القدس/مها عبد الهادي
كانت الحقيقة التي أعلنها رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون أمام لجنة
الخارجية والأمن في الكنيست بداية شهر أيلول/سبتمبر الماضي 2003 بأنه لم يقدّم
شيئاً للفلسطينيين وأنه لن يقدّم لهم شيئاً في المستقبل، هي الثمن الذي قبضته
سلطة الحكم الذاتي على تساوقها الأمني مع الكيان الصهيوني وإعادة التنسيق
الأمني معه ضمن الدور الذي طالبتها به "خارطة الطريق"، بعد طرحها في العام
الثاني من انتفاضة الأقصى المباركة التي تدخل الآن عامها الرابع.
هذه الحقيقة اكتشفتها السلطة مراراً لكن دون أن تستخلص العبر منها، مع أن
المنطق والحقائق على الأرض كانا يطالبانها في كل مرة بعكس ذلك.
كان ذلك واضحاً في سلوك حكومات سلطة الحكم الذاتي الست السابقة، وآخرها حكومة
محمود عباس (أبو مازن) الذي حاول في خطاب التقييم لأداء حكومته في المائة يوم
الأولى من عملها أن يتلاعب بالحقائق ويبسّط العقبات والتعقيدات، حينما صوّر
الحكومة الإسرائيلية التي لبّى جميع مطالبها الأمنية بأنها لم تقابل المحاولة
الفلسطينية الجادة لترتيب آلية لإعادة المسار السياسي مع الجانب الإسرائيلي
بـ"الاستجابة الكافية"، ولم تتقدّم على نحو ملموس إلى الأمام، في حين أن
الحقائق الماثلة على الأرض تقول إن الحكومة الإسرائيلية نسفت وقتلت خارطة
الطريق قبل أن ترى النور، وواصلت العدوان والحصار والاستيطان والجدار والقتل
والاعتقال وهدم المنازل، بصورة تجعل عبارات مثل "الاستجابة الكافية" و"التقدم
على نحو ملموس" غير مناسبة بتاتاً بل واهمة ولا تصل إلى ما أعلنه شارون ونفّذه.
وكان من الممكن لحكومة أبو مازن، كما الحكومات الفاشلة الأخرى التي سبقتها، أن
تقيم تجربتها وأن تأخذ العبر وتصل إلى الاستنتاج المنطقي الوحيد، وهو أن حكومة
شارون معادية للسلام ولخارطة الطريق التي اخترعتها بنفسها ولإحياء المسار
السياسي، وأنه لا يمكن صنع السلام معها، لكن الحكومة الفلسطينية أصرت على تطبيق
خارطة الطريق من طرف واحد، وبدون الإصرار على تطبيقها عبر خطوات متبادلة
ومتوازنة ومتزامنة.
وليس بعيداً عن الذاكرة ما حدث بعد عملية القدس التي قتل فيها 22 صهيونياً،
والتي جاءت بعد خرق (إسرائيل) للهدنة، حينما طالبت الإدارةُ الأميركية
والحكومةُ الإسرائيلية الحكومةَ الفلسطينية بالشروع فوراً بمحاربة ما يسمونه
"الإرهاب" الفلسطيني وتفكيك بنيته التحتية ونزع سلاحه واعتقال منفذّيه، وإلا
ستخسر الاعتراف والدعم الأميركي والإسرائيلي، وستفقد الفرصة المتمثلة بإحياء
المسار السياسي وتطبيق "خارطة الطريق".
