فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

FM-M Oct 2003
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
تقرير
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون فلسطينية4
رأي
الملف1
الملف2
الملف3
مقابلة
شؤون عربية1
شؤون عربية2
شؤون عربية3
شؤون دولية
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
حصاد الأيام
قناديل الشهادة
سيرة شهيد
بريد القراء
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

رأي -منير شفيق

بوش وشارون ومأزق الحرب مع الفلسطينيين

منير شفيق
الذي يراجع الوضع الدولي والعربي والفلسطيني بعد احتلال العراق سيدهش من سرعة ما شهده ويشهده من تقلبات. وذلك على العكس مما حاولت الإدارة الأميركية وأبواقها ترويجه بعد الاكتساح العسكري السريع الذي تحقق ضد نظام صدّام حسين. ويظهر هذا بوضوح من خلال زيارة كولن باول وزير الخارجية الأميركي إلى سوريا عندما ركّز على أن الوضع تغيّر بعد الذي حصل في العراق. وكان يقصد أن كل ما خططت له الإدارة الأميركية من وراء العدوان على العراق قد تحقق، ولم يعد أمام الدول العربية إلا تفهّم الوضع الجديد والانصياع للإملاءات الأميركية انصياعاً كاملاً.
ترجمت إدارة بوش ذلك بما حمله كولن باول من طلبات وجّهها لسوريا وأعطاها مهلة قصيرة لتلبيتها، ثم صدرت تحذيرات مباشرة وغير مباشرة إلى إيران. وكانت الخطوة الأبرز مجيء الرئيس الأميركي نفسه إلى المنطقة وعقده لمؤتمري شرم الشيخ والعقبة. وقد حسب أن الجميع تلقّى "درس صدّام حسين" كما يقولون، ومن ثم سيقبلون كل ما يعرضه عليهم. ويجب ألا ننسى أن كثيراً من المحللين الذين أصبحوا يتمتعون بألقاب "محلل استراتيجي" اعتبروا في تلك المرحلة أن ما سيطلبه بوش سوف يُلبّى، وأن ما يسمى "خارطة الطريق" ستمضي إلى التنفيذ حتى بتعديلاتها الإسرائيلية وضمن الرؤية الأميركية لخطوات التنفيذ.
ولكن الذي حدث جاء مختلفاً تماماً، فمن جهة لم تنجح "نظرية أحجار الدومينو" أو في الأصح لم يتلق أحد "درس صدّام حسين". وهذا يفسّر ما يحدث من تصعيد في التهديد ضد سوريا ولبنان وإيران، ومن تأزيم في العلاقات الأميركية – السعودية، ومن هلامية في علاقات إدارة بوش بمصر، والأبرز ما يحدث من تصعيد في الساحة الفلسطينية.
وإذا نظرنا إلى الوضع الدولي فسنجد مرحلة جديدة أخذت تتشكل من جهة علاقات أميركا بكل من روسيا وألمانيا وفرنسا وهيئة الأمم. ولعل أهم ما يمكن أن يُسجل في هذا الصدد يتمثل في تراجع إدارة بوش عن موقفها المتغطرس إزاء هيئة الأمم أو حيال تلك الدول، كما ظهر عندما أدارت ظهرها، وذهبت إلى الحرب على العراق. فخطابات بوش الأخيرة تحمل نبرة تراجعية واضحة وقد وصل الأمر بالبعض إلى اعتبارها "طلب نجدة".
أما في المقابل، فقد راحت كل من روسيا وألمانيا وفرنسا تخطو خطوة إيجابية مقابلة لتشجيع بوش على تقديم تنازل ملموس من خلال الموافقة على إعطاء هيئة الأمم الدور المحوري في العراق، أي إشراك هذه الدول بالقرار العراقي وهو ما رفضته أميركا ولم تزل ترفضه، لأنه يعني الإقرار بفشل الحرب نفسها أو الاعتراف بهزيمة استراتيجية كاملة قامت على أساس الانفراد في القرار الدولي ابتداء من العراق نفسه.
بكلمة، إن الوضع الدولي الجديد دخل مرحلة ثالثة أو رابعة من حيث علاقات الدول الكبرى ببعضها في أقل من خمسة أشهر. ولكن هذه المرحلة الجديدة ما زالت في حالة "الشدّ والرخي" كما يقال، ولم تُحسم المساومة حولها بعد. وهي مساومة صعبة جداً على إدارة بوش التي وجدت نفسها مضطرة إليها، ولكن ضمن المحافظة على الاتجاه الانفرادي الرئيسي، بل هي محاولة احتيالية حتى الآن. وذلك لأن إدارة بوش غير قادرة على المضي باستراتيجيتها التي خاضت الحرب على أساسها، وغير قادرة على التخلي عنها، وهو ما يفسر إرهاصات التراجع ويفسر في الآن نفسه بوادر الهروب إلى أمام بالدخول في مغامرات عسكرية جديدة.
يجب أن يسجل هنا أن الشعب العراقي له الدور الأول في ولادة هذا الوضع الجديد، فالسرعة التي أعلن فيها وبما يشبه الإجماع عن رفضه الكامل للاحتلال، وقد عبّر عن ذلك بأشكال مختلفة تراوحت بين مقاومة مسلحة ومقاومات سلمية، مما أربك المخططات الأميركية، ومن قبلها ما بُني من أحلام بعد احتلال العراق، بل أدخل أميركا في ورطة حقيقية بانت من خلالها كل نقاط ضعفها.
