الجدار الفاصل الإسرائيلي... في الفكر
الصهيوني
الدكتور وجدي عبد الفتاح سواحل
المركز القومي للبحوث, القاهرة
فكرة الجدار الفاصل هي فكرة قديمة منذ عام 1937، ثم أعيد طرحها بعد حرب الخليج
الثانية في عام 1990، وتزايد الجدل حولها بعد عمليات حماس المكثفة في العام
1993 وما تلاه في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، وبدأت تأخذ
طريقها للتنفيذ الفعلي بعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وبوشر في تطبيقها
فعلياً بعد ما سمي بـ"عملية السور الواقي" في عام 2002. أي إن مشروع الجدار
الفاصل لم يأت نتيجة لانتفاضة الأقصى وبدوافع أمنية كما تدّعي (إسرائيل) وإنما
ترجمة لفكرة طُرحت منذ سنوات وحالت أسباب سياسية دون تنفيذها.
نظرية السور الحديدي لجابوتنسكي
يتخطى جدار الفصل أو العزل في دلالته إلى حدٍ بعيدٍ مفهوم "السور" في اللغات
غير العبرية، بشكلٍ يمكن فيه القول مع المعلّقة الإسرائيلية عميرة هاس، إن
مصطلح "جدار الفصل" المستخدم في (إسرائيل) ليس سوى مصطلحٍ "مريحٍ ومضلّل"
للتعبير عن منظومة التحصينات التي تقيمها (إسرائيل) الآن على الأراضي
الفلسطينية المحتلة بدعوى الأمن.
ويشير الخبراء إلى أنه إذا ما كانت هناك ضرورة لاستخدام كلمة "السور" فإنه لا
بد أن نضيف إليها كلمة "الحديدي" بشكلٍ يكون فيه لدينا تعبير "السور الحديدي"،
الذي ينتمي حرفياً ومصطلحياً إلى المعجم الصهيوني اليميني أو "التصحيحي"، في
فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، وبشكلٍ أكثر تدقيقاً إلى مرجعه السياسي -
القومي الصهيوني الممثّل بفلاديمير (زئيف) جابوتنسكي، الذي تصور ثلاثة حلولٍ
حصريةٍ لـ"المشكلة العربية" في دولة (إسرائيل) قبل قيامها، هي حل "الترانسفير"
القسري، وحل "مبادلة السكان"، أو إقامة "سور حديدي لا يمكن للسكان الأصليين أن
يخترقوه. هذه سياستنا تجاه العرب، إن صوغها بأي طريقةٍ أخرى يعدّ نفاقاً،
فكلّنا نصفّق ليل نهار للسور الحديدي" على حد تعبير جابوتنسكي.
فبالرغم من أن التبرير التسويغي الإسرائيلي لبناء هذا "الجدار" العازل أو
الفاصل هو الأمن، في حين أنه يبدو عودةً محدثةً إلى نظرية "السور الحديدي"
الجابوتنسكية التي يمثل الليكود الحاكم استمراريتها التاريخية في الحركة
الصهيونية. فما يسكت عنه هذا التسويغ الأمني هو على وجه الضبط تلك الذهنية التي
تحاول أن تبني أول "بنتوستان" (معزل عنصري) حقيقي في الشرق الأوسط، بعد أن
تصورت الإنسانية نهاية "البنتوستان" مع نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب
أفريقيا. فتختلف ذهنية الفصل الإسرائيلية هنا عن ذهنية الفصل العنصرية في جنوب
إفريقيا السابقة، في الفروع وليس الأصول، بمعنى أن المركزية الإثنية لخطة الفصل
الإسرائيلية تقوم على أساسٍ إثنيٍ دينيٍ يهوديٍ تتطابق فيه الهويتان الدينية
والقومية، في حين كان الأساس الإثني لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا عرقياً.
فالدين والقومية يحتلان في خطّة الفصل الإسرائيلية ما كان يحتله العرق في الفصل
العنصري في جنوب أفريقيا، وهو ما يحتمله أحد معاني الكلمة العبرية "هفرداه"
التي تعني فيما تعنيه "الفصل" و"العزل" بكل الدلالات التوراتية.