وبدلاً من أن تؤيد حكومة السلطة تلك العملية مع توفر الأسباب الكافية في المنطق
الدولي، اندفعت هذه الحكومة واستجابت للمطالب ووضعت لائحة من الشروط طالبت
بتنفيذها على الفور، مثل وضع كافة الأجهزة الأمنية تحت سيطرتها، والحصول على
دعم الرئيس والمنظمة وحركة فتح للحكومة في قيامها على الفور بتطبيق الالتزامات
الفلسطينية في خارطة الطريق"، وخصوصاً فيما يتعلق بنزع سلاح المقاومة وتفكيك
بنيتها التحتية واعتقال المقاومين، وهو الأمر الذي اصطدم برفض واسع حتى من
مؤسسة الرئاسة وحركة فتح وفي صفوف الشعب الفلسطيني بأكلمه، وليس فقط من قبل
حركات المقاومة، بل واصطدم أيضاً في أن حكومة شارون شرعت بشن عدوان عسكري شامل
بدأته باغتيال الشهيد إسماعيل أبو شنب، وتعاملت وكأن الحكومة الفلسطينية غير
موجودة، وأن المطلوب منها أن تشنّ حرباً ضد "الإرهاب الفلسطيني" في نفس الوقت
وجنباً إلى جنب مع قوات الاحتلال التي تشن حرباً لا هوادة فيها ضد هذا
"الإرهاب" نفسه.سلوك السلطة
ويمكن من خلال مراجعة سلوك السلطة الفلسطينية وملحقاتها خلال العام الماضي من
انتفاضة الأقصى الوقوف على الثغرات التالية:
1-إن ما حدث من تغيير حكومي سريع خلال الفترة القليلة الماضية لم يعنِ بالضرورة
الحالة الصحية الضرورية والمطلوبة في أي نظام سياسي يميل نحو التطوير والتجديد،
بل إنها انعكاس لأزمة سياسية عميقة يعيشها المجتمع، وبالتالي النظام السياسي
المعبر عن ذاك المجتمع.
ومما لا شك فيه إن النظام السياسي الفلسطيني قد تعرض لهزة قوية إثر الاجتياح
الصهيوني العام الماضي، هذه الهزة كادت تطيح به، وبكل الإنجازات التي راكمها
الشعب الفلسطيني بتاريخ طويل من النضال والتضحيات الجسام، غير أن هذه الهزة قد
أدخلت عوامل للتغيير والتجديد افتقرها النظام داخلياً، وبدأت تفرض بفعل
تداعياتها جملة من التغيرات والإصلاحات الداخلية في بنية النظام السياسي نفسه،
استهدفت في السياق نفسه تغيير مضمون وطبيعة ووظيفة النظام السياسي الفلسطيني
وبالطبع قيادته، لتكون أقرب ما تكون إلى قيادة لحدية جديدة تلعب دوراً أمنياً
للحفاظ على أمن الاحتلال والمستوطنين، وتكريسه بصيغ سياسية تخدم المفهوم
الإسرائيلي للتسوية التي تقوم على حكم ذاتي للسكان وليس للأرض.
2-تزايد حدة الصراع بين الرئاستين على الصلاحيات والمسؤوليات وتفاقم أزمة تنازع
السلطات هذه بما أخذه من مظاهر سياسية وإدارية شتّى لم يقف تأثيره السلبي عند
حدود السلطة فقط، بل إنه زاد من حدة قلق الشارع الفلسطيني واتجاهات واسعة من
القوى والفئات السياسية والاجتماعية على مستقبل القضية الوطنية الفلسطينية
برمتها، والتي تتآكل كل يوم بفعل العوامل التي يولدها هذا الصراع والذي يترك
آثاراً في غاية الخطورة، ليس فقط على وحدة الموقف الوطني الفلسطيني فحسب وإنما
على الأولويات الوطنية المطروحة، خصوصاً وأن هذا الصراع جعل الأبواب مشرعة
لتزايد التدخل الخارجي من خلال استدراجه ليكون اللاعب الأساس في توفير الدعم أو
الغطاء لهذا الطرف أو ذاك.
ومن هذا الباب وقعت مؤسستا السلطة: الرئاسة ورئاسة الوزراء تحت المجهر
الإسرائيلي –الأميركي، وصولاً ربما لإحداث انعطافة نوعية في النظام السياسي
الفلسطيني، خصوصاً وأن الخلاف بين أبو عمار وأبو مازن طال النظام السياسي
الفلسطيني كله، أي السلطة والمنظمة وحركة فتح، وهو ما يفتح المجال ليس فقط أمام
مزيد من التدخلات الأميركية والإسرائيلية، وإنما يسهّل عملية إنشاء قيادة
فلسطينية بديلة، طالما اشتغلت (إسرائيل) عليها.
