الأردن يحسّن علاقاته مع الكيان
الصهيوني:
البضائع الإسرائيلية في أسواق بغداد عبر عمان
عمان/خاص
الأحداث التي شهدتها الساحة الأردنية في خريف عام 2002، باستهداف الحكومة
للنقابات المهنية ولجان مقاومة التطبيع هو نوع من أنواع الهجوم المضاد
والاستباقي تماشياً مع الاستحقاقات العامة الدائرة والمتولدة في المنطقة بعد
سقوط بغداد والانهيار الشامل للنظام العراقي. ولم يكن ضيق الحكومة الأردنية من
مقاومي التطبيع سوى بدء الانتقال الرسمي في شراكتها السياسية وعلاقتها الخاصة
من الولايات المتحدة إلى الكيان الصهيوني بشكل أوطد من ذي قبل، وهو ما يظهر من
خلال المناطق الصناعية المؤهلة والتبادل التجاري والتعاون الامني الذي يتم تحت
عنوان مكافحة الإرهاب. ومع تحولات البنية الاقتصادية والسياسية باتجاه المرحلة
الجديدة، وفقدان هامش المناورة مع المنظومة العربية والعمل العربي المشترك،
أضحت العلاقة الأردنية – الإسرائيلية أكثر حيوية من السابق مما يتيح للعدو
الصهيوني إعادة صياغة نفسه على قاعدة تشكيل إقليمي جديد حسب مخططه الموضوع له
منذ البداية.
علاقات لم تنقطع
الشارع الأردني مقاوم للتطبيع بصورة متأصلة، ولا يقل عن الشارع المصري، وإن كان
حجم ونوع الضغوطات التي تمارس عليه أقسى بكثير مما يمارس على الشارع المصري.
ومع ذلك نجح الشارع الأردني في تبنّي ثقافة مقاومة التطبيع عن رغبة وقناعة،
وتجاوز النخب السياسية والأحزاب. ومن خلال الإبقاء على حالة العداء لتكون في
الجاهزية حال تغير الموازيين والإمكانات المادية والعسكرية والجغرافية،
والاستمرار في تغذية الجيل الجديد، وقد انحصرت بذلك مظاهر التطبيع مع العدو
الصهيوني في المستوى الرسمي.
من هنا كان عدم إعلان الحكومة الأردنية عن موعد زيارة سلفان شالوم؛ وزير
الخارجية الإسرائيلي، إلى عمان في ختام جولته التي زار فيها المغرب والدوحة،
يستهدف عدم إثارة الرأي العام الغاضب من أي تطبيع مع العدو في ظل المجازر
اليومية التي يرتكبها جيش الاحتلال بحق أبناء الشعب الفلسطيني. ذلك أن شالوم
يأتي للطلب من الدول العربية إعادة تنشيط علاقاتها مع تل أبيب بعد أن أغلقت كل
من قطر وعمان والمغرب وتونس المكاتب التجارية الإسرائيلية في أراضيها، فيما
سحبت مصر سفيرها وأرجأ الأردن إرسال سفيره إثر اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة.
وزير الخارجية الأردني استبق زيارة شالوم بالتصريح أن الأردن لا يعارض من حيث
المبدأ إرسال سفيره إلى تل أبيب؛ إلا أنه يتحين الظروف المواتية لذلك. وهذه
التصريحات جاءت في سياق اتفاق أردني – أميركي يقضي بإعادة السفير الأردني مقابل
إفراج الحكومة الإسرائيلية عن ثمانية من المعتقلين الأردنيين أمضوا سنوات طويلة
في سجون الاحتلال. وقد أشار مصدر سياسي أردني في وزارة الخارجية أن زيارة وليام
بيرنز الأخيرة للأردن حملت هذه الصيغة لإنهاء ملف القطيعة في العلاقات بين عمان
وتل أبيب. ونتيجة لذلك، تعمل وزارة الخارجية الأردنية على اختيار واحد من بين
ثلاثة مرشحين لشغل منصب السفير الأردني لدى الكيان الصهيوني، غير أن هناك حرجاً
لدى هؤلاء المرشحين من القبول بهذا المنصب لا سيما مع اتساع الرفض الشعبي لأي
علاقة أردنية مع الدولة العبرية.
