القرار الأوروبي ضدّ حماس:
ما هي منطلقاته وأبعاده الاستراتيجية
بون/نبيل شبيب
كان الإعلان عن قرار الاتحاد الأوروبي بعد تردّد طويل بصيغة غلب
عليها القول: وأخيراً خضع الاتحاد الأوروبي للضغوط الأميركية، فأدرج الجناح
السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، على قائمة المنظمات الإرهابية وفق
التصنيف الأوروبي. وفي هذا القول تبسيط للموقف الأوروبي، وللقرار نفسه، وإشارة
إلى أنّ القرار الأوروبي كان "مفاجئاً" لكثير ممّن يتابعون القضية، وكانوا
يأملون على ما يبدو في أن يبقى الموقف الفرنسي المعارض في الدرجة الأولى حاجزاً
دون اتخاذ قرار جماعي.
منظور العلاقات الأوروبية - الأميركية
لن تستقيم التوقعات تجاه سياسة أوروبية تقترب من الصواب نسبياً، وتتميّز عن
السياسة الأميركية في قضية فلسطين، إلاّ إذا وُضعت سلسلة من الاعتبارات في
الحسبان، مع الامتناع عن ترجيح أحدها دون مبرّر موضوعي. والسياسة الأوروبية
سياسة واقعية بمعنى الكلمة السائد في الغرب، فهي تبني مواقفها أوّلاً وأخيراً
على الثوابت الأوروبية، وعلى موازنة المصالح المرتبطة بالأحداث الآنية، ومواقف
مختلف القوى ذات العلاقة.
من هذه الاعتبارات المؤثّرة على الموقف في قضية فلسطين، ما لا علاقة له بها
مباشرة أو بمجرى أحداثها، ويمكن تعداد أهمها بإيجاز:
1- إنّ التباعد المتواصل بين حلفاء الأمس الأميركيين والأوروبيين اكتسب صفة
الثوابت "الاستراتيجية" لدى الجانبين، ممّا ينطلق من تطوّر تاريخي متعدّد
المراحل، ومستقبل منظور لا يزال الصراع يدور فيه تحت عنوان رسم معالم نظام دولي
جديد.. وستبقى المرحلة التالية بذلك مرحلة أخذ وردّ ومساومات كبيرة وصغيرة تشمل
مختلف القضايا التي يتعامل الطرفان معها.
2- هذا التباعد لا ينفي وجود قدر كبير من المصالح المتشابكة المعقدة الناشئة عن
حقبة الحرب الباردة، ولا يخاطر أحد من الطرفين بوقوع مواجهة مباشرة تتجاوز
الخطوط الحمراء وتقوّض شيئاً منها مع ما يترتّب على ذلك من عواقب، وبالتالي لن
تصل الخلافات حول أي قضية "إقليمية" إلى مستوى المواجهة في المستقبل المنظور،
ويسري على قضية فلسطين التي "تحتكرها" واشنطن واقعياً، أنّ الاتحاد الأوروبي
سيضطر مرّة بعد أخرى إلى التصرّف معها وفق مصالحه الكبرى مع واشنطن، وليس وفق
المصالح الآنية ذات العلاقة المباشرة بالقضية والمنطقة.
3- إلى جانب الافتراق في المنطلقات وفي الثوابت الاستراتيجية على جانبي المحيط
الأطلسي، يوجد عدد من القضايا المشتركة ذات البعد الاستراتيجي المشترك لدى
الطرفين، وهنا تتطابق المواقف تلقائياً في أكثر من ميدان إقليمي ودولي، ومن ذلك
احتكار أسلحة الدمار الشامل، والخشية من تحوّل "الصحوة الإسلامية" إلى مشروع
حضاري يوحّد المنطقة الإسلامية، ويمكّنها من الوقوف على أقدامها مجدّداً، لا
سيّما إذا ساهمت في ذلك إنجازات "منظمات إسلامية" تسلك سبيل المقاومة المسلّحة،
كما في فلسطين، ممّا قد يعطي تلك الإنجازات موقع الشرارة لتحوّل شعبي وربّما
رسمي يشمل المنطقة.