ويمكن القول إن هذا النمط من الصراع أطلق آليات ليس لها علاقة لا بنوايا
الأطراف الداخلة في الصراع ولا بأهدافها، وإنما بما يمكن أن يوصل إلى هدف حل
الصراع لمصلحته، وهذه الآليات أخذت منحيين: الأول استقواء بالأطراف الخارجية،
والثاني التنافس على تأدية الدور المطلوب وهو ما بدا خلال الأيام القليلة
الماضية من إجراءات تحمل أكثر من إيحاء ودلالة على الوصول إلى هذا المستوى من
الصراع.
3-أما النقطة الأخرى فهي في أزمة النظام السياسي الفلسطيني العميقة -المكوّن من
منظمة وسلطة وبرلمانين وسلطتين تنفيذيتين- أنه لا يواجه أزماته وأخطاءه
وإخفاقاته ولا يحلها، بل يتعامل معها بطريقة سطحية انتقائية شكلية، مما يحدّ
منها ويؤجل انفجارها لفترة لاحقة لا أكثر. فعلى سبيل المثال فإن الخلاف بين أبو
عمار وأبو مازن يقع في دائرة التصارع على السلطة وإن كان يرتدي صراعاً بين
منهجين، منهج أبو مازن في المراهنة على التسوية السياسية وفق خارطة الطريق،
والقبول بما هو مطروح، أي أن تنبثق المفاهيم السياسية من خلال الإجراءات
الأمنية، ورؤية عرفات أن تصفية المقاومة إذا لم تتأسس على مرجعية سياسية، وأفق
سياسي، "وثمن سياسي" مسألة محفوفة بالمخاطر، أي أن تتأسس الإجراءات الأمنية على
المفهوم السياسي، وتحديد كل المفاهيم الفرعية للصراع والتسوية السياسية. أي إن
الأزمة الراهنة سياسية، وليست أمنية. وقطبا الصراع يتوافقان على الخطوط
السياسية، وحول جدوى خيار المفاوضات والاشتباك السياسي، بيد أن الخلاف يتعلق
بتوقيت ووسائل وأسلوب تنفيذ الاستحقاقات، و"الثمن" المطلوب.
فالرئيس عرفات رفض توحيد أجهزة الأمن أو التخلي عن سلطته عليها. وهو إضافة إلى
ذلك قام بحركة استفزازية ومزاجية تمثلت بتسمية جبريل الرجوب (قائد الأمن
الوقائي في الضفة الغربية سابقاً) مستشاراً له للأمن القومي، برغم الشبهات التي
تحوم حول مسلكياته ومواقفه، وبرغم أنها تسمية صورية، لأنه ليس للرئيس مستشارون
فاعلون، ولا يوجد مجلس بهذا المعنى. وفوق ذلك فقد قام بترقية الرجوب من عقيد
إلى عميد، ما جعله في مرتبة أعلى من محمد دحلان، وزير الشؤون الداخلية، ونظيره،
أو غريمه، في قطاع غزة (سابقاً). وهذه وتلك إشارتان لهما مغزى مهم في إطار
التجاذبات في إطار السلطة الفلسطينية.
أما أبو مازن فقد ردّ على هذه الخطوات بالتلويح بدعوة المجلس التشريعي للانعقاد
مجدداً، بدعوى تقديم كشف حساب عن مئة يوم من عمل الحكومة، في محاولة لابتزاز
عرفات، سواء عبر التلويح بالاستقالة أو نيل الثقة به وبحكومته. كما قام بخطوات
مثل ضم موازنة الأجهزة الأمنية إلى موازنة الحكومة، إقالة رئيس ديوان الموظفين
المقرب من عرفات، وتعيين بديلٍ عنه. إضافة إلى الخطوات التي اتخذها على الصعيد
الفلسطيني مثل تجميد أرصدة الجمعيات الخيرية والطلب من الأجهزة الأمنية في قطاع
غزة الحفاظ على وقف إطلاق النار، وفي كل من هذه السلوكيات كان المزاج الشخصي هو
المسيطر على حساب الهمّ العام.
