فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

FM-M Oct 2003
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
تقرير
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون فلسطينية4
رأي
الملف1
الملف2
الملف3
مقابلة
شؤون عربية1
شؤون عربية2
شؤون عربية3
شؤون دولية
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
حصاد الأيام
قناديل الشهادة
سيرة شهيد
بريد القراء
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

الملف2

في ظل التهديدات المتواصلة ومشروع شارون الاستراتيجي:
ما هو المطلوب فلسطينياً لحماية الانتفاضة ومنجزاتها؟


بيروت/رأفت مرة
لاقت انتفاضة الأقصى في عامها الثالث الكثير من الضغوط والتهديدات ومحاولات الإضعاف والاحتواء. ونشطت الآلة السياسية الدولية لاغتيال الانتفاضة عبر مبادرات وتحركات سياسية، كان أبرزها إعلان خارطة الطريق من قبل الولايات المتحدة قبيل بدء العدوان على العراق. وعلى الرغم من الاستبعاد المتعمّد لدور اللجنة الرباعية فإن خارطة الطريق خطت خطواتها الأولى نحو التنفيذ أثناء قمّتي العقبة وشرم الشيخ اللتين عقدتا في 3و4/6/2003 معلنة الحرب على المقاومة، عبر الضغط لإشراك السلطة الفلسطينية في هذه الحرب من زاوية البدء في تفكيك قوى المقاومة وجمع أسلحتها، أو من زاوية الزج ببعض الدول العربية في إطار التضييق على المقاومة وإقناعها على وصفها بالإرهاب أو الضغط عليها لوقف المساعدات المالية عن الشعب الفلسطيني.
واستطاعت المقاومة بفضل وعيها وحنكتها السياسية تجاوز الفخ الذي رسمه بوش وشارون في العقبة وشرم الشيخ. وأعلنت حماس والجهاد الإسلامي يوم 29/6/2003 تعليقاً مؤقتاً للعمليات تمسّكت به كل الأجنحة العسكرية الفلسطينية، بينما رفض الاحتلال هذه الهدنة وظل يمارس عمليات القتل والاجتياح حتى كان الرد بعملية الشهيد الشيخ رائد مسك في القدس.
وخلال المرحلة الماضية استطاعت المقاومة أن تحقق مجموعة كبيرة من الإنجازات على الصعد السياسية والديبلوماسية، أهمها اعتراف العالم عبر الأمم المتحدة والقمّة الأوروبية بضرورة قيام دولة فلسطينية، لدرجة أن جورج بوش رئيس الولايات المتحدة بات يعتبر أن قيام الدولة هو جزء أساسي من استراتيجيته للمنطقة.
ولجهة العدو الصهيوني نجحت المقاومة في تعميق أزمة الاحتلال الداخلية حيث ازداد الانقسام الحربي واتسعت الهوّة الاجتماعية وزادت البطالة وتردّى الوضع الاقتصادي وانعدم الأمن تماماً وتراجعت نسبة الاستيطان، واضطر العدو ليعلن عن برامج لتدريب المستوطنين على الدفاع عن أنفسهم.
وساهمت الإجراءات العسكرية الصهيونية في زيادة الإنفاق في الجيش، وأمام ضغط المقاومة اختلّت موازين فاندفع لاستخدام طائرات (إف – 16) لملاحقة المدنيين والسياسيين، مما عمّق أزمة الاحتلال وأثبت فشله ودفع لصدور ردود فعل أبرزها تمنّع 27 ضابطاً من سلاح الجو من تنفيذ الأوامر العسكرية.
الردود الصهيونية لم تقتصر على ذلك، بل إن بعض الخبراء الصهاينة باتوا يفكّرون فعلياً في انهيار الكيان الصهيوني ويتوقّعون تفكّك الدولة الصهيونية وينتقدون بشدة سياسية شارون وردّه غير المتزن. غير أن ما يقوي وضع الكيان الصهيوني حالياً هو الدعم الأميركي المطلق لهذا الكيان والانحياز الأوروبي الواضح الذي ازداد سوءاً في الفترة الأخيرة مع إعلان أوروبا حركة حماس حركة إرهابية واعتبار أعمال الإجرام الصهيونية ضدهاّ دفاعاً عن النفس.

