الأراضي المحتلة عام 1967 فيما يزيد عن 50 كلم, وحول المستوطنات في قطاع غزّة, وإقامة سياج أمني فاصل في محيط مستوطنات شمال الضفة الغربية ولكن سياج بسيط عبارة عن أسلاك شائكة ومكعبات إسمنتية على ارتفاع مترين.
وفي العام 1995 وقبل أيام من انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزّة في إطار اتفاقيات أوسلو تقرّر إقامة جدار حول منطقة القطاع بطول 54 كلم، وأصبح هذا الجدار نموذجاً للفصل الأمني، وأصبحت مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية تحت رحمة (إسرائيل).
وفي عام 1996 تبلورت فكرة إقامة جدار للفصل على طول محور "هحمينوت" الشرقي، وكان الحديث آنذاك عن منطقة مقتطعة بعرض كيلومترين داخل الضفّة الغربية وراء الخط الأخضر، لتصبح شكلاً من أشكال الأحزمة الأمنية واعتبارها منطقة عسكرية مغلقة، لكن هذه الفكرة رفضت من جانب إسحق رابين. ومع دخول السلطة الفلسطينية إلى الضفّة الغربية بدأ التفكير الإسرائيلي يتّجه إلى إلقاء المهام الأمنية على عاتق هذه السلطة والاستعاضة بأجهزة الأمن الفلسطينية عن تلك الأساليب المبتكرة.

ت‌- شارون والجدار الفاصل
لقد وضع المخططون الإسرائيليون منذ عام 1988 بناءً على طلب المستوى السياسي أي الحكومة عدة خططٍ للفصل على امتداد "الخط الأخضر" وما خلف الكتل الاستيطانية التي تتمسك "إسرائيل" بضمّها إليها، وهي تقارب طريقة حل باراك - بن عامي لمشكلة المستوطنات في مفاوضات كامب ديفيد (2)، وفي الإطار الحالي تبلورت الفكرة بعد فشل محادثات كامب ديفيد إبان حكم إيهود باراك، حيث أصدر أوامره باقتطاع ورصد مائة مليون دولار سنوياً من أجل إقامة جدار فاصل غير متصل بطول 74 كلم في منطقة جلبوع وحتى المطرون. والحديث في البداية كان يدور حول منطقة فصل أو منطقة محمية ثم تحول الأمر إلى جدار فصل، حيث وافقت الحكومة الإسرائيلية على تبنّي هذا المشروع الخريطة، بحيث تأخذ عملية البناء طابعاً سياسياً متفقاً عليه بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي مع العمل على تسريع عملية البناء، وهذا ما تعمل عليه طواقم إسرائيلية دبلوماسية وسياسية.
وعلى مدار السنوات السابقة عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على إقامة الأسيجة والجدر الإسمنتية لحماية المعسكرات والمستوطنات بكافة الوسائل الحديثة والممكنة, إلا أنه باندلاع الانتفاضة عام 2000 وعودة المقاومة الفلسطينية وتوجيهها الضربات القوية في الداخل عاد قادة (إسرائيل) والمؤسّسة العسكرية لمناقشة إمكانية إقامة جدار أمني يفصل المناطق الفلسطينية عن (إسرائيل) لمواجهة ظاهرة تسلل المقاتلين إلى الكيان الصهيوني, حيث تقرر في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2001 إنشاء ما يسمّى بالمنطقة العازلة..

معارضة
كانت مستشارة الأمن القومي الأميركي كونداليزا رايس قد حثّت (إسرائيل) على وقف بناء الجدار، مبدية انزعاج الإدارة الأمريكية من هذه الخطوة التي تخلق واقعا سياسيا مشبوها، على حد قولها. كما عبر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان عن معارضته لمشروع الجدار وقال إنه إذا كان لا بدّ من بناء السور "فيتعين على كل طرف أن يبني أسواره على أرضه، وألا يؤدي بناء الأسوار لاضطراب حياة الجيران". كما وصفه الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بأنة "سور برلين آخر".
وأخيراً يعتقد الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي شلومو غازيت، بأن "إقامة الجدار هو بمثابة دعوة للفلسطينيين للشروع بانتفاضة جديدة.. في ظروف أشدّ صعوبة من التي عرفناها في الألف يوم الماضية".


