|
الملف1 |
انتفاضة الأقصى: ثلاث سنوات
قطعت انتفاضة الأقصى في الثلاث سنوات الماضية الكثير
من المخاطر وحققت العديد من الإنجازات في مختلف الميادين. وإن كانت الانتفاضة
اضطرت الفلسطينيين أن يدفعوا أثماناً باهظة نتيجة لصمودهم وتمسّكهم بحقوقهم،
فإنها ألحقت بالمجتمع الصهيوني خسائر كثيرة على كل الصعد. وعلى من ينفي أو يقلل
من ذلك أن يراجع مقالة رئيس الكنيست الصهيونية السابق إبراهام بورغ التي نشرها
في صحيفة "يديعوت أحرونوت" بداية شهر أيلول/سبتمبر الماضي.
في هذا الملف الخاص نتوقف عند الذكرى الثالثة لانتفاضة الأقصى مستعرضين مجموعة
من المقالات والعناوين والقضايا.
من خسائر العدوّ الصهيوني خلال انتفاضة الأقصى
-بلغ عدد القتلى الصهاينة حتى منتصف شهر أيلول/سبتمبر 2003 أكثر
من 860 قتيلاً، والجرحى أكثر من 4850 في حوالي 18000 عملية نفّذتها قوى
المقاومة منها 119 استشهادية.
- بلغ عدد الهاربين اليهود من فلسطين خلال السنوات الثلاث الماضية أكثر من 550
ألف شخص. كما أن حوالي 25% من اليهود الذين وصلوا إلى الكيان الصهيوني من
أميركا الشمالية منذ عام 1989 غادروها إلى غير رجعة، وفق إحصائيات دائرة التحكم
بالحدود الصهيونية.
وكشفت معطيات نشرتها وزارة الداخلية الإسرائيلية عن هجرة مضادة يقوم بها
مستوطنون صهاينة من المستوطنات الواقعة في الضفة الغربية. ففي مستوطنة
"عمانوئيل" انخفض عدد المستوطنين بنسبة 6%، وفي "عاموس" 9%، وفي "يافيت" 13.8%،
وفي "أدورا" 12%، وفي "تيلم" 17.2%، وفي "معاليه عاموس" 9%، وفي "جلجال" 6.7%.
آثار نفسية
أجرت الجمعية الطبية الأميركية دراسة لرصد الآثار النفسية للانتفاضة على
المجتمع الصهيوني فكانت كالآتي:
-اثنان من كل ثلاثة إسرائيليين يعانيان من أعراض الصدمة.
- واحد من كل عشرة إسرائيليين يعاني من صدمة نفسية مستمرة.
- 16% من الإسرائيليين تعرّضوا مباشرة لعمليات فلسطينية.
- 37% قالوا إن أحد أقاربهم أو أصدقائهم تعرّض لعملية.
- 76% يعانون من أحد أعراض الإصابة النفسية في أعقاب التعرض لعملية.
- 10% لا يزالون يعانون من آثار الصدمة وكثير من هؤلاء بحاجة لعلاج نفسي.
الجيش
- في تقرير للجيش الصهيوني عن العام 2002 أشار إلى ارتفاع حالات الفرار من
الجيش بأكثر من 30% في عدد لوائح الاتهام التي رفعتها قيادة الجيش الصهيوني إلى
المحاكم العسكرية. ففي سياق العام 2002 رُفعت 3834 لائحة اتهام مقابل 2919
لائحة اتهام في العام 2001.
- عدد حالات متعاطي المخدّرات المكتشفة في الجيش الصهيوني في الربع الأول من
العام 2003 أعلى بضعفين من عددها في الربع الموازي من العام الماضي.
- خطة لتسريح 4000 جندي في الخدمة الدائمة وذلك بسبب الانخفاض الحادّ في
ميزانية وزارة الحرب الصهيونية.
خسائر اقتصادية
- استناداً إلى التقرير الذي أعدته منظمة "جوينت" الصهيونية ونشرته وسائل
الإعلام في الكيان الصهيوني، يعاني 22% من الصهاينة من "انعدام الأمن الغذائي"،
أي أنهم يواجهون صعوبات في تحصيل قوتهم. ويصف التقرير 8% من الصهاينة، أي نحو
200 ألف عائلة، بأنهم "مجموعة تعاني من انعدام الأمن الغذائي بشكل خطير". ويوضح
التقرير أن المقصود بذلك "وجود صعوبات خطيرة في الحصول على الأغذية وتقليص
دراماتيكي في كمية الغذاء المستهلك وجودته".
