قبسات
ثقّفوا السياسة ولا تسيّسوا الثقافة!
أن تكون مثقفاً فهذا أمر يخصّك أنت وحدك، أن
تكون مشاركاً في الحراك الثقافي العربي فهذا دورك في المجتمع، قد تنجح في
تفعيله وتؤثّر وقد تفشل في التأثير والتأثّر؛ فتصبح كمن جاء وراح.. ثم أراح
واستراح.
لقد تحدثنا عن دور المثقف وأساليب التأثير والقيادة والريادة، وهنا اعترض البعض
وعلّقوا بأن أي مثقف قد يستطيع أن يقوم بهذا الدور، ولكن أين هو المثقف الرسالي
الواضح الأهداف؟
أدونيس، علي سالم، "ضراب الطبل"، "نافخ البوق والكير"، "الأقلام المرتهنة"،
"الحبر المسموم"، كل هؤلاء يمكن أن يؤثروا في الساحة الثقافية سلباً، ولكنهم
مثقفون يهدفون إلى التقاط اللحظة واغتنام الفرصة، وحين تنضج الفكرة يدّعون
أبوّتها ليقطفوا ثمرتها!! فتراهم يسعون قدماً إلى كل ما يزيد من رصيدهم ووزنهم
(والوزن يحتسب الكتلة وليس النوعية والجودة) من أجل الوصول إلى "جائزة نوبل" أو
إلى "جائزة بيريز".
ليس هدف المثقف أن يكون –إذا استطاع- قائداً فحسب، بل إن أجلّ هدف عنده هو أن
يؤدي رسالته التي يؤمن بها؛ دون أن تكون رسالة وصولية مصلحية، بل أن تكون رسالة
خير وحق، فيبذل في سبيلها الغالي والنفيس، وعند ذلك يجتهد أن يكون قائداً
ورائداً فيها.
وبقدر ما تكون الرسالة سامية، يكون سمو حاملها وقدره. وبقدر ما تكون الرسالة
دنيئة، تكون دناءة حاملها وحطته.
من أجل هذا، فإن الجو العام للمثقفين الفلسطينيين يشكو –وبوضوح- من متاهة وغموض
الرسالة التي يحملها المثقف الفلسطيني، وهذا –على حد قول صحفي فلسطيني- ما باحت
به تقاسيم وجه وزير الثقافة الفلسطيني زياد أبو عمرو أثناء المؤتمر الذي عقدته
الوزارة في القاهرة في أواخر تموز/يوليو الماضي حول مستقبل الثقافة الفلسطينية.
أليس من العيب أن يعاني المثقفون الفلسطينيون من أزمة الهوية والرسالة، مع أنهم
يحملون أبرز هوية وأهم رسالة بين مختلف الجنسيات.
لذلك كان الأجدى والأحرى بالمؤتمر الأخير المذكور أن يكون صاحب مبادرة أكثر
وضوحاً واتساعاً، وأن يأتي بثوابت وطنية فلسطينية تسمو عن السياسة، وتتخطى ما
يدّعون أنه "الواقع"!!.
ما زالت إشكالية المثقف السياسي أو السياسي المثقف تحطّ بثقلها على واقع
الثقافة الفلسطينية؛ حيث تختلف آراء الشخص الواحد بسبب انفصام في شخصيته، فيقول
عن قضية ما: أنا أقبل "بالواقع" كسياسي، ولكني أرفضه كمثقف!!
هذا الانفصام يضع الفلسطيني أمام إشكالية الرأي الحرّ والرأي المضغوط. ويجد
نفسه محتاراً بين المثقف الرسالي الملتزم وبين السياسي الواقعي المراوغ.
من هنا ننادي أرباب السياسة الفلسطينية لتدارك الوضع السياسي الخطير الذي وصلت
إليه قضيتنا:
ثقّفوا السياسة ولا تسيّسوا الثقافة!
المحرّر الثقافي