ثغرات فلسطينية
لكن في عودة عاجلة إلى الثلاث سنوات السابقة، يتّضح لنا أن المجتمع الفلسطيني عانى من عدد من العوامل ساهمت في الإساءة إلى القضية الفلسطينية وفي إضعاف الانتفاضة. ومن هذه العوامل:
1. استمرار السلطة الفلسطينية على رهاناتها المتعلّقة بالتسوية على الرغم من الفشل الكبير الذي مني به هذا الخط، وتراجع "الشريك" الآخر عنه وقيام العدو بإسقاط معظم محاور اتفاق أوسلو.
2. تمسّك السلطة الفلسطينية بالمفاوضات مع العدو وبالجلوس مع القادة الصهاينة، واعتبار أي لقاء فلسطيني – إسرائيلي إنجازاً للسلطة.
3. عدم قيام السلطة الفلسطينية بالدفاع عن الشعب الفلسطيني بالشكل الكافي والمطلوب أو بتوفير مستلزمات الصمود والمواجهة، وارتكاب السلطة لأخطاء مهمة مثل القبول بنفي وإبعاد ومحاكمة المقاومين وسجنهم.
4. إصرار السلطة الفلسطينية على وصف المقاومة بالإرهاب وإدانة كل العمليات التي قامت بها قوى المقاومة، حتى لو كانت داخل حدود 1967 وحتى لو كانت ضد مستوطنين (هجوم على مستوطنة آرييل في شهر آب/أغسطس 2003).
5. قبول السلطة الفلسطينية المباشر والكامل بكل خارطة الطريق واعتبار أن الخطة هي للتنفيذ وليس للتفاوض، وموافقتها على كل المقترحات والمبادرات الأميركية (زيني – تينيت - بيرنز...).
6. عدم أخذ السلطة الفلسطينية بكل الإجراءات والتطورات التي حدثت في العالم وعلى أرض فلسطين المحتلة، وإصرارها على استخدام نفس الخطاب والتمسّك بنفس الاستراتيجية والقراءة من نفس الزاوية وبنفس المنظار. وهو ما لا علاقة له بأصول اللعبة أو العملية السياسية.
7. انشغال السلطة الفلسطينية بقادتها ورموزها وخلافاتها والتنازع على الصلاحيات أكثر من الاهتمام بالقضايا الأساسية وبأشكال المواجهة. إذ لا يجوز إعلاء الشخص على الوطن ولا إعلاء الرمز على القضية ورفع راية السيادة والاستقلال في وجه المقاومة لا في وجه الاحتلال.
8. عدم إعطاء الحوار الوطني الجدية المطلوبة والاهتمام اللازم، والقيام بتصرفات وإجراءات تتناقض مع أي ادعاء بالوحدة الوطنية، مثل التهديد بتفكيك المقاومة وتجميد أرصدة المؤسسات الاجتماعية واتخاذ قرارات بالاعتقال وبالمنع من الحديث لوسائل الإعلام.

