|
احتلال الأدمغة!
تكتبها جهاد
الرجبي
ماذا أبقى لنا الهوان العربي من كلام، وبأي جرأة ستتحدّث الأقلام؟! بأي لون
سنواجه المرايا؟ بأي صوت سيتحدّث الرجال؟ وبأي أنفاس سنحيا وفي كل يوم تحتضر
فيه الملامح العربية تحت ثقل الصفعة الأميركية. يتسلل إلينا البرد، تزرقّ
وجوهنا، وتتحجّر السواعد، لا لشيء سوى أننا ما زلنا نحلم بحياة سهلة، نأكل فيها
ونشرب وننام! يصعد غيرنا بطائراته وصواريخه إلى السماء لمراقبتنا ومحاصرتنا،
والتحكّم فينا، لفرض ربوبيته من عمق قوته! وندثّر أنفسنا حين تعصف بنا الهواجس
بغبار نعليه لعلّه يرضى! لعلّه ينسى بأننا حصى تحت قدميه!
الشارع العربي يبكي! دمعه القهر لكنه يمضي لشؤون الحياة التي لا تنتهي.. يتابع
نشرات الأخبار عبر المحطات المزروعة أشواكاً على شاشة التلفاز.. يتألّم! يتمنى
لو.. ويغرق في البكاء! مرتبكاً يتحرّك على الأسطح المصقولة، ما زال حائراً،
خائفاً، ولا يدري أي الطرق توصله إلى ذاته، وقد قالوا له هناك ستجد الله!
الشارع العربي المخدّر لم يعد يعنيه شيء، والهتاف صار عملاً روتينياً لا يورث
صاحبه غير الضرب، وبصمات سوداء في ملفّات وجدت ليختفي هو!
سكن الإحباط أرواح الناس وتنفّس عجزهم، ولم يعد أيهم ينتظر شيئاً سوى مزيد من
الإحباط.. أنظمة متهالكة! وأروقة متعفّنة عذّبتها الأصداء! لم يعد ممكناً فرض
الحماسة على من يرغب بالتغيير دون برنامج حقيقي، لم يعد منطقياً انتظار حدوث
الأفضل عبر تظاهر من لا يملك أن يكون مؤثراً وقادراً على الضغط، فكل الوجوه
البشعة تعرّت، واكتسحت أعين الناس، ولكي تكون حراً عليك أن تكون قوياً، قوتك
تمنحك حريتك وكثيراً من حرية الآخرين.
ها هي بغداد ممزّقة الأستار مهتوكة العرض، ملوّثة الجسد! فأين بيارق الثائرين؟!
وقد بلعت الجامعة العربية الرمح الأميركي وخرجت للشارع المهان مبتسمة، وقد
صادقت على ذل العراق، واحتراقه في أتون المصالح الأميركية الذي لا يشبع!
وها هي فلسطين المعتقلة على خرائط العرب تمزّق ويشرّد أهلها، ويطارَد مجاهدوها
بحرب اغتيالات لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، تهدّم البيوت الفلسطينية على رؤوس
أهلها، وينغرس الموت والجوع في ملامح الصغار، ويطالَب العرب بمزيد من إظهار روح
الصداقة للعدو خدمة للمصالح التي تجزأت كما تجزأت الرقع الجغرافية، ويسيرون
مغمضي الأعين وهم يعرفون تماماً بأنهم إلى حتفهم يمضون!
من الفرات إلى النيل! حلم يهودي يخيم بجناحين من دخان على عواصم العرب وقد بدأ
الطوفان! كنا قديماً نلعن جهلنا، واليوم مع علمنا نلعن عجزنا، ندقّ أقدامنا في
الأرض أوتاداً لا لنصمد بل لتهدأ ضمائرنا، ونحن نراقب العدو يسلب ما تبقى لنا،
ونحن نقاومه بأنهار الدمع لعلّه يغرق!
العالم كلّه يهزأ بنا! يحتقرنا! لا يأبه بردود أفعالنا لأنها تأتي باردة،
متأخرة، وعاجزة! فنحن لا نملك روح المبادرة، لا نثق بقدرتنا على التغيير، ولا
نصدّق أنفسنا حين نحلم! لسنا سوى أرقام على أوراق السادة همّهم أن تتقلّص! لسنا
سوى أحجار في طريقهم إلى الهيمنة وهدفهم أن نصبح تربة خصبة لأفكارهم المشوّهة.
الاحتلال الحقيقي هو احتلال الأدمغة لا الأرض.. وقلة في أمتي الأحرار! ولا أظن
الحبل سينقطع إلا بمزيد من الشد، ولا أظن اليقظة آتية إلا بمزيد من الطرق على
الرؤوس.. وبمزيد من الدم!
|