- أظهر تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الصهيونية أن شركة الطيران العبرية
"العال"، التي بُدئ بتداول أسهمها في البورصة قبل فترة وجيزة، مدى الخسائر التي
منيت بها الشركة خلال الربع الأول من العام الحالي والتي بلغت 124 مليون شيكل،
مقارنة بخسائرها في الربع المقابل من العام الماضي، والتي بلغت 41 مليون شيكل.
- انخفضت أسعار الأسهم المتداولة في بورصة الكيان الصهيوني خلال عام 2002 أكثر
من 21% وسجّلت خسائر للمستثمرين نحو 7.7 مليار دولار. وهو مؤشر جيد على التراجع
الحادّ في قيمة الاستثمارات.
- أعلن المدير العام لشركة الاستثمارات الإسرائيلية (إيلانوت ديسكونت-بيتوحا)
هوشواع أفراموفيتش أن الأضرار المالية التي لحقت بالناتج القومي الإسرائيلي منذ
اندلاع الانتفاضة الفلسطينية بلغت حوالي ثمانية مليارات دولار.
-خفض مستمر في الميزانيات: قررت وزارة المالية الإسرائيلية خفض ميزانية العام
2004 بنحو عشرة مليارات شيكل (2.5 مليار دولار)، بما في ذلك اقتطاع ثلاثة
مليارات شيكل من الإنفاق العسكري. وتأتي التخفيضات المزمعة بعد خفض الإنفاق
بمقدار 11 مليار شيكل هذا العام في إطار مساعي الحكومة الصهيونية لاحتواء العجز
في الميزانية.
-ارتفاع معدل البطالة: أدت تداعيات العجز في الميزان التجاري إلى ارتفاع معدّل
البطالة لتبلغ نسبته قرابة 11 % من اليد العاملة الفعلية في (إسرائيل)، وهو ما
يقترب من 300 ألف شخص. إضافة إلى تراجع الرواتب بمعدّل 6.4% في النصف الأول من
العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
- تراجعت مكانة (إسرائيل) إلى الدرجة 22 بين الدول المتطوّرة هذا العام، بعد أن
كانت في المرتبة 17 العام الماضي، وذلك في الاستطلاع الدولي السنوي عن
الاقتصادات المتنافسة الذي يجريه المعهد الدولي للإدارة في سويسرا.
-قال المكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاءات إن عدد السائحين الذين زاروا
(إسرائيل) في عام 2002 هبط إلى نحو 862 ألفاً وهو أقل رقم منذ عام 1982، مقارنة
مع 1.2 مليون زائر في عام 2001، و2.4 مليون زائر في عام 2000، وهو الرقم
القياسي المسجل .
|
نتائج الانتفاضة
على المجتمع الصهيوني:
اعتراف إسرائيلي بالفشل في مواجهة الفلسطينيين
واتساع دائرة الانقسام الداخلي
|
فلسطين/صالح محمد النعامي
لعل واحدة من أهم الإنجازات التي حققها الشعب الفلسطيني في انتفاضته المتواصلة
والتي تكمل عامها الثالث هو نجاح الانتفاضة، وبشكل غير مسبوق، في إعادة صياغة
الوعي الجمعي الصهيوني تجاه قضية الشعب الفلسطيني. فقطاعات متزايدة من الصهاينة
باتت تدرك الآن أنه لا يمكن فرض واقع يستسلم فيه الشعب الفلسطيني لواقع
الاحتلال. وحتى الساسة المحسوبون على اليمين واليمين الديني في الدولة العبرية
باتوا يصرحون أنه لا حل سوى "التخلص" من السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة.
ولقد كانت صرخة الوزير السابق والقيادي في حزب "الليكود" دان مريدور مؤخراً
مدوية، عندما نصح رفاقه بسرعة بالخروج من الأراضي الفلسطينية المحتلة، على
اعتبار أن ذلك مصلحة صهيونية في ظل المقاومة والممانعة التي يبديها الشعب
الفلسطيني في رفضه للاحتلال.