أخطار المرحلة الحالية
بغض النظر عن كل عناصر القوة الموجودة في المجتمع الفلسطيني، فإن الحقائق والوقائع على الأرض تثبت أننا أمام مخطط استراتيجي خطير يسعى المجرم آرييل شارون إلى تنفيذه، على رغم الادعاء الإسرائيلي الكاذب بقبول خارطة الطريق. وهذا المشروع يعمل على إرساء مجموعة من الأسس والعناصر بشكل يؤدي إلى الإضرار الكبير بالقضية الفلسطينية وبتغيير الخارطة الجغرافية والسكانية وباستهداف مقوّمات صمود الشعب الفلسطيني، بحيث تنقلب المعادلة إلى صالح الإسرائيليين ويفقد الفلسطينيون أي أمل بالتغيير أو بالتأثير. ومن عناوين مشروع شارون:
1. اعتبار المرحلة الحالية مرحلة فرض وقائع على الأرض لا مرحلة مفاوضات أو حوار، مستفيداً من كل أشكال الدعم الأميركي والصمت الأوروبي.
2. بناء الجدار الفاصل مما يؤدي إلى إحداث تغيير كبير جغرافياً وسكانياً، مما يفشل أو يبطل أي محاولة للحديث عن أي حل سياسي مستقبلي مهما كانت أشكاله، ويفسح في المجال أمام ضم الأراضي وتغيير الخارطة السكانية.
3. بناء المزيد من المستوطنات وتوسيع القائم منها.
4. تهويد القدس ومحاصرتها بالمستوطنات وتغيير طابعها.
5. محاولات تهويد الأقصى ومقدّمته السماح للمصلين لليهود بالصلاة فيه، واعتقال الشيخ رائد صلاح أبرز المدافعين عن المسجد.
6. تنفيذ مخطط سياسي ضد الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1948.
7. تنظيم عمليات إرهابية مخططة لاغتيال واعتقال قادة المقاومة مما يفقد الشارع الفلسطيني عناصره المؤثّرة.
8. العمل على إسقاط حق العودة عبر الادعاء بيهودية الدولة.
9. الدفع باتجاه إحداث اقتتال فلسطيني داخلي.

المطلوب فلسطينياً
أمام هذه الأخطار لا بد من وعي المرحلة الحالية وتقدير الظروف المحيطة، وبالتالي فإن المرحلة تفترض اتخاذ إجراءات نوعية تتواكب مع حجم الهجمة على الفلسطينيين، وبالتالي فنحن أمام معطف حساس ومستجدات خطرة، لا يصحّ التعاطي معها بنفس طرق وأساليب المرحلة السابقة.
ومن بين الخطوات المطلوبة:
1. التوقف عن الرهان على المفاوضات مع العدو، والاعتراف بفشل مشروع التسوية، وقراءة فعلية وموضوعية لكل المتغيرات الحاصلة وتقدير الموقف الراهن والوعي للمخطط الصهيوني.
2. تحصين الانتفاضة والالتفاف حول المقاومة بكل فصائلها مع ضرورة تحديث وتطوير آليات مقاومة الاحتلال.
3. دعم صمود الشعب الفلسطيني عبر كل الطرق الممكنة.
4. الدخول في حوار سياسي معمّق على قاعدة تمتين الوحدة الوطنية وصيانة الساحة الفلسطينية من مظاهر الخلل ومواجهة الثغرات، وفي إطار عنوان دعم المقاومة والانتفاضة ومساعدتها على تحقيق المطالب الفلسطينية.
5. وقف كل أشكال الاتصال مع العدو الإسرائيلي.
6. محاربة ظاهرة العملاء.
7. الانتهاء من الرهان على التدخّل الدولي والضغط الأميركي.
8. تطوير التواصل والتحاور مع العالمين العربي والإسلامي.
كل هذه العوامل ستساهم في حماسة الشعب الفلسطيني وتدعيم صموده وصيانة المقاومة والانتفاضة، أي أن ذلك يساعد على الانتصار الذي تسعى المقاومة إلى تحقيقه على العدو.




