زوجة الشهيد عبد الله القواسمي
تروي سيرة حياته:
اعتقله الاحتلال وعذبته السلطة.. قاوم الإسرائيليين بشراسة حتى يوم استشهاده
الخليل/خاص
عاشت عائلة الشهيد عبد الله القواسمي القيادي في "كتائب الشهيد عز الدين
القسام" في مدينة الخليل بالضفة الغربية رحلة معاناة وآلام منذ أيام الانتفاضة
الأولى، وتواصلت فصول المعاناة مع مجيء السلطة الفلسطينية التي لم تتوان عن
ملاحقة الشهيد، ثم تجددت مطاردة الشهيد بعد اجتياح مدينة الخليل وإعادة
احتلالها.
وفي السطور التالية تتحدث زوجة الشهيد "أم أيمن" عن فصول من حياتها وحياة
عائلتها منذ انطلاق الانتفاضة الأولى وبشكل خاص في انتفاضة الأقصى.
بداية المسيرة
تشير (أم أيمن) إلى أن زوجها الشهيد بدأ تجربته مع الاحتلال عندما اعتقل المرة
الأولى في 25-3-1988 بحجة إلقاء الحجارة على جنود الاحتلال، حيث خضع للتحقيق
أربعين يوماً تعرض فيها للتعذيب الشديد والضرب المبرح ثم أفرج عنه، مضيفة أنه
كان من المسارعين للدفاع عن الحرم الإبراهيمي الشريف في كل اعتداء يتعرض له من
قبل المستوطنين.
وتوضح أن مسلسل استدعائه للتحقيق تواصل فاعتقل مجدداً في 17/10/1992، وأبعد من
السجن إلى مرج الزهور في 17/12/1992. وبعد عودته من مرج الزهور مع الدفعة
الأولى أعيد إلى الاعتقال حتى أفرج عنه في 18/4/1994.
وتقول: كانت فترة الإبعاد بالنسبة لنا ولأبنائه صعبة كذوي أي مبعد، ولم يكن
بيننا أي اتصال سوى الرسائل التي تتأخر شهوراً. وكان أبناؤه يتابعون وسائل
الإعلام بحثاً عن أي خبر. تعلّموا في غيابه الشدة والصبر على المحن رغم صغر
السن.
سجون السلطة
ومع مجيء السلطة الفلسطينية كان للشهيد تجربته حيث اعتُقل وعُذّب. وعن هذه
المرحلة تقول أم أيمن: كنا نظن أن انتهاء فترة الاحتلال ومجيء السلطة سيكون
أفضل، ولم نكن نعلم أنها بداية رحلة معاناة جديدة، ففي 14/1/1998 حضرت قوات
كبيرة من أجهزة أمن السلطة الفلسطينية المختلفة إلى منزله لاعتقاله، فاعتقلت
جميع أشقائه وبعض الجيران وخربت كافة محتويات الغرف، حتى البلاط تم خلعه. وفتح
رجال أمن السلطة الباب بطريقة وحشية وبدوافع خبيثة بحجة البحث عن المطلوب محمود
أبو هنود، وبعد انتهاء التفتيش تم اقتياده مع أشقائه إلى السجن ثم أفرج عن
أشقائه وظل هو رهن الاعتقال.
وتضيف: حسب معلوماتنا فإن أجهزة السلطة تلقت على جهاز الفاكس معلومات من الجهات
الإسرائيلية أنها إذا لم تعتقل القواسمي ستقوم بدخول مناطق السلطة خلال ساعات.
وهكذا قاموا بالواجب وأكثر!! وبعد الإفراج عن أشقائه بقي أبو أيمن في سجن
أريحا، وخضع لخمسة أشهر من التعذيب الشديد وفي زنزانة انفرادية دون أن يسمحوا
لأحد بزيارته إلا بعد أربعين يوماً، حتى ليلة القدر قضاها "مشبوحاً" في سجن
السلطة، وبقي قيد التحقيق خمسة أشهر، والزيارة التي كانت تتم أحيانا لم تكن
تتجاوز دقائق معدودة مع وجود السجان أثناءها. وبعد شهور العزل الخمسة انتقل إلى
سجن المقاطعة في أريحا.
وعن جهودها لزيارته تقول أم أيمن: كانت الزيارة مرة واحدة كل أسبوع، وكنا نتخطى
الصعاب وندفع تكاليف باهظة للوصول إليه في سجن أريحا، وكان مسؤولو السجن
يخضعوننا لتفتيش دقيق ومذلّ أثناء الدخول إليه. كما كانوا يفتشون كل شي حتى حبة
الحلو أو الفواكه وغيرها.. وهذا كله رغم رحلة العناء التي تستغرق كل مرة ثلاث
ساعات للذهاب وثلاث ساعات للإياب من الخليل لأريحا أثناء وجود الحواجز العسكرية
على الطرقات.