اليأس من الحسم العسكري
على الرغم من استنفاد جيش الاحتلال تقريباً لكل الوسائل المتوفرة لديه في
مواجهة انتفاضة الأقصى، ومع أنه تم تطبيق أكبر الحملات العسكرية ضد الشعب
الفلسطيني، والتي وضعها وخطط لها من يوصفون بأنهم "ألمع جنرالات الجيش وأكثرهم
خبرة"، إلا أن النتائج كانت مخيبة للآمال، بشكل بعث اليأس في أوساط الرأي العام
الإسرائيلي. وها هو الكاتب والمفكر الإسرائيلي بي ميخائيل يسخر من قول بعض
الساسة والضباط بأن (إسرائيل) حققت نصراً على المقاومة الفلسطينية، ويقول "ملّت
النفس تبجحات الضباط والسياسيين الذين يحرصون المرة تلو الأخرى على تكرار "عدم
الاستسلام" للمقاومة الفلسطينية، وعن صمودنا الرائع، والانتصار الرائع لجيشنا
على المقاومين". ويضيف ساخراً "وبالفعل، فإنه ليس لطيفاً الاعتراف بأننا لم
نتغلب على المقاومة الفلسطينية. وليس لطيفاً الاعتراف بأن تلك المقاومة،
وآثارها المرافقة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، أدت إلى نتائج سلبية.
وبالتأكيد ليس لطيفاً الاعتراف بأن الدبابة والمروحية والوحدة الخاصة لم ينجحوا
في وقف البنادق والعبوات الناسفة التي استخدمها الفلسطينيون". ويشير ميخائيل
إلى أنه لولا المقاومة الفلسطينية لما وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الوجود
الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة بأنه احتلال.
وينصح الكاتب نير برعام الحكومة الإسرائيلية بالتوقف عن قتل الفلسطينيين،
مشدداً على أن ذلك سيؤدي إلى نتائج عكسية ضد دولة الكيان وساكنيها، ويضيف "وها
هو يتبين أنه لا يمكن مهما قتلنا وحبسنا وعذّبنا من الفلسطينيين، سيكون هناك
دوماً ثائرون آخرون وانتحاريون آخرون، سيعذبوننا ويقتلوننا أيضاً". ويقول
الصحافي عمير رابيبورت إنه عندما يتم تقييم داخل المؤسسة العسكرية فإن هناك
حالة من اليأس تعلو لدى بعض قادة الجيش بسبب القدرة الفائقة لدى حركات المقاومة
على تنظيم صفوفها، بعد تعرضها لضربات جيش الاحتلال ونجاحها في مفاجأة الجيش
بعمليات عسكرية نوعية، كان الجيش يفترض أنه لم يعد بموسوعها تنفيذها سيما بهذه
السرعة.
ولعل أبرز من عبر عن الشعور بعجز الدولة العبرية عن مواجهة المقاومة الفلسطينية
كان بلا شك رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك الذي قال "أن تضرب
الفلسطينيين فهذا مثل أن تضرب بلكمة الوسادة، مثلما تعود الوسادة لانتفاخها
العادي بعد عدة ثوان من ضربها بكامل القوة، هكذا الفلسطينيون أيضاً بعد أن
نضربهم مرة واحدة وربما مرة أخرى وحتى مرة ثالثة. وبعد فترة قصيرة من الصدمة،
تعود الحجارة الفلسطينية و"قناصة" الفدائيين إلى الشوارع والطرقات وهكذا
دواليك".
حرب تحرير وطني
حاولت الحركة الصهيونية والدولة العبرية حتى قبل الإعلان عن دولة الكيان وصف
المقاومة الفلسطينية بأنها "أعمال إرهابية"، وبالتالي نفت عنها أي طابع أخلاقي،
وفي المقابل شددت على أن مواجهة هذه المقاومة هو فعل أخلاقي من الطراز الأول.
الذي كرس هذا الفهم الرسمي الصهيوني وغذّاه كان بلا شك أحداث الحادي عشر من
أيلول/سبتمبر، حيث عملت الولايات المتحدة كل ما في وسعها من أجل تسويق هذه
الدعاية في العالم.
لكن الصمود الأسطوري الذي أبداه الشعب الفلسطيني وإصراره على المقاومة، دعا
عدداً كبيراً من المثقفين والمفكرين وحتى بعض ساسة دولة الكيان إلى إعادة تقييم
النضال الوطني الفلسطنيي. بل إن هناك منهم من يشدّد على أن هذا النضال صورة من
صور النضال الوطني المشروع. وها هو الكاتب والمؤلف المسرحي ومقدّم البرامج
التلفزيونية الشهير يارون لندن يقول بصوت عال "العمليات العدائية التي يشنّها
الفلسطينيون ضدّ اليهود جديرة بأن تندرج في إطار حرب التحرير الوطنية وليس
إرهاب دولة".