 

مسار سلطة الحكم الذاتي في عام الانتفاضة الرابع: مع المقاومة أم ضدها؟؟
 

القدس/مها عبد الهادي
كانت الحقيقة التي أعلنها رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست بداية شهر أيلول/سبتمبر الماضي 2003 بأنه لم يقدّم شيئاً للفلسطينيين وأنه لن يقدّم لهم شيئاً في المستقبل، هي الثمن الذي قبضته سلطة الحكم الذاتي على تساوقها الأمني مع الكيان الصهيوني وإعادة التنسيق الأمني معه ضمن الدور الذي طالبتها به "خارطة الطريق"، بعد طرحها في العام الثاني من انتفاضة الأقصى المباركة التي تدخل الآن عامها الرابع.
هذه الحقيقة اكتشفتها السلطة مراراً لكن دون أن تستخلص العبر منها، مع أن المنطق والحقائق على الأرض كانا يطالبانها في كل مرة بعكس ذلك.
كان ذلك واضحاً في سلوك حكومات سلطة الحكم الذاتي الست السابقة، وآخرها حكومة محمود عباس (أبو مازن) الذي حاول في خطاب التقييم لأداء حكومته في المائة يوم الأولى من عملها أن يتلاعب بالحقائق ويبسّط العقبات والتعقيدات، حينما صوّر الحكومة الإسرائيلية التي لبّى جميع مطالبها الأمنية بأنها لم تقابل المحاولة الفلسطينية الجادة لترتيب آلية لإعادة المسار السياسي مع الجانب الإسرائيلي بـ"الاستجابة الكافية"، ولم تتقدّم على نحو ملموس إلى الأمام، في حين أن الحقائق الماثلة على الأرض تقول إن الحكومة الإسرائيلية نسفت وقتلت خارطة الطريق قبل أن ترى النور، وواصلت العدوان والحصار والاستيطان والجدار والقتل والاعتقال وهدم المنازل، بصورة تجعل عبارات مثل "الاستجابة الكافية" و"التقدم على نحو ملموس" غير مناسبة بتاتاً بل واهمة ولا تصل إلى ما أعلنه شارون ونفّذه.
وكان من الممكن لحكومة أبو مازن، كما الحكومات الفاشلة الأخرى التي سبقتها، أن تقيم تجربتها وأن تأخذ العبر وتصل إلى الاستنتاج المنطقي الوحيد، وهو أن حكومة شارون معادية للسلام ولخارطة الطريق التي اخترعتها بنفسها ولإحياء المسار السياسي، وأنه لا يمكن صنع السلام معها، لكن الحكومة الفلسطينية أصرت على تطبيق خارطة الطريق من طرف واحد، وبدون الإصرار على تطبيقها عبر خطوات متبادلة ومتوازنة ومتزامنة.
وليس بعيداً عن الذاكرة ما حدث بعد عملية القدس التي قتل فيها 22 صهيونياً، والتي جاءت بعد خرق (إسرائيل) للهدنة، حينما طالبت الإدارةُ الأميركية والحكومةُ الإسرائيلية الحكومةَ الفلسطينية بالشروع فوراً بمحاربة ما يسمونه "الإرهاب" الفلسطيني وتفكيك بنيته التحتية ونزع سلاحه واعتقال منفذّيه، وإلا ستخسر الاعتراف والدعم الأميركي والإسرائيلي، وستفقد الفرصة المتمثلة بإحياء المسار السياسي وتطبيق "خارطة الطريق".
وبدلاً من أن تؤيد حكومة السلطة تلك العملية مع توفر الأسباب الكافية في المنطق الدولي، اندفعت هذه الحكومة واستجابت للمطالب ووضعت لائحة من الشروط طالبت بتنفيذها على الفور، مثل وضع كافة الأجهزة الأمنية تحت سيطرتها، والحصول على دعم الرئيس والمنظمة وحركة فتح للحكومة في قيامها على الفور بتطبيق الالتزامات الفلسطينية في خارطة الطريق"، وخصوصاً فيما يتعلق بنزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية واعتقال المقاومين، وهو الأمر الذي اصطدم برفض واسع حتى من مؤسسة الرئاسة وحركة فتح وفي صفوف الشعب الفلسطيني بأكلمه، وليس فقط من قبل حركات المقاومة، بل واصطدم أيضاً في أن حكومة شارون شرعت بشن عدوان عسكري شامل بدأته باغتيال الشهيد إسماعيل أبو شنب، وتعاملت وكأن الحكومة الفلسطينية غير موجودة، وأن المطلوب منها أن تشنّ حرباً ضد "الإرهاب الفلسطيني" في نفس الوقت وجنباً إلى جنب مع قوات الاحتلال التي تشن حرباً لا هوادة فيها ضد هذا "الإرهاب" نفسه.