 

التداعيات السياسية لجدار الفصل:
حلّ قضايا الوضع النهائي وفقاً للرؤية الصهيونية
نابلس/خاص

"إننا نعمل بجد من اجل الانفصال عن الشعب الآخر الذي نسيطر عليه وإننا سوف نصل الى هذه الغاية إن عاجلا أو آجلا".
هذه العبارة التي قالها رئيس الوزراء الصهيوني إسحق رابين إبان الانتفاضة الفلسطينية الكبرى ليرسم فيها صورة الحل السياسي الذي يبغيه الإسرائيليون، واستطرد فيها قائلاً: "إننا لن نعود الى خطوط عام 1967، ولن ننسحب من القدس ولن نتزحزح عن غور الأردن" باتت هي الخطوط العريضة والمعيار الذي يحدّد مسار الجدار السياسي، وهو المسار الذي تحقق مؤخراً على يد المتطرف أرييل شارون عبر جدار الفصل الذي ابتدعه بين الدولة العبرية والفلسطينيين.
فبالرغم من أن رئيس الوزراء الصهيوني المتطرف أرييل شارون سعى بداية إلى عرقلة جدار الفصل، لكنه مع الوقت تبيّن له أن في هذا الجدار بالذات يكمن الحل للمعضلتين في آن واحد.
وفكرة شارون تتلخص في أنه إذا ما ضرب غربي الخط الأخضر وشمل الكتل الاستيطانية، والمواقع الاستراتيجية في آن واحد، فإنه لا يحل فقط معضلة الأمن بل ويبقي على الفكرة الأيديولوجية بمجملها مع التظاهر بعدم المساس بالمقتضيات السياسية التي أنتجها واقع أوسلو.
وربما أن هذه الأبعاد السياسية الخطيرة للجدار هي من جعل موضوع "جدار الفصل" على رأس أجندة رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس لدى أول زيارة له إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأمريكي جورج بوش؛ الذي بادله المخاوف من هذه الخطوة الإسرائيلية رغم حالة التراخي التي تعاملت بها سلطة الحكم الذاتي بداية مع بناء هذا الجدار.
فدرجة الاهتمام بموضوع الجدار ودراستها وتحليلها بشكل وافٍ ومعمّق لم تتم إلا بالأسابيع القليلة الماضية رغم ما تنطوي عليه هذه الدراسة من أبعاد تتضمن تأثيرات الجدار الاقتصادية الاجتماعية، إلى جانب التأثيرات السياسية التي تعني التحديد المسبق ومن جانب واحد للحدود المشتركة للبلدين.
والأبعاد السياسية لهذا الجدار التي يناقشها التقرير ولا يقرأ مخاطرها الكثيرون للأسف هي خطيرة للغاية على مستقبل القضية الوطنية الفلسطينية، إذ إنها ترسم الخطوط العامة للحل السياسي المستقبلي بشكل بعيد كل البعد عن الآمال والطموحات الفلسطينية.