التحقيق
كان يشرف على التحقيق مع الشهيد طاقم مكون من ضباط يهود وفلسطينيين وبشكل
متواصل، ولم يكن وحده بل كان معه معتقلون آخرون. الحراس كانوا يقولون: "نحن
ننفذ الأوامر"، أنا أشبّههم بحراس للكيان الصهيوني في تلك الفترة لأنهم قاموا
بسَجن وتعذيب الشرفاء ورموز هذه الأمّة الذين منهم كوكبة من الشهداء أمثال جمال
منصور ويوسف السوركجي ومحمود أبو هنود، وعادل وعماد عوض الله، ونسيم أبو الروس
وجاسر سمارو وآخرهم أبو أيمن وغيرهم الكثير.
وتتساءل: لا أدري ماذا ستقول هذه الأيدي التي قامت بسجنهم وتعذيبهم وإبعادهم عن
أحبتهم لله يوم القيامة؟ وبماذا ستعتذر أمام هؤلاء المجاهدين الأبطال الشهداء؟
الإضراب عن الطعام
وخاض الشهيد في حينه إضراباً عن الطعام استمر أسبوعين دون أن تحقق مطالبهم،
وكان من المضربين: نسيم أبو الروس وجاسر سمارو، ومحمد أبو وردة، وعيسى البطاط
وغيرهم، وتدخل أقرباؤهم إليهم طالبين منهم وقف الإضراب حفاظاً على صحتهم وفعلاً
أوقفوه، وكل الإضرابات والاحتجاجات والاتصالات لم تجدِ نفعاً مع أجهزة السلطة،
وهذا دفعنا ذات مرة لتنظيم تظاهرة احتجاج أمام السجن وأردنا اقتحامه.
وتقول أم أيمن: بعد 34 يوماً من الإضراب وافق الشهيد عبد الله على وقف إضرابه
عن الطعام شريطة أن يتم ذلك في مدينة الخليل ليسهل التنقل على زوجته وأبنائه،
ولم ينهِ إضرابه إلا عندما وصل إلى سجن الخليل، ومكث على فترات في الخليل بين
سجني المخابرات والوقائي. أما أنا فكنت أثناء حبسه في الخليل أنقله للعلاج
بسيارتي وفي بعض الأحيان كان يُسمح له بإجازة في البيت أثناء الليل وساعات
قليلة في النهار، وفي إحدى المرات منعوني من رؤيته 14 يوماً متتالية، ولم يُفرج
عنه نهائياً إلا في بداية الانتفاضة بعد عامين من الاعتقال.
ما بعد الاجتياح..
ومع بدء الاجتياحات للمدن الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى لم تتمكن السلطة
الفلسطينية من الإبقاء على الشهيد أسيراً في المقاطعة، لذلك فرّ وظلّ مطارداً
حتى استشهاده. وعن هذه المرحلة تقول أم أيمن: قبل الاجتياح كان يشعر دائماً أنه
مهدد، وأعتقد أنه لم يعرف النوم ليلاً طوال سنوات الانتفاضة، بل كان يشارك في
كافة الفعاليات من مسيرات ومهرجانات وغيرها. وعند بدء الاغتيالات في الضفة
الغربية قبيل الاجتياحات توقف عن قيادة السيارة وكنت أنا أقودها، وكان يتابع كل
طائرة تأتي، وفي ليلة استشهاد مروان زلوم قائد كتائب شهداء الأقصى كان في
البيت، ومع خروجه قُصفت سيارة مروان فظننا أنه هو المستهدف، لكن سرعان ما اتصل
وطمأننا عن سلامته.
الاعتداءات
والمضايقات
وعن طبيعة الاعتداءات والمضايقات التي تعرضت لها "أم أيمن" كزوجة وباقي أفراد
العائلة قالت: بعد عملية أدورا واجتياح الخليل في 29/4/2002 اختفى الشهيد، ولم
يرجع إلى البيت. وفي الساعة الحادية عشرة ثاني أيام الاجتياح استعدت قوات
الاحتلال لاقتحام المنزل ووضعت نقاطاً عسكرية في أماكن مختلفة مطلّة عليه
للتصدي لأية مقاومة، وحضرت قوات كبيرة من جيش الاحتلال وبقيت حتى السادسة مساء
وتم احتجاز النساء في غرفة ومنعوهن من الحصول على الحليب للأطفال إضافة إلى
البرد الذي كان سائداً آنذاك، وبعدها تواصل اقتحام المنزل حتى وصل عدد مرات
الاقتحام إلى تسع مرات.
وتابعت: خلال شهر رمضان الماضي كانوا يأتون للمنزل خلال موعدي السحور والإفطار
ويراقبون الهواتف ويتصلون ليسألوا عن الشهيد. كما هددوني بهدم البيت محاولين
إغرائي بالحفاظ عليه لأنه بيت جميل، وقالوا إن لم يسلّم نفسه سيحضرونه إلى
البيت ولكن في كيس، أي مقتولاً، في محاولة لابتزازي وإقناعي بتسليمه لكن لم
أستجب لهم، وفي إحدى المرات قاموا بالتحقيق مع ابني أيمن (11 عاماً) خارج
المنزل وحده في الليل.