سلوك السلطة
ويمكن من خلال مراجعة سلوك السلطة الفلسطينية وملحقاتها خلال العام الماضي من انتفاضة الأقصى الوقوف على الثغرات التالية:
1-إن ما حدث من تغيير حكومي سريع خلال الفترة القليلة الماضية لم يعنِ بالضرورة الحالة الصحية الضرورية والمطلوبة في أي نظام سياسي يميل نحو التطوير والتجديد، بل إنها انعكاس لأزمة سياسية عميقة يعيشها المجتمع، وبالتالي النظام السياسي المعبر عن ذاك المجتمع.
ومما لا شك فيه إن النظام السياسي الفلسطيني قد تعرض لهزة قوية إثر الاجتياح الصهيوني العام الماضي، هذه الهزة كادت تطيح به، وبكل الإنجازات التي راكمها الشعب الفلسطيني بتاريخ طويل من النضال والتضحيات الجسام، غير أن هذه الهزة قد أدخلت عوامل للتغيير والتجديد افتقرها النظام داخلياً، وبدأت تفرض بفعل تداعياتها جملة من التغيرات والإصلاحات الداخلية في بنية النظام السياسي نفسه، استهدفت في السياق نفسه تغيير مضمون وطبيعة ووظيفة النظام السياسي الفلسطيني وبالطبع قيادته، لتكون أقرب ما تكون إلى قيادة لحدية جديدة تلعب دوراً أمنياً للحفاظ على أمن الاحتلال والمستوطنين، وتكريسه بصيغ سياسية تخدم المفهوم الإسرائيلي للتسوية التي تقوم على حكم ذاتي للسكان وليس للأرض.
2-تزايد حدة الصراع بين الرئاستين على الصلاحيات والمسؤوليات وتفاقم أزمة تنازع السلطات هذه بما أخذه من مظاهر سياسية وإدارية شتّى لم يقف تأثيره السلبي عند حدود السلطة فقط، بل إنه زاد من حدة قلق الشارع الفلسطيني واتجاهات واسعة من القوى والفئات السياسية والاجتماعية على مستقبل القضية الوطنية الفلسطينية برمتها، والتي تتآكل كل يوم بفعل العوامل التي يولدها هذا الصراع والذي يترك آثاراً في غاية الخطورة، ليس فقط على وحدة الموقف الوطني الفلسطيني فحسب وإنما على الأولويات الوطنية المطروحة، خصوصاً وأن هذا الصراع جعل الأبواب مشرعة لتزايد التدخل الخارجي من خلال استدراجه ليكون اللاعب الأساس في توفير الدعم أو الغطاء لهذا الطرف أو ذاك.
ومن هذا الباب وقعت مؤسستا السلطة: الرئاسة ورئاسة الوزراء تحت المجهر الإسرائيلي –الأميركي، وصولاً ربما لإحداث انعطافة نوعية في النظام السياسي الفلسطيني، خصوصاً وأن الخلاف بين أبو عمار وأبو مازن طال النظام السياسي الفلسطيني كله، أي السلطة والمنظمة وحركة فتح، وهو ما يفتح المجال ليس فقط أمام مزيد من التدخلات الأميركية والإسرائيلية، وإنما يسهّل عملية إنشاء قيادة فلسطينية بديلة، طالما اشتغلت (إسرائيل) عليها.
ويمكن القول إن هذا النمط من الصراع أطلق آليات ليس لها علاقة لا بنوايا الأطراف الداخلة في الصراع ولا بأهدافها، وإنما بما يمكن أن يوصل إلى هدف حل الصراع لمصلحته، وهذه الآليات أخذت منحيين: الأول استقواء بالأطراف الخارجية، والثاني التنافس على تأدية الدور المطلوب وهو ما بدا خلال الأيام القليلة الماضية من إجراءات تحمل أكثر من إيحاء ودلالة على الوصول إلى هذا المستوى من الصراع.
