فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

FM-M Oct 2003
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
تقرير
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون فلسطينية4
رأي
الملف1
الملف2
الملف3
مقابلة
شؤون عربية1
شؤون عربية2
شؤون عربية3
شؤون دولية
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
حصاد الأيام
قناديل الشهادة
سيرة شهيد
بريد القراء
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

شؤون عربية3

القضية العراقية...
بين بطلان الاحتلال ومشروعية المقاومة

أ.د. خليل إسماعيل الحديثي
أستاذ القانون الدولي والمنظمات الدولية في جامعة بغداد
المقاومة قرينة الاحتلال، وهي لا تنشأ إلا حين يحتل أجنبي إقليم شعب من الشعوب أو جزء منه، إذن.. لولا الاحتلال لما عرفنا المقاومة. وكل احتلال أو غزو مهما كان أمدهما محدوداً، هما من الثمار الفجّة للحرب وهما عملان من أعمال العدوان، الذي عرفته الجمعية العامة للأمم المتحدة وحددت صوره بقرارها رقم 3314 لعام 1974 بأنه: "استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأية صورة أخرى تتناقض وميثاق الأمم المتحدة".
والغزو والاحتلال الحربي بوصفهما من أعمال العدوان، فإنهما في فقه القانون الدولي يعدان عملين باطلين وغير مشروعين، وعليه فهما يمثلان حالة فعلية مؤقتة وليس وضعاً قانونياً دائماً، ويتحدد دور القانون الدولي في مواجهة هاتين الحالتين بالعمل على التخفيف من وطأتهما والسعي نحو إزالتهما، تمهيداً لعودة السلطة إلى شعب الإقليم المحتل.
إن بطلان الاحتلال الحربي وما يجره من آثار تترتب عليه ناشئ من قاعدة من قواعد القانون الدولي المعتبرة التي لا يجوز العمل بنقيضها أو مخالفتها، ذلك لأن الحرب لم تعد محرّمة في القانون الدولي وحسب، بل إن فقه هذا القانون قد تحوّل من استخدامها متجهاً بذلك لا إلى تحريم الفعل فقط، بل إلى إنكار استخدام المصطلح أيضاً.
وهكذا جاء ميثاق الأمم المتحدة خالياً من كلمة حرب إلا في الديباجة وفي معرض الكلام عن حيثيات إنشاء الأمم المتحدة ومقاصدها وكونها ستنقذ الإنسانية من ويلات الحرب، بل ذهب الميثاق إلى أبعد من ذلك حينما حرم التهديد باستخدام القوة فضلاً عن استخدامها بالنص، على أن "يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".