وليس أدل على ما يحدث من قول نبيل عمرو حينما قال "لم يكن واقعياً.. ولا
عملياً.. توقع أن تتم عملية تنظيم السلطة وتحديد الصلاحيات.. وفق قانون محدد.
ولنسمّه في هذه الحالة القانون الأساسي.. ذلك أن هنالك قانوناً يبدو أكثر أهمية
وفاعلية.. وفي حالات عديدة أكثر "شرعية" إنه "قانون التعود على عرفات"
والاستفادة من قراراته".
إن جملة الثغرات السابقة في السلوك السياسي لسلطة الحكم الذاتي مضافاً اليها
الانحياز الأميركي، ساعدا على إطلاق العنان ليد حكومة شارون لمواصلة سياسية
الاغتيال والقتل وتدمير البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية للشعب
الفلسطيني، بذريعة مكافحة الإرهاب، ولم تتوقف عند ذلك فقط بل واصلت سياسة
الحصار والخنق الاقتصادي والاجتماعي.
وهذا المسلك من قبل حكومة شارون مدعوماً من الولايات المتحدة قوّض بدوره خطة
"خارطة الطريق" التي جاءت الحكومة السابقة على أساس برنامج لتطبيقها، وقوض بنفس
الوقت قدرة الحكومة على البقاء والاستمرار بنفس الدور، لأنها أدخلتها في تناقض
داخلي كان لا يمكن لها أن تحلّه، باللعب على الكلمات والوعود المؤجلة.
فما كان مطلوباً من الحكومة السابقة أن تتواءم مع الوضع القائم وتقوم بمهمة
أمنية مكملة ومتناسقة مع المهمة الأمنية الصهيونية لتدمير ما يسمى بنية
"الإرهاب الفلسطينية"، على اعتبار أن الإدارة الأميركية تتعامل مع الوضع
الفلسطيني باعتباره ساحة صراع مع الإرهاب الدولي، وبالتالي فإن الحليف و"الشريك
الإسرائيلي" يواصل هذه المهمة ميدانياً.
ومن المعروف أن (إسرائيل) تسعى دوماً لنقل أزمة عملية التسوية السياسية إلى
الجانب الفلسطيني، للتملّص من الاستحقاقات المطلوبة منها في إطار "خارطة
الطريق" ولتوسيع دائرة الخلاف بين السلطة الفلسطينية والمعارضة، وجرّ
الفلسطينيين إلى ردات فعل توظفها كمبررات لإطلاق "رصاصة الرحمة" على "الخارطة".
لذا سارعت (إسرائيل) إلى التدخل في هذا الصراع، في مسعى منها لإنشاء قيادة
فلسطينية بديلة، طالما اشتغلت (إسرائيل) عليها.
هل تبقى الوظيفة أمنية؟؟
وما يمكن قوله بشكل ملخص إن السلطة في وجودها وبنائها ودورها منذ البداية ترتكز
إلى وظيفتها في تحقيق الأمن للكيان الصهيوني عبر ضرب المقاومة. ومن هنا جاء
اختيار واعتماد شارون وبوش لأبو مازن لثقتهم في عقيدته السياسية المعادية
للمقاومة والانتفاضة، وهو الهدف الذي سعى العدو إليه عبر الضغط على السلطة،
فلما فشل أو رفض عرفات توفير البضاعة المطلوبة تقرّر شطبه واستبداله بمن يبدي
الاستعداد لذلك.
وما يمكن قوله لقادة السلطة، إن المسؤولية في هذا الوقت الحرج ليست بتوزيع
الغنائم واقتسام كعكة السلطة فقط، وإنما المسؤولية تنطلق من الحفاظ على المصلحة
الوطنية والانحياز لها وليس الانحياز والاستقطاب لمصلحة أي من الطرفين.
لمتابعة الملف اضغط على الملف3