3-أما النقطة الأخرى فهي في أزمة النظام السياسي الفلسطيني العميقة -المكوّن من منظمة وسلطة وبرلمانين وسلطتين تنفيذيتين- أنه لا يواجه أزماته وأخطاءه وإخفاقاته ولا يحلها، بل يتعامل معها بطريقة سطحية انتقائية شكلية، مما يحدّ منها ويؤجل انفجارها لفترة لاحقة لا أكثر. فعلى سبيل المثال فإن الخلاف بين أبو عمار وأبو مازن يقع في دائرة التصارع على السلطة وإن كان يرتدي صراعاً بين منهجين، منهج أبو مازن في المراهنة على التسوية السياسية وفق خارطة الطريق، والقبول بما هو مطروح، أي أن تنبثق المفاهيم السياسية من خلال الإجراءات الأمنية، ورؤية عرفات أن تصفية المقاومة إذا لم تتأسس على مرجعية سياسية، وأفق سياسي، "وثمن سياسي" مسألة محفوفة بالمخاطر، أي أن تتأسس الإجراءات الأمنية على المفهوم السياسي، وتحديد كل المفاهيم الفرعية للصراع والتسوية السياسية. أي إن الأزمة الراهنة سياسية، وليست أمنية. وقطبا الصراع يتوافقان على الخطوط السياسية، وحول جدوى خيار المفاوضات والاشتباك السياسي، بيد أن الخلاف يتعلق بتوقيت ووسائل وأسلوب تنفيذ الاستحقاقات، و"الثمن" المطلوب.
فالرئيس عرفات رفض توحيد أجهزة الأمن أو التخلي عن سلطته عليها. وهو إضافة إلى ذلك قام بحركة استفزازية ومزاجية تمثلت بتسمية جبريل الرجوب (قائد الأمن الوقائي في الضفة الغربية سابقاً) مستشاراً له للأمن القومي، برغم الشبهات التي تحوم حول مسلكياته ومواقفه، وبرغم أنها تسمية صورية، لأنه ليس للرئيس مستشارون فاعلون، ولا يوجد مجلس بهذا المعنى. وفوق ذلك فقد قام بترقية الرجوب من عقيد إلى عميد، ما جعله في مرتبة أعلى من محمد دحلان، وزير الشؤون الداخلية، ونظيره، أو غريمه، في قطاع غزة (سابقاً). وهذه وتلك إشارتان لهما مغزى مهم في إطار التجاذبات في إطار السلطة الفلسطينية.
أما أبو مازن فقد ردّ على هذه الخطوات بالتلويح بدعوة المجلس التشريعي للانعقاد مجدداً، بدعوى تقديم كشف حساب عن مئة يوم من عمل الحكومة، في محاولة لابتزاز عرفات، سواء عبر التلويح بالاستقالة أو نيل الثقة به وبحكومته. كما قام بخطوات مثل ضم موازنة الأجهزة الأمنية إلى موازنة الحكومة، إقالة رئيس ديوان الموظفين المقرب من عرفات، وتعيين بديلٍ عنه. إضافة إلى الخطوات التي اتخذها على الصعيد الفلسطيني مثل تجميد أرصدة الجمعيات الخيرية والطلب من الأجهزة الأمنية في قطاع غزة الحفاظ على وقف إطلاق النار، وفي كل من هذه السلوكيات كان المزاج الشخصي هو المسيطر على حساب الهمّ العام.