وبهذا يكون المتغير الذي راح يضع بصماته على الوضع فلسطينياً وعربياً وإسلامياً ودولياً يتمثل في مقاومة الشعب العراقي للاحتلال ودخول أميركا في ورطة راحت تكلّفها كثيراً في القتلى والجرحى، وفي الهيبة والحراك السياسي، وفي المال والوحدة الوطنية الأميركية نفسها (المعارضة لبوش اتسعت وهبطت شعبيته هبوطاً ملحوظاً). فالأفق العراقي أصبح مسدوداً في وجه إدارة بوش، فلا هي قادرة على الانسحاب لما يعنيه ذلك من هزيمة خطيرة، ولا هي مطمئنة على الاستمرار لتفاقم المقاومة أكثر فأكثر مع الأيام.
فهي هنا أيضاً تحاول التراجع بإعطاء دور أكبر لهيئة الأمم في محاولة احتيالية لإبقاء ذلك الدور تحت سيطرتها الكاملة، كما بإعطاء صلاحيات أوسع لما يسمى بمجلس الحكم في مسعى لإبقائه، في الوقت نفسه، تحت أمرة بول بريمر.
هذا المتغير التقط جيداً، بسبب وضوحه وقوته، من قبل عدد من الدول العربية والدول الكبرى، وهو ما أفشل الإملاءات التي حملها بوش وكولن باول للمنطقة. فأميركا هي التي يجب أن تتّعظ من عدوانها على العراق واحتلاله وليس الآخرون.
الأمر نفسه حدث في الساحة الفلسطينية. وقد عبّر عن ذلك قبول الرئيس الفلسطيني الفوري لاستقالة حكومة محمود عباس، ولجوئه إلى تشكيل حكومة تحت قيادته المباشرة. وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة تحدياً لها فراحت تنسّق مع شارون باتجاه التصعيد الذي تجاوز كل الخطوط الحمر. وذلك بالإعلان الرسمي أن قادة حماس، وفي مقدّمتهم الشيخ أحمد ياسين، داخل فلسطين وخارجها مستهدفون بالاغتيال الفوري وحيثما أمكن ذلك. ثم صحب ذلك الإعلان عن استهداف قادة حماس والجهاد وحزب الله في سوريا ولبنان، وصولاً إلى اتخاذ قرار بإبعاد ياسر عرفات؛ بل التلويح بقتله. وبالطبع هذا ينطبق على كل قادة فصائل المقاومة. بكلمة إنها الحرب الشاملة، وبهذا يكون بوش وشارون قرّرا توحيد الصف الفلسطيني وإحداث تغيير أساسي في المواجهة.
على أن البداية في فهم هذا التطور يجب أن تنطلق من تقدير للموقف باعتبار هذا التصعيد جاء نتاج فشل السياسات الأميركية والإسرائيلية السابقة في ميادين المناورة السياسية كما في الميدان العسكري والأمني، ليس في الساحة الفلسطينية فحسب وإنما أيضاً في الساحتين العربية والعالمية. ولو لم يكن الأمر كذلك لما ذهبا إلى هذا المستوى من التصعيد الذي يؤدي بالضرورة إلى الدخول في معركة مع الوضع العربي كله، بالرغم من سياسات التخاذل والتراخي كما تعبّر عنها بعض الأنظمة العربية. بل إن هذه هي التي ستصرخ أولاً خوفاً من وقوع أحداث فلسطينية تحرك الشارع العربي من جديد.
الذي يراد التركيز عليه، ختاماً، هو التغير الذي تشهده المعادلة فلسطينياً. فقد وصل الوضع إلى نقطة إعلان الحرب الشاملة ضد كل الشعب الفلسطيني، ووضع الإصبع على الزناد ولكنه في حالة تردد في الضغط عليه، لأن الانتقال من إعلان الحرب إلى الحرب نفسها لن يكون في مصلحة بوش وشارون. فالشعب الفلسطيني لم يخسر يوماً في المواجهات بالرغم من ثقل التضحيات، وإنما كان يخسر عندما يبدأ التراجع من خلال الاستدراج السياسي والدخول في المساومات، حيث يفقد وحدته بالضرورة، وتبدأ الضغوط العربية والدولية تنهال عليه من كل جانب.
ومن هنا فإن الشعب الفلسطيني يتّحد الآن لاستقبال هذه الحرب التي لن يكسبها التفوق العسكري أو الاجتياحات والاغتيالات وإعادة الاحتلال، وإنما تكسبها إرادة الصمود والصبر والتضحية ومواصلة مقاومة الاحتلال. فما من أحد يشك بقدرة الجيش الإسرائيلي على التدمير والاحتلال والقتل، ولكن لا قيمة لكل ذلك إلا في حالة واحدة هي الاستسلام الذي لن يناله مهما فعل. ولهذا يجب أن تُقرأ هذه الحرب إذا ما ضُغط على الزناد أنها ستكون محسومة في مصلحة الشعب الفلسطيني الذي لن يجد نفسه وحيداً، ما دام متكلاً على الله، وموحداً وصابراً ومصابراً، لا تُكسر إرادته في المقاومة والصمود. ومن ثم لا مخرج لبوش وشارون من هذا المأزق إلا إذا أعادا الاعتراف بياسر عرفات فهل سيفعلان؟ أم سيغلبهما التطرف وغرور القوة العسكرية؟
الأفضل أن يبقيا على حمقهما ولو كان الثمن غالياً!!

إ

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003