وعن أساليب القمع التي استخدموها أثناء المداهمة تقول أم أيمن: كانوا يضعون
اللوم علينا عندما يؤذون الجيران، بل أجبرت إجراءاتهم الجيران على الرحيل، كما
حاولوا إجباري على الاتصال بزوجي لاعتقاله فرفضت... لقد آذوا أشقاء الشهيد
وخاصة الشيخ شفيق الذي اعتقل ثلاث مرات وأولاده، وأفرج عنه، لقد كانوا يداهمون
المنزل والمنازل المجاورة في أعقاب كل عملية استشهادية ويقومون بأعمال التخريب.
وعن صفاته أردفت أم أيمن قائلة: عندما انحصر عمله في الجانب الجهادي أدرك أنه
من الصعب أن يجمع بين حب الدنيا وحب الآخرة، فكان لا يشغل نفسه بالدنيا
وأهوائها وعواطفه، لأنه كان يرى أن ذلك قد يؤثر على عزيمته وعطائه الأخروي. كان
يتقاسم اللقمة مع رفاقه من المجاهدين فعيشته وعيشتهم كانتا سيان، كان يستحضر
الصحابة الذين قضوا كل عمرهم في الفتوحات والجهاد بعيداً عن أهلهم فكان هؤلاء
القادة الفاتحين أسوة له وكأنه يعيش معهم. وكان يقول لهم دائما أتمنى أن أنال
الشهادة قبل أن أرى النصر ولو بيوم واحد لأستكمل أجر الآخرة ولا أفتن في
الدنيا…كما كان في الإنفاق كالريح المرسلة حيث نال ثقة كثير من الناس الذين
أوكلوه مسؤوليات كثيرة…وكان بعد صلاة الفجر كل يوم يقرأ جزءاً من القرآن
والمأثورات حتى طلوع الشمس ثم يعود لبيته وبرنامجه العادي.
مرحلة الاستشهاد
وعن مرحلة الاستشهاد تقول: كنا نتوقعها وهو بنفسه مهّد لها، كنت كل يوم أتوقع
استشهاده. وفي يوم استشهاده سمعنا صوت إطلاق النار، وبعد لحظات حضر ابن شقيقه
وأخبرني أن وسائل الإعلام تتناقل نبأ استشهاد زوجي، وطلب مني أن أتأكد من
الخبر، وفعلا بدأت الناس تتوافد على المنزل لتهنئتنا. وخرجت فوراً ابنتي الكبرى
وباقي أطفالي وكانوا على أتم استعداد لاستقبال المهنئين، والحمد لله كانت ابنتي
الكبرى على قدر المسؤولية بل وشاركت في رفع معنويات كل من حضر إلينا واستقبلتهم
أحسن استقبال… لقد ربى أطفاله على حب الشهادة والصبر على المحن.
وأضافت: كانت والدة الشهيد (72 عاماً) واحدة ممن يستقبلن الزوار، فأقبلت عليها
وبدأت أقبل يديها وأشكرها على حسن تربيتها له.. إنها امرأة قرآنية..هي أمي
وزوجها أبي..هم كل شيء بالنسبة لي..وحقاً تستحق والدته أن تكون أم شهيد. بعد
انتشار الخبر اتصل بي أهلي من نابلس معزين ومهنئين.
ولم تكتفِ قوات الاحتلال باغتيال الشهيد القواسمي بل تواصل مسلسل المداهمات،
وتقول أم أيمن: اقتحمت قوات الاحتلال منزلنا عند الساعة الثانية عشرة والنصف
ثالث أيام استشهاده واعتقلت 70 شخصاً من أقاربه وجيرانه، وأثار جنود الاحتلال
الرعب بين السكان، واعتقلوا الرجال والنساء واقتادوهم إلى معتقل جماعي عند
الارتباط العسكري، وكان من بينهم والدة المطارد باسل القواسمي (ابن شقيق الشهيد
عبد الله) التي أمضت ثلاثة أيام في سجن ميداني وكذلك أشقاء الشهيد الشيخ شفيق
ومحمد ومحمود وبعض أبنائهم حاتم وحسن. لقد مارست قوات الاحتلال ضغطاً كبيراً
على ذوي المطاردين لتسليم أبنائهم، وآذت أقاربهم لكن ذلك لم ولن يخضع الشعب
الفلسطيني المعطاء.
آمال رغم الجراح
ورغم الجراح وصعوبة المرحلة، إلا أن الحالة تدفع أم أيمن في أن تكون على قدر
المسؤولية التي تركها لها زوجها الشهيد، وأن تكون قادرة على تربية وإعالة
أبنائها وبناتها تربية إسلامية صحيحة ليكونوا قادة لغد فلسطيني مشرق.
وأشارت إلى أن والدهم زرع فيهم الروح الإيمانية قبيل استشهاده حتى استقبلوا
الخبر بمعنويات عالية وروح إيمانية ثابته.