وفي سياق متصل، وصل يعقوب هداس -السفير الإسرائيلي المعين في الأردن- إلى عمان،
وباشر أعماله اعتباراً من يوم الأحد الموافق 7 أيلول/سبتمبر خلفاً للسفير
السابق الذي تعرض لقطيعة شعبية وشبه رسمية على كافة المستويات اضطرته لإلغاء
حفلات السفارة. وهداس هو السفير الإسرائيلي الرابع الذي يعمل في الأردن، وهو
يعد من أعرق موظفي وزارة الخارجية الإسرائيلية، وسبق أن عمل رئيساً للمكتب
التجاري الإسرائيلي في الدوحة قبل أن يتم إغلاقه.
هذا التطبيع السياسي لا يمكن فصله عما تشهده العلاقات الأردنية – الإسرائيلية
الرسمية من اتصالات متعددة لمحاولة إنجاح خارطة الطريق التي ترعاها الولايات
المتحدة. ولا تعبأ الحكومة الأردنية من تصاعد الغضب الشعبي نتيجة استمرار هذه
الاتصالات وسط الجرائم التي ترتكبها حكومة شارون وجيش الاحتلال بحق أبناء الشعب
الفلسطيني.
الطريق إلى بغداد
كان النظام العراقي السابق يتبنى سياسة متشددة ورافضة للتعامل بأي شكل مع
المنتجات والصناعات الإسرائيلية أو تلك التي تسهل وتتبنى عملية إعادة تصديرها
للعراق، ولكن في ظل إدارة الاحتلال الأميركي وغياب نقاط التفتيش والمراقبة
والجمارك على الحدود الأردنية – العراقية، أصبح العراق في بؤرة الاهتمام
الإسرائيلي حيث يحاول الصهاينة بذل جهودهم بجني ثمار الإطاحة بالنظام المعادي
لهم، ومن هنا فإن دخول منتجات إسرائيلية إلى العراق عبر الأردن أمر وارد، بل إن
رئيس معهد الصادرات الإسرائيلية توقع أن تتجاوز قيمة الصادرات الإسرائيلية
للعراق خلال السنوات الثلاث القادمة مبلغ الـ(100 مليون) دولار سنوياً. وبحسب
صحيفة "يديعوت أحرونوت" فإن المشاريع الإسرائيلية في العراق ستتركز على البنية
التحتية والمشروعات الغذائية والتعاون مع شركات من أميركا وتركيا والأردن
وبولندا والتشيك وأستراليا.
وأخطر ما في التفويض العام الذي وقّعه وزير المالية الإسرائيلي والذي يجيز
العلاقات التجارية مع العراق، أنه فتح شهيّة آلاف رجال الأعمال الإسرائيليين
الذين يتطلعون للسوق العراقي بمنظار أردني وتسهيلات وخدمات مجانية أردنية، تتيح
للإسرائيليين تصدير ما قيمته مليار دولار سنوياً. وبتوصية وزارة الدفاع
الأميركية أن تكون مشاركة الشركات الإسرائيلية في إعادة إعمار العراق تحت غطاء
مصري أردني، قامت تلك الشركات بتقديم عروض بالفعل والبدء بإنشاء شبكات اتصال
وبنى تحتية في الأردن، وذلك لتكون مستعدة للمنافسة المتوقعة على السوق العراقي
والتأهب للوقت المناسب.
وقال إيهود أولمرت؛ وزير التجارة والصناعة الإسرائيلي، إنه سيكون من السهل
بالنسبة للولايات المتحدة دمج شركات أردنية في مشاريع إعادة إعمار العراق، من
دمج شركات إسرائيلية بسبب حساسية الدول العربية والعراق في العمل المباشر.