وستستعرض النقاط التالية أهم الأبعاد السياسية المترتبة على قضية الجدار الفاصل:
1-تهدف الدولة العبرية من وراء إقامة "الجدار" إلى رسم حدود سياسية لإعاقة إقامة الدولة الفلسطينية، وهي تستبق بذلك مفاوضات الوضع النهائي وهو الأمر الذي تدركه الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، فهم يعون أن إقامة "الجدار" سيلحق بالشعب الفلسطيني أضراراً سياسية واجتماعية واقتصادية، وانه سيساهم في تسمين الغول الاستيطاني وتخليد السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين وأرضهم.
فمن المؤكد أن الدولة العبرية تحاول من وراء التهديد الذي يمثله هذا الجدار، خلق المزيد من الضغوط على القيادة الفلسطينية لإجبارها على التجاوب مع التصورات الإسرائيلية المتعلقة بحل قضايا اللاجئين والقدس والحدود، وهو ما يقول بكلمات أخرى بأنه من المؤكد أن لهذا الجدار وظيفة تفاوضية، بالنسبة لإسرائيل، التي اعتادت على خلق مثل هذه الوقائع في سياق صراعها التفاوضي مع الفلسطينيين.
على ذلك فإن معضلة الجدار هي معضلة عملية التسوية ذاتها، فإسرائيل تتصرف في كل القضايا (اللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود والأحوال المعيشية والأمنية)، وكأنه ليس ثمة شريك لها، أو كأن التسوية شأن يخصها لوحدها.
كما ان هذا التكريس لنظام الفصل العنصري على مناطق مترابطة جغرافيا وتاريخيا وفرض حدود سياسية جديدة على الفلسطينيين وما يتطلبه من إقامة حواجز ومعابر عسكرية على المفترقات والطرق الرابطة بين المدن الفلسطينية، سيتيح قدراً كبيراً من المناورة على الأرض لحكومة اليمين الإسرائيلية على طريق تثبيت احتلال الضفة الغربية، وبالتالي تعزيز الاستيطان وخلق وقائع وظروف جديدة على الأرض تكبل المفاوض الفلسطيني في أية مفاوضات مقبلة.
(فالسور العازل) ضم آلاف الهكتارات من أراضي الضفة الغربية للجزء الغربي من السور (داخل الخط الأخضر) وعملياً تقسيم الضفة الغربية إلى ثماني كانتونات رئيسية ممزقة إلى عشرات الجيوب الصغيرة.
وبعد كل هذه السيطرة فلن يتبقى للفلسطينيين عمليا إلا جزء يسير من أرضهم وهو أقل بكثير مما هو مطروح في خطة خارطة الطريق، الهادفة لإقامة دولة فلسطينية تتمتع بحدود متواصلة وقابلة للحياة، مع أن هذه الخطة أصلاً لا تمثل خيار الفلسطينيين ولا برنامجهم الوطني.
2-والمشكلة الأخطر بالنسبة للفلسطينيين، أن الجدار يأخذ مسارين، أحدهما غربي الضفة الغربية ويمتد على مسافة طولها 300 كلم (أنجز نصفها تقريباً)، ويهدف لعزل الضفة عن (إسرائيل). والثاني شرقي الضفة، وطوله حوالي 700 كلم، وهو يهدف لعزل الضفة عن غور الأردن والبحر الميت.
وفي بعض المواقع يتّخذ الجدار شكل أسلاك شائكة معزّزة بخنادق بعمق أربعة أمتار من الجانبين، مع أسلاك كهربائية ومجسّات الكترونية وكاميرات، ودوريات حراسة مخولة بإطلاق النار، وكلها مرتبطة بمحطات مراقبة، تبعد عن بعضها البعض 200 متر.
وهذا الجدار هو بمثابة ترسيم لواقع سياسي جديد، تحاول إسرائيل، من خلاله، استباق نتيجة التفاوض على الحدود، مع الفلسطينيين، من طرف واحد، وبما يتعارض مع مبدأ إنهاء الاحتلال الذي بدأ في العام 1967.
فالجدار في كلا الحالين، أي في قاطعه الشرقي أو الغربي، يقتطع أراض فلسطينية بعرض 8 ـ12 كلم، وهو ما يشكل مساحة قدرها 25 بالمئة من مساحة الضفة الغربية.
3- أن هذا الجدار لا يأخذ مسارا طوليا مستقيما على طول الحدود المفترضة بين (إسرائيل) والضفة، إذ أنه في كثير من الحالات يأخذ خطا متعرجا الهدف منه ضم العديد من المستوطنات، التي تتوغّل في عمق الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في مناطق نابلس ورام الله والقدس وبيت لحم. ويعني ذلك أن هذا الجدار لا يهدف إلى حماية (إسرائيل) من عمليات المقاومة الفلسطينية، بحسب ما تروّج (إسرائيل) لتبرير اغتصابها مزيد من أراضي الفلسطينيين، وإنما هو يهدف، أيضاً، إلى ضمّ المستوطنات والأراضي المحيطة بها، مما يغير من الواقع السياسي والجغرافي والديمغرافي في الضفة الغربية.
فهو إذن مشروع استيطاني لا ينتبه إليه المهتمون بتجميد الاستيطان. فاذا اضيفت إلى هذا الجدار كتل الاستيطان الأساسية غربه وشرقه فإن الواقع الذي يتجلى أمامنا هو واقع "أبارتهايد"، واقع فصل عنصري.