الجدار الفاصل وعقدة الجيتو
"الجيتو" أو "حارة اليهود" في مجتمعنا العربي هي المكان الذي اختاره اليهودي
ليعزل نفسه عن محيطه، وهي عقدة لا تزال تسيطر على اليهودي أينما حلّ، حتى بعد
إقامة كيانه المغتصب فوق أرض فلسطين. ولأن هاجس العزلة والبعد عن الآخر أكثر ما
يميز اليهودي على مر التاريخ، فقد جاءت فكرة السور الواقي أو الجدار الواقي
التي تواصل الجرافات والرافعات الإسرائيلية في الوقت الراهن تنفيذها منذ أن قدم
هذه البدعة بنيامين بن أليعازر وزير الحرب الإسرائيلي السابق في أعقاب فشل
حملته العسكرية التي حملت اسم "السور الواقي" في عام 2002.
تاريخ الجدار الفاصل
أ- بتهارت وجدار
الحدود اللبنانية
فكرة جدار الفصل وبناؤه قديمة وليست وليدة اليوم كما تدعى القيادات الإسرائيلية،
فقد أشار تقرير صهيوني إلى أن فكرة بناء جدار فاصل هي فكرة قديمة منذ عام 1937
أيام ما أسماه التقرير بالتمرد والثورة العربية، حين طلب من تشارلز بتهارت،
الخبير البريطاني لشؤون الإرهاب، بوضع خطّة لإقامة جدار على طول محاور الطرق
الرئيسية من الحدود اللبنانية في الشمال وحتى بئر السبع، وقام الخبير البريطاني
بتهارت برسم المرحلة الأولى من عملية إقامة الجدار حسب الحاجات الاستراتيجية
العاجلة، وهو جدار من أربع طبقات وبارتفاع مترين يتم بناؤه على طول 80 كلم من
طبريا في الشمال الشرقي وحتى رأس الناقورة في الشمال الغربي بالقرب من محاور
الطرق المركزية. وكانت تكلفة المشروع آنذاك 60 مليون دولار، وأوكلت بريطانيا
إلى شركة "سوليل بونيه"، وهي شركة تابعة للهستدروت العالمي اليهودي قبل قيام (إسرائيل)
مسؤولية إقامة الجدار، وتم تكليف مجموعات "الهاجانا" بعد توفير السلاح والعتاد
بالإشراف على حماية عملية البناء، وصد ما أسماه التقرير بالجماعات الدينية
المتطرفة. ومنذ ذلك الوقت من 66 عاماً والجدار الذي أقيم تم هدمه من جانب سكان
القرى العرب على جانبي الجدار.
ب- رابين وسياج غزة
بعد حرب الخليج الثانية في 1990 بدأت المؤسسة الصهيونية بأول خطوة للفصل بين
سكان الضفّة ومناطق الـ 48، عبر المباشرة بإصدار تصاريح خاصة لكل فلسطيني يريد
الدخول للعمل أو ما شابه، وذلك بعد تفجّر حرب السكاكين في تلك الفترة، حيث كانت
الضفة قبل ذلك مفتوحة بشكل كامل على مدن الداخل والتنقل لا يحتاج إذناً من أحد،
وعليه فإن فكرة إصدار التصاريح تعتبر الفكرة الأولى في طريق ما سمّي لاحقاً
بالفصل. وفي العام 1993 ابتدع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين مصطلحاً
جديداً في ردّه على عمليات حماس في تلك الفترة وهو مصطلح الإغلاق؛ (سيجر)
باللغة العبرية، ولم يكن هذا الإجراء معروفاً من قبل، إذ يقضي هذا الإجراء
بإغلاق الضفّة الغربية عن فلسطين المحتلة عام 1948، واقترح حينها رابين إنشاء
ما يسمّى بالجدار الأمني العازل وناشد الإسرائيليين حينها في أحد الاجتماعات: "أَخرجوا
غزّة من تل أبيب"، ورابين كان يشعر أن غزّة تمثّل الخطر الحقيقي على (إسرائيل)،
حيث كان ينطلق الاستشهاديون من غزّة إلى المدن الإسرائيلية، وقد تمنّى يوماً أن
يصحو ويجدها قد ابتلعها البحر.