حالات استخدام القوة
وقد أباح ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة حصراً في حالات ثلاثة، وما عداها فهو عدوان تجب مقاومته، وتصبح المقاومة آنذاك مشروعة متى كان استخدامها القوة وكيف كان.
ولعلّ من المفيد أن نورد تلك الحالات الثلاثة كي نتبين هل كان استخدام القوة من قبل الولايات المتحدة الأميركية و"رديفتها" بريطانيا من بين تلك الحالات المباحة أم هو عدوان بالوصف الذي أوردته الجمعية العامة؟ وهي:
1. استخدام القوة المسلحة إزاء أية دولة كانت أثناء الحرب العالمية الثانية معادية لإحدى الدول الموقعة على الميثاق، والمقصود بذلك دول المحور، وهذا النص أورده الميثاق لكي يعالج مرحلة انتقالية ولم تعد قائمة ولذا أصبح وجوده في الميثاق معطلاً.
2. إباحة حق الدفاع الشرعي عن النفس على نحو فردي أو جماعي، وهو حق طبيعي اعترفت به صراحة المادة (51) من الميثاق، وهذه الإباحة مقيدة بشرطين: أولهما، أن يكون الاعتداء مسلحاً، وثانيهما، أن يستخدم هذا الحق بالقدر الذي يدفع العدوان ريثما يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن.
3. استخدام القوة المسلحة استجابة لمقتضيات الأمن الجماعي الذي يفرض من قبل الأمم المتحدة، ويتولاه مجلس الأمن بوصفه موكلاً عن المجتمع الدولي في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وليس لتحقق مقصد من مقاصد السياسات الوطنية لأية دولة أو مجموعة دولية بعينها.
وإذا ما عرضنا أياً من الحالات الثلاثة المباحة في القانون الدولي، فلن نجد استخدام القوة من قبل الولايات المتحدة الأميركية ورديفتها بريطانيا ضد العراق يشكل أياً منها.
فلا العراق من دول المحور التي لم تعد نظمها السياسية قائمة حتى في دولها الوريثة، وليس في وسع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا الزعم بأنهما يردان عدواناً عراقياً مسلحاً حالاً وقائماً على إحداهما أو كلتيهما.
أما الحالة الثالثة فهي إمكانية استخدام القوة المسلحة استجابة لمقتضيات الأمن الجماعي، لإقرار السلم والأمن الدوليين تحت مظلة الأمم المتحدة ممثلة بجهازها التنفيذي "مجلس الأمن"، وهو ما سعت الولايات المتحدة وبريطانيا لإخفاء المشروعية على عملها العسكري، حين استخدمتا شتى وسائل الترغيب والترهيب إزاء أعضاء المجتمع الدولي وخاصة الدول أعضاء المجلس، إلا أنهما أخفقتا في ذلك ولم تستطيعا استصدار قرار يخوّل استخدام القوة ضد العراق. ولعلّ الجميع يذكر ذلك العمل المحموم الذي سبق العدوان على العراق فيما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية الابتزاز" التي مارستها الولايات المتحدة الأميركية مباشرة أو بتسخير حاملي ملفاتها من الدبلوماسيين البريطانيين، وهم يطوفون عواصم العالم لتسويق مشروعات يمكن أن تبيح استخدام القوة ضد العراق أو تشكل غطاءً لاستخدامها.

