مدينة الخليل:
إعادة احتلال ومصادرة وتوسّع استيطاني
الخليل/خاص
لم تكن القواعد العسكرية الدائمة التي استحدثتها سلطات الاحتلال في السابع عشر
من شهر آب/أغسطس الماضي على أكبر تلّتين في البلدة القديمة من الخليل قد أقيمت
بقرار عسكري صهيوني متسرع أو قرار عشوائي, بل بناءً على ضغوطات صهيونية مارسها
زعماء الاستيطان في البلدة القديمة في الخليل منذ توقيع اتفاق أوسلو الذي انبثق
عنه بروتوكول الذي وقّعته السلطة مع نتنياهو، والذي أعطى أجزاء كبيرة من حارة
الشيخ وحارة أبو سنينه للفلسطينيين ضمن ما يعرف بـ(H1)، وقد عمد المستوطنون في
ذلك الحين الى رفع العشرات من بيانات الشجب والاستنكار إلى مكاتب رئاسة الوزراء
من أجل إعادة السيطرة على هذين الحيّين مجدداً وإعادتهما للسيطرة الصهيونية.
إطلاق يد المستوطنين
إن اتفاق أوسلو المشؤوم أطلق يد المستوطنين والجيش الصهيوني في البلدة القديمة
في الخليل من أجل تحويلها إلى مستوطنة كبيرة، فواصل المستوطنون الاستيلاء على
الحيين المذكورين، وكانوا كثيراً ما يهاجمون الفلسطينيين القاطنين فيها على
اعتبار أن لهم حقاً كاملاً فيها، ويجب عدم السماح بتواجد أي فلسطيني هناك.
وعزا الجيش الصهيوني والمستوطنون الذين يشكلون وجهين لعملة واحدة هذا الاهتمام
المفرط من قبلهم بالحيين المذكورين إلى أنهما يشكلان أعلى نقطة، ويشرفان بشكل
مباشر على أربعة جيوب استيطانية داخل البلدة القديمة في الخليل، ويسعى الاحتلال
إلى تحويلها إلى مستوطنة كبيرة مترامية الأطراف تمتد من مستوطنة "كريات أربع"
شرقاً إلى حي تل الرميدة غرباً، ومستوطنة "حجاي" جنوباً، ويستعمل المستوطنون
الأحداث الدائرة في الخليل كمبرر للاستيلاء على منازل الفلسطينيين والطرق
المؤدية إليها وإغلاق المؤسسات الفلسطينية الموجودة فيها وإنهاء أي أثر فلسطيني
هناك من أجل تنفيذ هذه الخطة.
ومنذ نهاية السبعينات وحتى عام 2003 أقام المستوطنون أربع بؤر محصنّة على
امتداد المساحة المذكورة، وحولوا المناطق التي تقع في طريقها إلى أحياء مهجورة
ومرعبة.
وبالرغم من قصر المدة الواقعة بين عامي 1967 و2003، فإن المستوطنين استطاعوا
إيجاد تغييرات سريعة وكثيرة في هذه المدة المحددة، مما يبيّن اهتمام الاحتلال
الصهيوني بالمدينة. في المقابل يظهر الإهمال الفلسطيني من قبل العرب والمسلمين
باستثناء بعض الفعاليات التي يقوم بها الشرفاء والمخلصون من الفلسطينيين، وعلى
رأسهم من ثبتوا طوال السنين المذكورة في البلدة القديمة وتحملوا الاعتداءات من
الجيش الصهيوني والمستوطنين على حد سواء، وأصبحت تلك البؤر تشكل نقاطاً عسكرية
دائمة تحوي في محيطها مئات الجنود الصهاينة ممن تواجدوا بحجة توفير الأمن
للمستوطنين. ولا نبالغ إذا قلنا إن عدد الجنود المكلفين بحماية المستوطنين
أصبحوا أكثر من المستوطنين أنفسهم وينتمون إلى عدة وحدات صهيونية عاملة في
الجيش الصهيوني، انضمت إليها مؤخراً وحدات عسكرية نسائية لمواجهة نساء البلدة
الفلسطينيات في حال دفاعهن عن بيوتهن.
وأسس المستوطنون قواعد عسكرية دائمة عبر تلك البؤرة لا يمكن للمرء أن يحصيها
لكثرتها وانتشارها وتتمثل هذه النقاط بإنشاء نقاط عسكرية على أسطح المنازل
العالية المحيطة بالحرم الإبراهيمي الشريف، وأحياء جبل جوهر وحارة الشيخ وحي
أبو سنينه وقب الجانب وطلعة التكروري ومناطق القزازين وخان شاهين وباب الزاوية
وشارع الإخوان المسلمين والكثير من النقاط الأخرى التي يصعب حصرها.