4- ان هذا الجدار يشكّل عائقا حيويا أمام التواصل الطبيعي بين المدن الفلسطينية، والى جانب ان ذلك يصعّب عيش الفلسطينيين من الناحية الاقتصادية والاجتماعية فإن هذا الوضع من الناحية السياسية من شأنه أن يجعل الكيان الفلسطيني المفترض أشبه بدويلة معازل (بانتوستانات) متفرقة، وغير قابلة للحياة.
5- وهذا الجدار سيمثل واقع الحدود المستقبلية بين الدولتين وسيكون بمثابة حدود تنفس، ولكن بما تسمح به (إسرائيل) وليس أي أحد آخر، وتبعاً لتعليماتها وتحت وطأة إجراءاتها الأمنية المشددة وتحقيقا لمصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية.
6-ان إدراك حقيقة ان إنجازات السور الأمنية آخذة بالتلاشي كلما مر الوقت، حيث نجح الفلسطينيون في العديد من الحالات في تسلقّه أو العبور من أسفله في ثغرات البناء، فإنه من السهل الإدراك أن التكتيك في بناء (السور العازل) هو ذاته المبدأ والهدف في شق الطرق الالتفافية، أي مصادرة أكبر رقعة ممكنة من الأراضي الفلسطينية مع الآخذ بعين الاعتبار أهميتها الاستراتيجية والحيوية مع السعي لعزل القرى والمدن الفلسطينية وتطويقها بالمستوطنات.
ففي مناطق تقع فيها القرى الفلسطينية بالقرب من المستوطنات، سيصار إلى إنشاء سور مزدوج يعزل هذه القرى وسكانها في جيوب صغيرة، وهو تفسير إضافي لطول السور المضاعف وتقسيمه إلى محورين فما يصطلح على تسميته (جدار الفصل) هو على أرض الواقع (جداري الفصل).
7-ثمة هدف سياسي آخر على غاية من الأهمية لهذا الجدار وهو يتمثل بإبقاء الكيان الفلسطيني، المفترض، تحت رحمة السيطرة الإسرائيلية، من مختلف النواحي، ولا سيما لجهة منع التواصل بينه وبين دول الجوار (الأردن وربما مصر أيضاً).
ويمكن تلخيص الأبعاد السياسية الماضية بما يلي:
- ضم أجزاء كبيرة من الأراضي الفلسطينية بدون سكانها إلى (إسرائيل) بشكل نهائي.
- منع إقامة أي كيان سيادي فلسطيني على الأرض الفلسطينية.
- ضم الكثير من المستوطنات القريبة أصلاً من الخط الأخضر إلى (إسرائيل) بدل تفكيكها وإنهاء وجودها.
- العمل على خلق بؤر بين (إسرائيل) والدول العربية المجاورة تستخدمها لخلق حالات من التوتر، بهدف التوسع على حساب أراضى تلك الدول، تحقيقاً لأهدافها التوسعية وتحقيق حلم (إسرائيل) الكبرى.
- خلق وقائع مادية ملموسة على الأرض لتستخدمها في أي مفاوضات قادمة للحل النهائي، بحيث لا يمكن لأي طرف إمكانية التغيير في تلك الوقائع أو استبدالها، ومنهم الفلسطينيون الذين سيكون من الصعب عليهم رسم معالم الدولة الفلسطينية بشكل منفرد.
- ضمان سيطرة الدولة العبرية التامة على عبور الأشخاص والبضائع سواء على المعابر بين (إسرائيل) والأراضي الفلسطينية أو تلك المعابر على الحدود مع الدول الأخرى.
رغم أن هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها الدولة العبرية تحت مستوى معين من التهديد في اطار ما تسميه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية "الامن الجاري" اي حرب قلاقل تعريف نفسها من خلال تحديد حدودها الا ان الخطير في موضوع الجدار هو البعد السياسي المستقبلي له.
وما يمكن قوله باختصار إن فكرة الفصل التي برزت أساساً كإجراء سياسي تتخذه (إسرائيل) لتحل من خلاله أزمة فشلها في التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة على الطرفين يصار فيها إلى إقامة كيانين مستقلين، تقول بأن قضية الجدار العازل الذي تقيمه الدولة العبرية في أراضي الضفة الغربية المحتلة سيصبح من أهم القضايا التي تعكّر مسار التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بعد قضية الاستيطان.
وربما أن هذا الجدار قد يودي بخطة "خريطة الطريق"، في حال أصرّت إسرائيل على الاستمرار ببنائه، وفق مخططاتها الحالية.
والتساؤل المهم الذي يبرز فيما إذا أنجزت كافة مراحل الجدار، ماذا ستكون طبيعة السيناريوهات السياسية بعد ذلك في الوقت الذي تكون فيه (إسرائيل) ثبتت على الأرض وضمن سياسة الأمر الواقع جميع خططها وتصوراتها للمستقبل، وتكون بذلك قد حددت معالم الدولة الفلسطينية المستقبلية بشكل منفرد، كما وتكون حددت للفلسطينيين وللعالم أجمع مساراً وحيداً للحل نابع من الرؤية الإسرائيلية فقط.


لمتابعة الملف، افتح الملف2 على القائمة

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003