تقويض المشروع الصهيوني
من المعروف أن أهم ركيزة لنجاح المشروع الصهيوني هو ضمان تواصل هجرة اليهود من
جميع أرجاء العالم إلى الدولة العبرية. وكما يقول الكاتب الإسرائيلي يوآف كيرن
فإن الهجرة اليهودية وليس القوة العسكرية هي التي تمثل "بوليصة التأمين" للدولة
العبرية. وبالنسبة لدوائر صنع القرار في الدولة العبرية فقد شكلت الانتفاضة
تحدياً أمام جهود (إسرائيل) والوكالة اليهودية لإقناع اليهود بالتوجه للاستقرار
في دولة الكيان. ففي النصف الأول من العام 2003 وصل قرابة ثمانية آلاف مهاجر
يهودي ويتوقع أن يصل العدد حتى نهاية العام إلى خمسة عشر ألف مهاجر، في حين
هاجر للدولة العبرية في العام ألفين 60 ألف يهودي للدولة العبرية، أي أنه حدث
انخفاض بنسبة 400% على عدد المهاجرين اليهود الذين يصلون للدولة العبرية. وإذا
أخذنا بعين الاعتبار أن عدد اليهود الذين يغادرون الدولة العبرية فيما يعرف
بـ"الهجرة العسكرية" يصل إلى عشرين ألفاً، فان هذا يعني أن عدد اليهود الذي
يغادرون الدولة العبرية هو أكبر من عدد المهاجرين لها، واذا ظلت هذه الوتيرة
على حالها فإن هذا يعني أنه لا خيار أمام الصهاينة إلا التسليم بواقع يتناقص
فيه عدد اليهود في الدولة العبرية. والذي يجعل هذه المعطيات أكثر خطورة بالنسبة
لدوائر صنع القرار الصهيوني هو حقيقة انخفاض معدلات الولادة في صفوف اليهود
مقارنة مع الفلسطينيين، فيكفي هنا أن نشير إلى أنه على الرغم من أن فلسطينيي 48
يشكلون 20% من السكان في الدولة العبرية، إلا أن ثلث المواليد في الدولة يسجل
لدى هؤلاء الفلسطينيين.
الذي يساعد على جعل هذه المعطيات كارثية وغير قابلة للتدارك هو حقيقة تردي
الأوضاع الاقتصادية بسبب الانتفاضة. فقد تقلص حجم الاستثمارات الأجنبية في
الدولة العبرية بسبب تردي الأوضاع الأمنية بشكل كبير، وتراجعت عوائد الدولة من
السياحة، فضلاً عن تراجع التصدير للخارج الذي يعتبر قوة الدفع الكبيرة للاقتصاد
في الدولة العبرية وزادت معدلات البطالة. زيادة نفقات الأمن بسبب تواصل
الانتفاضة أدى إلى حدوث تضخم مالي واضطرت الدولة إلى القيام بتقليص موازنة
الدولة في محاولة للسيطرة على الأوضاع، فقامت بتقليص مخصصات الرفاه التي تمنحها
للطبقات الضعيفة, وهي أساسية في كيان يعتمد على إغراء مواطنيه من أجل البقاء
وعدم الهجرة.