شرعية مقاومة الاحتلال
ولما لم تتكلل دبلوماسية الابتزاز القذرة تلك بالنجاح، أسفرتا عن وجههما الحقيقي في دعاوى ثبت بطلانها، كالزعم بحيازة العراق أسلحة تدمير شامل قد تهدد دولاً قريبة أو بعيدة، وهو زعم رغم ما شابَهُ من انتقائية وازدواجية كفيلة ببطلانه ابتداءً، فقد ثبت بطلانه انتهاءً حين احتُلّ العراق فلم تجد قوات الاحتلال شيئاً مما ادعته.
أما وأن العراق قد اعتُدي عليه بعمل عسكري مسلح سافر كان من أخطر آثاره انتهاك سيادة العراق والاعتداء على سلامته الإقليمية واستقلاله السياسي، فإنه أصبح تحت حالة احتلال حربي تمّ توثيقه باستصدار قرار مجلس الأمن رقم 1483 في 22 أيار/مايو 2003، وبه وضعت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا نفسيهما "بغباء مقرون بطمع" في وضع يرتب عليهما واجبات والتزامات بوصفهما قوّتي احتلال، ويمنح المقاومة حقوقاً وامتيازات يتعين شمولها بهما.
ففي حين طوّعتا مجلس الأمن وحملتاه على إصدار القرار المذكور لكي تستأثرا بثروات العراق وطاقاته البشرية والمادية، وهي واحدة من أهم أسباب العدوان عليه، رضيتا بوصف قواتهما بأنها قوات احتلال ووصف دولتيهما بأنهما سلطة احتلال.
وهذا يرتب عليهما واجبات والتزامات تبدأ بالمحافظة على سلامة الإقليم المحتل وضمان الأمن لشعبه، مروراً بإبقاء الأوضاع الفعلية والقانونية بما في ذلك هيئات ومؤسسات الدولة دونما تغيير أو تعديل أو إلغاء، وانتهاءً بالالتزام بزوال الاحتلال وعودة السيادة الكامنة في شعب الإقليم في فترة الاحتلال إلى مزاولتها صراحة وفعلاً بزواله، وهو ما تفرضه قوانين الاحتلال الحربي المشار إليها صراحة في اتفاقيات لاهاي لعام 1899 و 1907، واتفاقية جنيف لعام 1906، واتفاقيات جنيف الثلاثة لعام 1929، واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، وخاصة الاتفاقية الرابعة منها التي تعالج أوضاع المدنيين في المنازعات المسلحة.
وهي الاتفاقيات التي اعترفت بشرعية المقاومة المسلحة بنوعيها:
1- المقاومة المسلحة المنظمة.
2- المقاومة الشعبية التلقائية.
ولقد ذهبت اتفاقيات جنيف لعام 1949 أبعد من ذلك، حين تعدت الاعتراف بمشروعية المقاومة إلى شمول أفرادها بجميع أحكام الرعاية الإنسانية المعترف بها للجيوش النظامية، سواء بالنسبة للجرحى أو الغرقى أو الأسرى أو القتلى.
ورتبت المسؤولية الدولية على الدولة الغازية أو المحتلة في مخالفتها هذه القوانين، سواء أكانت صادرة من جيوشها النظامية أو من قبل المرتزقة الملحقين بجيش الاحتلال.
ثم إن صياغة القرار المذكور توحي بأن واضعيه أرادوا إشراك الأمم المتحدة بالمغارم بعد أن استأثر المحتلون بالمغانم، محاولين اصطناع دور لهذه المنظمة شبيه بدور الوصاية الذي كانت تمارسه من قبل على أقاليم وبلدان وشعوب لم تكن تتمتع بالاستقلال حين أنشئت المنظمة. وهذا الدور لم يعد قائماً من الناحية الفعلية بعد أن استقلت تلك الأقاليم والبلدان والشعوب، وهو ما حمل الأمم المتحدة نفسها على مناقشة جدوى بقاء جهاز من أجهزتها الرئيسية وهو مجلس الوصاية.
فما بالك بإخضاع دولة مستقلة لنظام لم يعد قائماً من الناحية الفعلية وهي دولة من الدول المؤسِّسة للأمم المتحدة وعضويتها فيها أصيلة، لا تمتد إلى المشاركة في التأسيس فحسب، بل هي من أولى دول العالم التي ظفرت بعضوية عصبة الأمم منذ عام 1932.
ثم إن ميثاق الأمم المتحدة جاء صريحاً بمنع تطبيق نظام الوصاية على الدول المستقلة بنصه: "لا يطبق نظام الوصاية على الأقاليم التي أصبحت أعضاء في هيئة الأمم المتحدة، إذ العلاقة بين أعضاء هذه الهيئة يجب أن تقوم على احترام مبدأ المساواة في السيادة". المادة 78 من الميثاق.
والحاصل أنه لا مراء في أن الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ومن حالفهما أو سينطوي تحت لوائهما حتى وإن اتخذوا صيغة تسخير علم الأمم المتحدة أو جامعة الدول العربية لهذا الغرض هي قوات احتلال معتدية، وإن المقاومة أياً كان شكلها أو مستوى تنظيمها، هي من قبيل الكفاح المسلح المشروع، سواء كان احتلالاً أم استعماراً، فهو في الصورتين جريمة دولية كما قررت الأمم المتحدة نفسها في قرارها الأشَهر رقم 1514 المتخذ في دورة الجمعية العامة الخامسة عشرة لسنة 1960، الذي عُرف فيما بعد بقرار تصفية الاستعمار، والذي أنشئت بمقتضاه لجنة تصفية الاستعمار وكان العراق عضواً مؤسِّساً فيها.
وهكذا فإن المشروعية هي الثوب الذي تكتسبه المقاومة العراقية لأنها حق لصيق بشعب الإقليم المحتلة أراضيه، ولا مشروعية للمحتل لأنه قارف عدواناً باطلاً، هو أقرب إلى أعمال العصابات المارقة من القانون الدولي السائد منه إلى مقتضيات العلاقات الدولية التي يجب أن تقوم على أساسه.
وقبل ذلك وبعده فإن المقاومة العراقية تستمدّ شرعيتها ومشروعيتها من الله، وهو الشارع الأعظم القائل في محكم التنزيل "أذن للذين يقاتَلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير".

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003