وهذه البؤر الاستيطانية هي: (الدبويا) أو (بيت هداسا)، و(بيت رومانوا) وهي
مدرسة فلسطينية تسمى مدرسة أسامة بن المنقذ، (وتل الرميدة)، و(أبراهام أبينو)
القريبة من الحرم الإبراهيمي الشريف. وقد بدأت هذه البؤر بغرفة واحدة أو غرفتين
ثم تحولت إلى بنايات كثيرة وكبيرة وشاهقة ومحصنة في غضون أعوام قليلة، وأصبحت
تستعمل كمسمار جحا للاستيلاء على عقارات الفلسطينيين ومحلاتهم التجارية
ومنازلهم ومساجدهم وأسواقهم، وأصبح من يسكن بالقرب منها من الفلسطينيين هدفاً
لاعتداء المستوطنين ورصاص الجيش. وقد أحرقت العشرات من المحلات التجارية
والمنازل واستشهد العديد من ساكنيها، فيما نقل المئات إلى المشافي جراء هذا
الاعتداء المنظم الذي يمارس ضدهم هناك. وقد أضاف المستوطنون بدعم من الجاليات
والحركات الصهيونية خارج فلسطين المحتلة الى هذه البؤر، المدارس وحاضنات
الأطفال، وأصبحت مرجعية للسياح اليهود والمتطرفين من خارج مدينة الخليل وفلسطين
المحتلة، الذين يلجأون إليها أثناء الأحداث أو المناسبات والأعياد الدينية
اليهودية.
وبروتوكول الخليل قسّم المدينة إلى خمسة أقسام؛ منطقتين داخل المدينة: (H1) وهي
المناطق المحيطة بالبلدة القديمة، و(H2) وهي المناطق التي تقع في حدود البلدة
القديمة وهي لب المدينة وعنوانها التاريخي والحضاري وعصب اقتصادها. أما المناطق
الأخرى التابعة لمدينة الخليل فقد قسّمت إلى ما هو معروف مناطق (أ) و(ب) و(ج)،
وفوق ذلك ضم الاحتلال الصهيوني شوارع هامة مثل شارع السلام والذي يقع ضمن مناطق
سيادة السلطة الفلسطينية، والشوارع التي تربط بين البؤر الاستيطانية إلى الخط
الالتفافي رقم (60) مما جعل للجيش والمستوطنين الصلاحية الكاملة لاستخدامها
والدخول إليها في الوقت الذي يشاؤون.
صفقة مضرّة
كما أن ما حصل في المدينة من تقسيم لم يحصل في أية مدينة فلسطينية بما فيها
مدينة القدس، وقد أجاز بروتوكول الخليل للمستوطنين الحق في التملك والبناء
وشراء العقارات والتصرف فيها بدون المساءلة القانونية، وقد وصف هذا الاتفاق من
قبل المواطنين في الخليل بأنه صفقة بيع وشراء، وهذا الاتفاق سمح ببقاء
المستوطنين بين أحياء الفلسطينيين، علماً بأن عددهم لا يتجاوز (400) مستوطن،
فيما يتجاوز عدد الفلسطينيين من سكان البلدة القديمة 100 ألف فلسطيني.
ورضوخاً لأحكام المستوطنين الجائرة عادت قوات الاحتلال إلى إقامة مواقع عسكرية
صهيونية جديدة وثابتة في حي أبو سنينة وهي أعلى نقطة تشرف على البلدة، بالإضافة
إلى نقطة عسكرية أخرى على جبل الشيخ؛ حيث كانت قوات أمن فلسطينية تتواجد في
الحيّين المذكورين، وقد تم طردهم من هناك بعد المواجهات وعمليات إطلاق النار
التي كانت تنطلق من تلك النقاط.
وكانت سلطة الاحتلال تدّعي أن مطلقي النار استغلوا وقوع هذه المناطق تحت
السيطرة الفلسطينية ونفذوا عمليات عسكرية انطلاقاً منها.
وبالرغم من استباحة المستوطنين والجيش لهذه المناطق حتى ولو كانت تابعة لمناطق
(أ)، إلا أنها المرة الأولى التي تقوم سلطات الاحتلال بإقامة هذه النقاط، وبذلك
أعاد الاحتلال الصهيوني "تصحيح" بروتوكول الخليل و"تقويم" حدود خارطته التي
تبدو أنها إجراءات ستدوم طويلاً، خاصة وأن هذا العمل جاء مع دعاية إعلامية
صهيونية قوية عن نية الجيش الانسحاب من بعض المدن الفلسطينية. وتقع هذه المواقع
على مساحة نصف كيلومتر داخل المناطق الفلسطينية وهي عبارة عن أبراج عسكرية
قائمة على 40 دونماً في المنحدر الشمالي لمركز المدينة، وتتبع لعائلة الجنيدي
في حارة الشيخ، وكانت بلدية الخليل تنوي إقامة منتزه عليها, وقد جاء هذا التصرف
بشكل سريع ودون إنذار مسبق.
وقد جاء في هذا القرار أن قوات الاحتلال تنوي وضع اليد على الأراضي لغرض إقامة
نطاق دفاعي لوحدة عسكرية في حارة الشيخ والحماية الإجمالية هناك.