كانت البداية الحقيقية في إقامة سياج أمني حول قطاع غزّة من الناحية الشمالية
والشرقية على امتداد الأراضي المحتلة عام 1967 فيما يزيد عن 50 كلم, وحول
المستوطنات في قطاع غزّة, وإقامة سياج أمني فاصل في محيط مستوطنات شمال الضفة
الغربية ولكن سياج بسيط عبارة عن أسلاك شائكة ومكعبات إسمنتية على ارتفاع مترين.
وفي العام 1995 وقبل أيام من انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزّة في إطار
اتفاقيات أوسلو تقرّر إقامة جدار حول منطقة القطاع بطول 54 كلم، وأصبح هذا
الجدار نموذجاً للفصل الأمني، وأصبحت مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية تحت
رحمة (إسرائيل).
وفي عام 1996 تبلورت فكرة إقامة جدار للفصل على طول محور "هحمينوت" الشرقي،
وكان الحديث آنذاك عن منطقة مقتطعة بعرض كيلومترين داخل الضفّة الغربية وراء
الخط الأخضر، لتصبح شكلاً من أشكال الأحزمة الأمنية واعتبارها منطقة عسكرية
مغلقة، لكن هذه الفكرة رفضت من جانب إسحق رابين. ومع دخول السلطة الفلسطينية
إلى الضفّة الغربية بدأ التفكير الإسرائيلي يتّجه إلى إلقاء المهام الأمنية على
عاتق هذه السلطة والاستعاضة بأجهزة الأمن الفلسطينية عن تلك الأساليب المبتكرة.
ت- شارون والجدار الفاصل
لقد وضع المخططون الإسرائيليون منذ عام 1988 بناءً على طلب المستوى السياسي أي
الحكومة عدة خططٍ للفصل على امتداد "الخط الأخضر" وما خلف الكتل الاستيطانية
التي تتمسك "إسرائيل" بضمّها إليها، وهي تقارب طريقة حل باراك - بن عامي لمشكلة
المستوطنات في مفاوضات كامب ديفيد (2)، وفي الإطار الحالي تبلورت الفكرة بعد
فشل محادثات كامب ديفيد إبان حكم إيهود باراك، حيث أصدر أوامره باقتطاع ورصد
مائة مليون دولار سنوياً من أجل إقامة جدار فاصل غير متصل بطول 74 كلم في منطقة
جلبوع وحتى المطرون. والحديث في البداية كان يدور حول منطقة فصل أو منطقة محمية
ثم تحول الأمر إلى جدار فصل، حيث وافقت الحكومة الإسرائيلية على تبنّي هذا
المشروع الخريطة، بحيث تأخذ عملية البناء طابعاً سياسياً متفقاً عليه بين
الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي مع العمل على تسريع عملية البناء، وهذا ما تعمل
عليه طواقم إسرائيلية دبلوماسية وسياسية.
وعلى مدار السنوات السابقة عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على إقامة
الأسيجة والجدر الإسمنتية لحماية المعسكرات والمستوطنات بكافة الوسائل الحديثة
والممكنة, إلا أنه باندلاع الانتفاضة عام 2000 وعودة المقاومة الفلسطينية
وتوجيهها الضربات القوية في الداخل عاد قادة (إسرائيل) والمؤسّسة العسكرية
لمناقشة إمكانية إقامة جدار أمني يفصل المناطق الفلسطينية عن (إسرائيل) لمواجهة
ظاهرة تسلل المقاتلين إلى الكيان الصهيوني, حيث تقرر في شهر تشرين الأول/أكتوبر
2001 إنشاء ما يسمّى بالمنطقة العازلة..
معارضة
كانت مستشارة الأمن القومي الأميركي كونداليزا رايس قد حثّت (إسرائيل) على وقف
بناء الجدار، مبدية انزعاج الإدارة الأمريكية من هذه الخطوة التي تخلق واقعا
سياسيا مشبوها، على حد قولها. كما عبر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان عن
معارضته لمشروع الجدار وقال إنه إذا كان لا بدّ من بناء السور "فيتعين على كل
طرف أن يبني أسواره على أرضه، وألا يؤدي بناء الأسوار لاضطراب حياة الجيران".
كما وصفه الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بأنة "سور برلين آخر".
وأخيراً يعتقد الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي شلومو غازيت، بأن "إقامة الجدار
هو بمثابة دعوة للفلسطينيين للشروع بانتفاضة جديدة.. في ظروف أشدّ صعوبة من
التي عرفناها في الألف يوم الماضية".