بغداد.. يا وردة
هزمت جيوش المستحيل!!
القاهرة/صلاح حسن رشيد
حظيت بغداد بكمٍ وافرٍ من القصائد الساخنة الملتهبة، التى تتدفق من أرجائها
وعناصرها الدماء والأنواء والأمطار، لا سيما بعد أن سقطت الكرامة العربية،
وانتُهكت وديست يوم التاسع من نيسان/ أبريل عام 2003.
وقد تصدى لتراكم هذه المواجع الشاعر المغربي عبد المحسن التليدي في قصيدته
العصماء "بغداد يا وردة هزمت جيوش المستحيل"، يصور بسخرية لاذعة صمت العرب
الأبدي إزاء هذه الجريمة العالمية، التي اختطف فيها الأمريكيون العراق من بين
أيدي المسلمين والعرب، الذين تناحروا فيما بينهم على تفاهات باطلة. وهو الأمر
الذي جعل الشاعر يبدأ قصيدته بتعجب للحالة المتردية التي نعيشها اليوم:
أنا يا بغداد سألتُ، ولم أسمع
من أحدٍ فتوى
حين انتصبت أنياب الشيطان
الملعون على الواحات، وحدقت البلوى
لم أسمع من أحدٍ في كل عواصمنا العربية
إلا واحدة أن العدوان جريمة
شيطان أسود
لم أسمع غير مناقب داحس والغبراء
ونقائض تقطر بالنفط
وهجاء جريروهي الحالة التي تتطلب من الجميع أن
يعلوا فوق الصغائر، ليواجهوا فلول وكتائب الاستعمار الجديد، لكنهم -أي العرب-
خذلوا الشاعر وخذلوا العراق، حيث أوغلوا في الهجاء والسباب والشتائم والتحارب
الفكري، ونسيان دين الله (عزّ وجل):
لم أسمع غير كؤوس أبي نواس
في كل مقاهينا
تُلغي ما فينا من أجراس
تُنسينا هَمَّ الله وهَمَّ الناس
لم أسمع أشعار زهير
لم أسمع حكمته في ذم الحرب
لم أسمع أشعار المتنبي، لم أسمع:
"الخيل وهذا الليل وهذا الويل"
صم بكم كغثاء السيل
تلد التيجان قيودك يا بغداد!!
ويوم سقطت بغداد.. سقطت العزيمة المبثوثة في كيان المجتمع
المسلم العربي، وسقطت أيضاً الروح الإيمانية الجهادية، وتخلى الجميع عن تعاليم
دينهم، وتناسوا فتوحات الإسلام وانتصارات طارق بن زياد.. ولم يعرفوا سوى لغة
الهزيمة:
لن يقرأ طارق خطبته
من فوق بوارج كولومبس
لن يقرأها مَنْ يلعن أمريكا ويزيد
لن تقرأها من فوق بوارج هولاكو
إلا حنجرة متخمة بالشجب وبالتنديد
وبينما يبشر الشاعر بالنصر القادم، وبساعة الحسم والخلاص،
يفاجأ بأن قومه ما زالوا في سباتهم يقبعون، كأعجاز نخل منقعر:
أنا يا بغداد حزين
كالصدأ الأخرس في أوراق التين
كعجوز في النجف الأشرف يفتي بالإعصار
أرتجل الصرخة تلو الصرخة من غضبي
لكن القوم كأعجاز النخل الموؤود ترابط
في الآبار
من بئرك يا مكناس إلى آبار الغار
ولذلك أصبحت العراق تعيش في سواد -حسب نظرة الشاعر الحزين-
وحمامها الأبيض يشدو رغم الفواجع والمواجع، وهناك كذلك ليلى العامرية التي لا
تبكي ولا تندب، بينما حالها حال الحداد، وكذلك النخوة العربية التي أخرجتها
الحمائم في الجنوب بعد معارك طاحنة:
لي في سوادك يا عراقُ حمامةٌ
بيضاء في فمها مواعظنا الأثيلة
للذين تواطأوا
من ماء دجلة شدوها ألف الرواء
هي لم تغير لونها رغم الغزاة
الفاتحين بطونهم للرمل.. للشجر
العنيد على الضفاف
لي في الرصافة جسرها.. ليلى التي
لم تتشح ببكائها رغم البكاء
لي في عيونك نخوة عربية
زأرت بها كل الحمائم في الجنوب
ويستحضر الشاعر المتمرّس بقراءة تاريخ أمته المليء بالصفحات
المظلمة وبليل السقوط المتوالي.. يستحضر عصر ملوك الطوائف في الأندلس،
وانغماسهم في الملذات والغناء والعري.. في حين أن الأعداء أخذوا اليابس والأخضر
ولم ينقذهم من غيّهم إلا القائد الصالح يوسف بن تاشفين:
يا تاشفين!
يا أيها الاسم المرابط في العرين
عقروا خيولك فاستباحوا هجونا
تيجانهم فوق الرؤوس هزيمة
نكراء تُحيى موتنا،
عشقوا الإمارة واستهانوا بالتخوم
وتناثرت في ليلهم حمر النجوم
قشتالة امتشقت هنا أعناقهم
من أين يأتي للعيون جفونها؟
من أين يا نخل العراق نمرّ إن
عثرت بحكام الطوائف شمسنا
من أين يأتي تاشفين!!
وبرغم سنين القهر والمجاعات والمحن والمسغبة، والاحتلال
والتشرذم.. فإن وردة بغداد تفوح منها الروائح الجميلة:
وتذوقت بغداد فاكهة الصهيل،
ورأيت موّال العقيدة باسقاً
في ظله تخضرُّ أشواق الملايين التي
لم تبتسم لوعود أمريكا ولم
ترقص على حلم السبايا في العراق
وذرفت يا بغداد دمعة حسرة
مما رأيت على جبينك من أسى
ومنيت بالصبر الجميل
وقرأت بين الناس اسمك مسهباً
يا وردةً هزمت جيوش المستحيل!!