المنظور الأوروبي والرأي العام
على صعيد قضيّة فلسطين ومجرى أحداثها يمكن أن نضيف عدداً من الاعتبارات الأخرى
ذات التأثير على صناعة القرار الأوروبي، وفي مقدّمتها:
1- لا يمكن أن يصدر قرار أوروبي من شأنه التأثير في مجرى القضية في اتجاه يعزّز
احتمالات انهيار "الكيان الصهيوني" بغضّ النظر عمّا ارتكبه ويرتكبه من "جرائم"
بمفهوم القانون الدولي، وبغضّ النظر عن درجة ارتباطه بواشنطن، حتى وإن أوصل هذا
الارتباط إلى الإضرار بمصالح أوروبية محدودة.
2- لا يمكن لأيّ قوّة دولية بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، أن تمارس سياسة تجاه
منطقة إقليمية، كالمنطقة العربية، دون أن تعتمد على "حلفاء" داخل المنطقة، وقد
كانت السياسة الأوروبية وما تزال تتردّد عن اتخاذ كثير من المواقف السلبية، إلى
أن تسبقها إلى ذلك الدول العربية نفسها، بل والسلطة الفلسطينية أيضاً.
3- لا يمكن الفصل بين القرار الأوروبي في قضية فلسطين والقرار الأوروبي في
قضايا أخرى كقضية العراق، أو قضية إيران، أو سواها من القضايا الساخنة، فالقرار
يصدر في كثير من الأحيان نتيجة مساومات ومقايضات بين القوى الدولية، تتضمّن
تنفيذ الرغبات بصورة متبادلة، ولا قيمة هنا للمصالح الإقليمية المحضة، أو
الاعتبارات القانونية الدولية، أو القيم الإنسانية والأخلاقية.
وممّا يؤسف له أنّ كثيراً من التوقعات تجاه السياسة الأوروبية بات ينطلق من
إعطاء تلك المعايير الدولية والإنسانية أكثر ممّا يؤخذ به في واقع السياسة
الدولية، علماً بأنّ تأثير هذه المعايير يصعد ويهبط بقدر ما يتكوّن من ورائه في
قضية بعينها "رأي عام" فعّال يضغط على صناعة القرار في الدول الغربية، وما دامت
قضية فلسطين على وجه التخصيص ضحية إعلام منحرف، ومنظمات غير حكومية متردّدة إن
لم نقل منحازة، فلن تتحوّل الأحداث على ضخامة العنصر المأساوي فيها، إلى وسيلة
ضغط على صناعة القرار، على غرار ما تحقّق في قضية فيتنام قديماً، أو تحقق جزئياً
في قضية العراق، نتيجة ما كان أثناء فترة الحصار من جهود سبقت الحرب، وجعلت
الرأي العام عاملاً مؤثراً على صناعة القرار الأوروبي، إلى جانب تأثير
الاعتبارات "الاستراتيجية" المذكورة آنفاً.
منظور الأحداث
المحلية
إنّ القرار الصادر عن الاتحاد الأوروبي بتصنيف حركة المقاومة الإسلامية (حماس)
في القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، صدر كحصيلة تفاعل الاعتبارات السابقة
جميعاً، وساعدت عليه عوامل آنية صنعها مجرى الأحداث، ويمكن إبراز أهمّ هذه
العوامل فيما يلي:
1- نجحت منظمات المقاومة عبر الإعلان عن وقف العمليات العسكرية وقفاً مشروطاً
لفترة من الزمن، في الحيلولة دون تحقيق الهدف الإسرائيلي - الأميركي، لتحويل
ساحة المواجهة مع الاحتلال إلى ساحة اقتتال فلسطيني بين المنظمات والسلطة،
وسرعان ما بدأت ممارسة سياسة جديدة تستهدف أمرين على الأقلّ، أوّلهما القضاء
المباشر على فعالية كبرى هذه المنظمات، أو إضعافها إلى حدّ كبير، وثانيهما
الإيقاع بينها وبين منظمات أخرى، بالتركيز عليها أكثر من سواها..
