فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Nov2003
PDF نسخة
ولنا كلمة
وراء الأخبار
دفاتر فلسطينية
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون فلسطينية4
شؤون فلسطينية5
تحقيق
الغلاف1
الغلاف2
شؤون العدو
رأي
شؤون عربية1
شؤون عربية2
شؤون عربية3
مقابلة
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
حصاد الأيام
قناديل الشهادة
قضايا
بريد القراء
أقوال وأرقام
وجوه
مع الغروب
لوحات فنية

 

وجوه

مهندس القسام محمد الحنبلي... باع الدنيا واشترى الشهادة

ياسر الزعاترة
ليلة الجمعة 5/9/2003 كانت نابلس، مدينة جبل النار ومستودع الشهداء تعيش أجواء معركة حامية الوطيس بين جحافل من قوات الاحتلال مصحوبة بعدد كبير من الآليات والدبابات، إضافة إلى غطاء جوي من طائرات الأباتشي، وبين "مطلوبين" يتحصنون في إحدى البنايات.
معركة طويلة تابعها أهالي نابلس من دون أن يعلموا الكثير عن تفاصيلها، حتى انجلى الصباح، حيث تبين أنها معركة بين محمد عبد الرحيم الحنبلي وقوات الاحتلال، أسفرت عن مقتل جندي وجرح أربعة آخرين واستشهاد البطل، ومن ثم نسف العمارة التي كان يتحصن فيها كاملة، بعد أن جرى إخراج سكانها الذين رفضوا بدورهم التعاون مع جنود الاحتلال بالكشف عن مكان وجود الشهيد داخل العمارة.
في اليوم التالي احتفت وسائل الإعلام الصهيونية بمقتل الحنبلي الذي قالت إنه مسؤول عن قتل 26 إسرائيلياً في عدد من العمليات، أهمها تفجير حافلة ركاب في حزيران/يونيو 2003 أسفرت عن قتل 19 إسرائيلياً.
محمد الحنبلي وكما هو شأن من سبقه من مهندسي "حماس" ومجاهديها، حكاية بطولة لن يطويها النسيان، وسترويها الجدات للأطفال في أزمنة قادمة كشاهد على روعة هذه الأرض وبركة هذه المدن، التي تطوّق بيت المقدس وتعيش في أكنافه عناوين للشموخ والكبرياء.
محمد الحنبلي ظاهرة سيقف أمامها الغربيون مشدوهين، تماماً كما وقفوا أمام نماذج لا تحصى من رجال "حماس" ومقاتليها واستشهادييها. فهنا ثمة شاب لم يعرف الفقر ولا الحرمان الذي يقال إنه يدفع الشبان إلى الانخراط في طوابير الشهداء كما تقول النظرية البائسة المعروفة، بل إنه الإيمان العميق الذي يستعصي على فهم من يعجزون عن إدراك ما يفعله هذا الدين العظيم بقلوب أتباعه، وكيف يدفعهم لشراء الآجلة وبيع العاجلة.
عام 1976، ولد الشهيد محمد الحنبلي لأب يعد واحداً من رموز مدينة نابلس، فهو رئيس لجنة الزكاة وإمام وخطيب المسجد الحنبلي المتحدر من أشهر عائلات المدينة وأوسعها جاهاً وثراءً، حيث يملك مصنع الصفا لإنتاج الألبان. كما كان جده الإمام والقاضي المعروف راضي الحنبلي الذي تعرفه مساجد نابلس خلال عقود طويلة، كما يعرفه أهلها وتعرفه أحياؤها.
"ذرية بعضها من بعض".. فمن هذه الأسرة العريقة خرج محمد، وعلى موائد القرآن تعلم وتربى وصولاً إلى نجاحه في الثانوية العامة بتفوق والتحاقه بقسم الهندسة الصناعية في جامعة النجاح، ومن ثم تخرجه منها وإصراره على حضور حفل التخرج متحدياً الاحتلال الذي كان يطارده في ذلك الوقت.
خلال سنوات الدراسة الجامعية برز محمد الحنبلي كواحد من القيادات الكبيرة والمهمة، ليس كعضو في مجلس الطلبة فحسب، وإنما كمحرك لنشاط الكتلة الإسلامية وهو ابن الأسرة الميسورة، حيث استثمر ذلك في التواصل مع الطلبة الفقراء بالخير والعطاء.
نذر حياته لخدمة دينه وفكرته، فعلى رغم نشأته في بيئة اليسر والثراء، إلا أنه عاش حياة الزهاد والمجاهدين، يمضي الأيام الطوال لا يعود إلى بيته وهو يتنقل بين مساكن الطلبة داعية ومحرضاً على الجهاد في سبيل الله. جاءته الدنيا طائعة، فقال لها: "غري غيري، لقد طلقتك ثلاثاً واشتريت الشهادة في سبيل الله".
بسبب هذا النشاط الحثيث اعتقل محمد في سجون السلطة أكثر من مرة، فقد تزامن عطاؤه مع صعود اتفاق أوسلو بعد عام 1995، لكن ذلك لم يثنه عن القناعة بأنه "زبد سيذهب جفاءً" وأن "ما ينفع الناس" ويحيي الأمة ممثلاً في الجهاد هو الذي سيبقى.
حين انقشع غبار (أوسلو) واندلعت انتفاضة الأقصى كان محمد ينهي دراسته الجامعية ويبدأ رحلة الجهاد الأقوى، في وقت كانت نابلس راية الجهاد والاستشهاد في فلسطين كلها.
كان إخوانه يستشهدون واحداً إثر الآخر، القادة منهم والأفراد ممن كانت له معهم أعمق الصلات، كما هو شأن القائدين جمال منصور وجمال سليم، فضلاً عن صديقه قيس عدوان رئيس مجلس الطلبة الذي كان هو عضواً فيه.
استمر نشاط محمد الحنبلي دون كلل، حتى أصبح قائداً للجناح العسكري في شمال الضفة الغربية، وصار أهم المطلوبين الذين تداهم بيوتهم مراراً وتكراراً. فقد دُوهم بيت أهله أكثر من خمسة عشرة مرة واعتقل والده الدكتور عبد الرحيم الحنبلي، وهدمت عمارة كاملة تعود لأسرته مكونة من أربعة طوابق.
رحلة جهاد طويلة وشاقة لهذا الفتى النابلسي كان لا بد لها أن تختم بأجمل خاتمة، في معركة بطولية ستذكرها نابلس وفلسطين كلها.
رحلة جهاد طويلة كان يدرك جيداً خاتمتها، بل إنها كانت الأمنية، لكنه كان يريد الاثخان في عدوه قبلها. وهو ما تحقق له من خلال العمليات التي خطط لها أو شارك فيها، كما تحقق له من خلال المعركة الأخيرة.
في اليوم التالي لاستشهاده تحدث ضابط إسرائيلي كبير عن استشهاد محمد الحنبلي معتبراً إياه "ضربة قاصمة" لحركة "حماس"، لكنه ما لبث أن استدرك قائلاً، إنه على الرغم من ذلك فإن "بوسع الحركة أن تنشئ قادة جدداً في غضون أسابيع".
تلك هي الحكاية... شهداء يرتقون إلى العلى، ورجال يحملون الراية، ثم يستشهدون.. وهكذا تتواصل المسيرة دون توقف، بل بعطاء متصاعد وصولاً إلى النصر العظيم.
سلام على محمد وعلى من سار على دربهم، وعلى الذين سيسيرون على دربه، درب الجهاد والاستشهاد، إلى يوم الدين.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003