|
عند اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة، كانت توقعات الكثيرين لها بأنها لن تدوم
غير بضعة أيام أو بضعة أسابيع في أقصى الأحوال، ولكن هذه الانتفاضة فاجأت
الجميع واستمرت بضعة أعوام، حيث أكملت في الثامن والعشرين من شهر أيلول/سبتمبر
الماضي عامها الثالث مدشّنة العام الرابع لها، رغم القسوة والوحشية منقطعة
النظير التي تعرّضت لها من ِقبل آلة الحرب الصهيونية بهدف قمعها وإخمادها.
إن قدرة الانتفاضة على الاستمرار، وما أبدعه الشعب الفلسطيني فيها من بطولات
وتضحيات قلّ نظيرها، أسقط كل المراهنات على أن هذا الشعب العظيم قد خضع
واستكان، وأنه لن يعيد إنتاج انتفاضة جديدة شبيهة بانتفاضته الكبرى عام 1987،
خصوصاً بعد عملية التسوية السياسية التي بدأت في مدريد عام 1991، حيث سادت
أجواء تشير إلى أن الشعب الفلسطيني رأى في هذه التسوية نافذة أمل لتحقيق أمانيه
وتطلعاته. ولكن هذا الشعب أثبت أنه على درجة كبيرة من الوعي والمسؤولية، حيث
أتاح لهذه التسوية أن تأخذ مداها حتى ينكشف زيفها وحقيقتها على أرض الواقع، وهو
ما حدث فعلاً، حيث أشعل انتفاضة جديدة بعد سبعة أعوام على اتفاقيات أوسلو، التي
أنتجت فشلاً ذريعاً عكس نفسه في عدم قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وعدم
عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم، وعدم توقف الاستيطان، وعدم الإفراج عن
الآلاف من الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الصهيوني.
لقد انطلقت انتفاضة الأقصى في مرحلتها الأولى بوسائل شبيهة بالانتفاضة السابقة
لها، حيث انطلق الشعب الفلسطيني يقاوم المحتل بالحجر والمقلاع، ولكن العدو
الصهيوني واجه الحجر بالرصاص، والمقلاع بالدبابة، وأخذت طائراته تقذف بالقنابل
والصواريخ أبناء شعبنا العزّل، فلم يجد هذا الشعب بداً من أن يدافع عن نفسه بكل
ما يملك، فكانت "القنابل البشرية" هي سلاحه الأساس في إيجاد توازن للردع أو
الرعب في مواجهة الآلة العسكرية الصهيونية المتوحشة.
لذا انطلق مبعوثو الإدارة الأميركية في زيارات متتابعة إلى فلسطين المحتلة
إنقاذاً لهذا الكيان الصهيوني من مأزقه، حيث أطلقوا مبادرات عديدة حملت أسماء
(ميتشيل، تينيت، زيني، باول) كانت تقوم في جوهرها على وقف الانتفاضة والمقاومة
الفلسطينية. وعندما فشلت جميع تلك المبادرات، أعلنت اللجنة "الرباعية" مشروعاً
جديداً أسمته "خارطة الطريق" وهو مشروع ضلّ الطريق الصحيح كغيره من المشاريع
السابقة، ولا يغيرّ في ذلك ما ورد من نصوص مبهمة وغامضة حول الدولة الفلسطينية
"المؤقتة" التي تمّت الإشارة إليها كرشوة لقبول المشروع، في الوقت الذي كان
يدفع الفلسطينيين نحو "حرب أهلية" من خلال الضغط المتلاحق على السلطة
الفلسطينية لوقف المقاومة، ونزع سلاحها، وتفكيك بنيتها التحتية.
إن رسالة الانتفاضة في ذكراها السنوية الثالثة تقول بأنها هي خيار الشعب
الفلسطيني لإنهاء الاحتلال واستعادة الأرض والحقوق والمقدسات، وأن المقاومة هي
الطريق الحقيقي والوحيد لتحقيق ذلك. ولئن لم يتحقق هذا خلال الأعوام الثلاثة،
فإن مراكمة التضحيات والإنجازات هي التي ستعبّد الطريق إلى النصر والتحرير بإذن
الله. وإن الاستناد إلى ما يتكبّده الشعب الفلسطيني من خسائر في الأرواح والمال
لا ينبغي النظر إليه من زاوية واحدة، ذلك أن القاعدة في فهم ذلك هو الآية
القرآنية (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون
وترجون من الله ما لا يرجون).
كما تؤكد الانتفاضة في ذكراها أن الوحدة الوطنية الفلسطينية هي القاعدة
الأساسية في مواجهة الاحتلال، حيث تجلّت تلك الوحدة في أبهى صورها خلال أعوام
الانتفاضة الثلاثة. لذا لا يجوز أن تخضع هذه الوحدة لأي نوع من أنواع الضغوط
والابتزاز والتحريض.
في ذكرى الانتفاضة الثالثة، نحيّي الشعب الفلسطيني البطل، ونترحّم على شهدائه
الأبرار، ونكبر أسراه ومعتقليه الشامخين في سجون الاحتلال، ونقول لهؤلاء (ولا
تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).
التحرير
|