في حزيران/يونيو الماضي عُقد في العاصمة الأردنية عمان مؤتمر تحت يافطة إعادة
إعمار العراق، ضم رجال أعمال أردنيين وعراقيين وممثلين عن شركات عالمية من
الولايات المتحدة وأوروبا وبلدان غربية أخرى بالإضافة إلى ممثلين عن (21) شركة
إسرائيلية، وهو ما لم يُعلن عنه بشكل رسمي. وتضمن الهدف المباشر للمؤتمر معاونة
الشعب العراقي على القيام بإصلاحات اقتصادية وبنائية، غير أن الهدف الأساسي
تمثل في الاتفاق على حصة كل شركة من نسبة مشروعات الإعمار. وحصلت الشركات
الإسرائيلية على مشروعات تصل إلى (11) مليار دولار في غضون ثلاث سنوات، لتعمل
تحت إشراف برنامج المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، مما سيفتح الأجواء أمام
الكيان الصهيوني لدخول الأسواق العربية واختراق حاجز المقاطعة. واستكمالاً لهذا
المؤتمر يشارك رجال أعمال أردنيون وعراقيون وإسرائيليون في التحضير لإنجاح
مؤتمر دولي سيعقد في تل أبيب لتطوير الصادرات الإسرائيلية إلى العراق في الشهر
المقبل على الأرجح.
وقد أكدت مصادر اقتصادية أردنية أن رجل أعمال أردني معروف بعلاقاته التطبيعية
بدأ بالاتصال والقيام بعمليات وساطة بين رجال أعمال وشركات إسرائيلية من جهة،
ورجال أعمال وشركات أردنية ومستثمرين ووسطاء عراقيين يقيمون في عمان من جهة
أخرى، وأن هناك شركات أردنية بدأت بنقل بضائع ومنتجات إسرائيلية إلى العراق.
ضخ النفط العراقي إلى حيفا
بعد أن سيطرت الإدارة العسكرية الأميركية ببغداد بشكل مباشر على عمليات إنتاج
وتسويق النفط في العراق، بات من المؤكد أن تُبرم شركات نفطية إسرائيلية عقوداً
تجارية مع قطاع البترول العراقي، كما أن سلطة الاحتلال الأميركي يمكن أن تتصرف
بالنفط العراقي وتسوقه إلى الدولة العبرية انطلاقاً من قرار مجلس الأمن الدولي
الذي خوّل الاحتلال سلطة إدارة العراق. وقد نشط وسطاء عرب من المطبعين لتسويق
النفط العراقي إلى الكيان الصهيوني، عبر الطريق البري إلى الأردن. ولذلك جددت
الولايات المتحدة الأميركية مساعيها الرامية إلى إعادة تشغيل خط الأنابيب
الواصل بين كركوك وميناء حيفا الذي توقف منذ نهاية الانتداب البريطاني على
فلسطين عام 1948. ورغم تكرار الرفض الأردني وتأكيده غير مرة رفضه التباحث
بشأنه، إلا أن الموضوع طُرح على بساط البحث خلال المحادثات التي أجراها
الإرهابي شارون مع الرئيس الأميركي خلال زيارة الأول إلى واشنطن. ومن المتوقع
أن تعاود الولايات المتحدة الأميركية ممارسة الضغوط على الأردن لقبول تجديد
وترميم خط النفط العابر ضمن أراضيه.
إن تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني في الوقت الذي يمارس فيه جيش الاحتلال
أبشع جرائمه ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وتطور العلاقات التجارية بين العراق تحت
الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني من شأنه أن يعزز المقاومة الفدائية المسلحة
ضد قوات الاحتلال الأميركي من جهة، وسيؤدي إلى استفزاز الشارع العربي ضد
الاحتلال الإسرائيلي والوجود الأميركي على الأرض العربية من جهة أخرى. وكما إنه
سيؤجج الغضب الشعبي على من يمارس هذا التطبيع، مما يترتب عليه تداعيات لا تساعد
على استقرار الأوضاع الداخلية والاقتصادية في المنطقة.