ضدّ الاستيطان
كان للمقاومة الفلسطينية دور باسل ومشرف في تبديد الإجماع الصهيوني حول الكثير
من المسلمات التي عششت في أذهان الصهاينة. فقد بات المزيد من الصهاينة يعتقدون
أن أبناءهم يُقتلون على أيدي المقاومين الفلسطينيين بدون أي هدف منطقي. فها هي
الكاتبة والصحافية الإسرائيلية ياعيل باز ملميد يستبدّ بها الغضب وتصرخ مشددة
على أنه يتوجب على بقية اليهود ألا يرسلوا أبناءهم للجيش من أجل أن يُقتلوا في
محاولتهم الدفاع عن غلاة المتطرفين من المستوطنين في الخليل ونابلس. وتضيف
قائلة "كفى.. لم يعد لدينا المزيد من الأبناء لإرسالهم إلى الحروب الزائدة، ليس
لدينا فائض من الأبناء لإرسالهم كي يدافعوا عن سلطة الاحتلال والمستوطنات عديمة
القيمة الأمنية أو القومية، والتي هي حيث كانت عبارة نتيجة سيادة عقيدة
مسيحانية زائفة وتعصّب أحمق، ومحاولة لنسف أي إمكانية للتوصل لاتفاق سلام أي
كان". في حين أن أحد الآباء أخذ يصرخ على ابنه عندما اصطحبه عند التجنيد للجيش
قائلاً "لا تخاطر بنفسك لأجل أي مستوطن في الخليل". وتضيف كاتبة صهيونية "إنهم
يعرّضون حياة أبنائنا وأزواجنا وآبائنا وإخوتنا للخطر، لأجل أيديولوجيا جوهرها
استمرار الاحتلال واستمرار الحرب واستمرار سفك الدماء والعيش على حد السيف".
مستقبل التعاطي مع الانتفاضة
في كل ما يتعلق بالائتلاف اليميني الحاكم، فإن هناك منطقاً يقول "ما لم يمكن
تحقيقه بالقوة، يمكن تحقيقه بمزيد من القوة". ولا يمثّل هذا المنطق توجّهاً
للعربدة بقدر ما يمثّل رؤية أيديولوجية وسياسية اعتمدها اليمين الصهيوني في
التعاطي مع المقاومة الفلسطينية، وذلك لأن اليمين الإسرائيلي يعي أن البديل عن
خيار تصعيد العنف ضد المقاومة الفلسطينية في محاولة إخماد الانتفاضة هو تقديم
بديل سياسي، وهو الأمر الذي لا يبدي اليمين استعداداً لتقبله، لأن معناه
التنازل عن الكثير من الثوابت الأيديولوجية القائمة على التمسك بالأرض
الفلسطينية، على اعتبار أنها جزء لا يتجزأ مما يطلقون عليه "أرض إسرائيل".
من هنا فإن الحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية تعمل على استغلال الأوضاع
الدولية التي نجمت بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر والتي تماهت إثرها
الرؤية الإسرائيلية والأميركية حول ما يسمونه بـ"الإرهاب"، حيث نجحت حكومة
شارون بإقناع أميركا بأن المقاومة الفلسطينية شكل من أشكال الإرهاب. من هنا فإن
الدولة العبرية تستثمر كل طاقتها من أجل تكثيف العمل العسكري من أجل وأد
الانتفاضة. لكن خطط الدولة العبرية قد تذهب بعيداً وبعيداً جداً وبدون تخطيط في
مسعاها للقضاء على الانتفاضة. وأحد السيناريوهات المطروحة والتي تعتبر متطرفة
جداً وإن كانت غير مستبعدة هو أن يلجأ الإسرائيليون إلى إعادة احتلال الضفة
الغربية وقطاع غزة.
ويفرق الصهاينة خوفاً من إمكانية الاندفاع للأمام في مواجهة الانتفاضة وصولاً
لتحقيق هذا السيناريو المرعب. وهنا يتوجب الإشارة إلى أن أكثر الساسة اليمينيين
تطرفاً وأشد جنرالات الجيش تحمساً للحرب يعون المخاطر الجمة الناجمة عن هذا
السيناريو، لكن في ظل عدم استعداد الدولة العبرية للوفاء باستحقاقات التوصل
لتسوية سياسية فإن هناك الكثير من المعلقين من يرى أنه في النهاية لن يكون مفر
سوى إعادة احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، ما لم تغير الحكومة اليمينية من
نهجها وتصورها للتعاطي الواجب اتباعه مع الانتفاضة الفلسطينية، سيما أن كرة
الثلج تتدحرج وفي كثير من الأحيان لا تملك القيادة الإسرائيلية السيطرة على قوة
الدفع التي تحركها. لكن من واضح أن إعادة احتلال الضفة الغربية ستكون وصفة
كارثية للدولة العبرية أمنياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. إلى جانب أن
معظم الباحثين والمعلقين العسكريين فضلاً عن جنرالات الجيش المتقاعدين في
الدولة العبرية يشدّدون على أنه لا يمكن لـ(إسرائيل) أن تقضي على الانتفاضة
باستخدام الوسائل العسكرية.لمتابعة
الملف اضغط على الملف2
|
| |