2- وبعد الإخفاق الإسرائيلي - الأميركي الذريع أيضاً في توظيف حكومة محمود عباس
للقيام بدور عجزت عن القيام به السلطة الفلسطينية بتشكيلتها السابقة مع انفراد
ياسر عرفات بزعامتها، عادت الجهود الأميركية - الإسرائيلية لتنصبّ في اتجاه
معاكس، وربط مستقبل السلطة نفسها بزعامة عرفات ومع احتضان حركة فتح لها،
بموقفها من حركة حماس أولاً، وهو اتجاه قد يصيبه الإخفاق الذريع أيضاً، فلم تعد
حركة فتح تجهل، أنّها ستكون الهدف التالي مباشرة بعد حماس، إذا قبلت بمساومة ما
تحت عنوان "إنقاد الرمز الفلسطيني" متمثلاً بشخص ياسر عرفات نفسه.
3- قبل صدور القرار الأوروبي مباشرة، صدر قرار أميركي مشابه رغم وجود قرار قديم
بشأن حركة حماس، وسارعت حكومة محمود عباس قبل استقالتها إلى تجميد حسابات عدد
كبير من الجمعيات الخيرية التي يقال إنّ لها علاقة بحركة حماس، وليس مجهولاً أنّ
تحرّك الحركة في معظم البلدان العربية، بما في ذلك ميدان جمع التبرعات مقيّد أو
محظور.. وإذا كان القرار الأميركي بمثابة إشارة مقصودة للقيام بحملة جديدة ضدّ
حماس، فإن الموقف الرسمي؛ الفلسطيني والعربي، كان واقعياً بمثابة " عامل تشجيع"
للاتحاد الأوروبي للخروج من تردّده المعروف في الأسابيع القليلة الماضية، لا
سيّما بعد تغييب الموقف الشعبي، داخل فلسطين المحتلّة إعلامياً، وفي البلدان
العربية من خلال مختلف وسائل التعتيم ووسائل القمع والكبت.
إنّ القرار الأوروبي في إطار هذه المعطيات جزء من مساومات أوروبية - أميركية،
تتضمّن على الأرجح التجاوب مع واشنطن على حساب شعب فلسطين (وفي قضية أفغانستان)
جنباً إلى جنب مع محاولة انتزاع –أولاً- مواقف أميركية جديدة في قضية العراق،
ومع محاولة الحصول –ثانياً- على موافقة إسرائيلية ظهرت بوادرها من قبل لقيام
الاتحاد الأوروبي بدور أكبر في المنطقة، وكذلك مع العمل المشترك –ثالثاً- على
إضعاف "العنصر الإسلامي" الذي يمثّل العمود الفقري للانتفاضة الفلسطينية، وهو
ما يمثل هدفاً أميركياً – إسرائيلياً - أوروبياً مشتركاً، ولا يجد "معارضة"
رسمية عربية أو فلسطينية، إن لم نقل بوجود موافقة ضمنية على ذلك.
ويتخذ القرار صفة قرار سياسي محض، لا ينطلق من واقع القضية نفسها، وإن ارتبط
بالمجرى الظاهري للأحداث الراهنة، وينطوي استهداف حماس بالذات على إدراك سائر
الأطراف أنّها لم تعد مجرّد "منظمة من منظمات المقاومة" في إطار قضية كبرى، بل
باتت تمثل المحور الرئيسي للقضية، بمنظورها الفلسطيني والعربي والإسلامي على
السواء.
ويبقى من الثابت في الوقت نفسه أنّ قضية فلسطين أيضاً لم تعد منذ الانتفاضة
الأولى على الأقل، قضية افراد ومنظمات، إنّما عادت إلى موضعها الطبيعي، قضية
شعب وأرض، وقضية احتلال وتحرير، وقضية مقاومة مشروعة لم يعد يوجد سبيل سواها
لتحقيق هدف التحرير المشروع. ولئن كانت الضربات السياسية والعسكرية الراهنة،
تستهدف في الدرجة الأولى إرجاع مجرى القضية إلى مربّع المساومات السياسية على
حقوق ممسوخة، وحدود غير آمنة، ومسائل أخرى فرعية، فإنّ سائر ما يمكن تحقيقه عبر
التحركات الأميركية والأوروبية والإسرائيلية، وما يمكن أن ينحرف بمجرى الأحداث
الآنية عن طريق الانتفاضة والمقاومة، لا يمكن أن يستقرّ على أرض واقع الشعب
الفلسطيني، وواقع القضية، بعد أن تجاوزت التطوّرات والأحداث مرحلة الهزائم
والنكبات المتوالية، وفتحت أبواب الصمود والمقاومة، وهي الأبواب الموصلة
للتحرير آجلاً أو عاجلاً.