وليس أدل على ما يحدث من قول نبيل عمرو حينما قال "لم يكن واقعياً.. ولا عملياً.. توقع أن تتم عملية تنظيم السلطة وتحديد الصلاحيات.. وفق قانون محدد. ولنسمّه في هذه الحالة القانون الأساسي.. ذلك أن هنالك قانوناً يبدو أكثر أهمية وفاعلية.. وفي حالات عديدة أكثر "شرعية" إنه "قانون التعود على عرفات" والاستفادة من قراراته".
إن جملة الثغرات السابقة في السلوك السياسي لسلطة الحكم الذاتي مضافاً اليها الانحياز الأميركي، ساعدا على إطلاق العنان ليد حكومة شارون لمواصلة سياسية الاغتيال والقتل وتدمير البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني، بذريعة مكافحة الإرهاب، ولم تتوقف عند ذلك فقط بل واصلت سياسة الحصار والخنق الاقتصادي والاجتماعي.
وهذا المسلك من قبل حكومة شارون مدعوماً من الولايات المتحدة قوّض بدوره خطة "خارطة الطريق" التي جاءت الحكومة السابقة على أساس برنامج لتطبيقها، وقوض بنفس الوقت قدرة الحكومة على البقاء والاستمرار بنفس الدور، لأنها أدخلتها في تناقض داخلي كان لا يمكن لها أن تحلّه، باللعب على الكلمات والوعود المؤجلة.
فما كان مطلوباً من الحكومة السابقة أن تتواءم مع الوضع القائم وتقوم بمهمة أمنية مكملة ومتناسقة مع المهمة الأمنية الصهيونية لتدمير ما يسمى بنية "الإرهاب الفلسطينية"، على اعتبار أن الإدارة الأميركية تتعامل مع الوضع الفلسطيني باعتباره ساحة صراع مع الإرهاب الدولي، وبالتالي فإن الحليف و"الشريك الإسرائيلي" يواصل هذه المهمة ميدانياً.
ومن المعروف أن (إسرائيل) تسعى دوماً لنقل أزمة عملية التسوية السياسية إلى الجانب الفلسطيني، للتملّص من الاستحقاقات المطلوبة منها في إطار "خارطة الطريق" ولتوسيع دائرة الخلاف بين السلطة الفلسطينية والمعارضة، وجرّ الفلسطينيين إلى ردات فعل توظفها كمبررات لإطلاق "رصاصة الرحمة" على "الخارطة". لذا سارعت (إسرائيل) إلى التدخل في هذا الصراع، في مسعى منها لإنشاء قيادة فلسطينية بديلة، طالما اشتغلت (إسرائيل) عليها.

هل تبقى الوظيفة أمنية؟؟
وما يمكن قوله بشكل ملخص إن السلطة في وجودها وبنائها ودورها منذ البداية ترتكز إلى وظيفتها في تحقيق الأمن للكيان الصهيوني عبر ضرب المقاومة. ومن هنا جاء اختيار واعتماد شارون وبوش لأبو مازن لثقتهم في عقيدته السياسية المعادية للمقاومة والانتفاضة، وهو الهدف الذي سعى العدو إليه عبر الضغط على السلطة، فلما فشل أو رفض عرفات توفير البضاعة المطلوبة تقرّر شطبه واستبداله بمن يبدي الاستعداد لذلك.
وما يمكن قوله لقادة السلطة، إن المسؤولية في هذا الوقت الحرج ليست بتوزيع الغنائم واقتسام كعكة السلطة فقط، وإنما المسؤولية تنطلق من الحفاظ على المصلحة الوطنية والانحياز لها وليس الانحياز والاستقطاب لمصلحة أي من الطرفين.

لمتابعة الملف اضغط على الملف3

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003