الدفاع عن قلقيلية
الشيخ مشهور حيمور
وكيل وزارة الأوقاف الأردنية سابقاً
ومجاهد في جيش
الإنقاذ في فلسطين
في مركز عملي الجديد، ازدادت المسؤوليات التي ألقيت عليّ حيث التخطيط والتنظيم
واستقبال اللجان القومية والمتطوعين، وتحويلهم إلى مراكز التدريب المتوافرة في
القيادات الفرعية، والسعي لتأمين الألبسة واللوازم العسكرية والأسلحة لهم –ما
تيسّر منها- الذي يصلنا من دعم اللجان الشعبية وغيرها. لكن ذلك لم يمنع القائد
العام من إرسالي إلى بؤر الخطر والاشتباك حين تصل تقارير الاستخبارات العسكرية
إما بالتحشيد المعادي أو بقرب وقوع هجمات، ومن ذلك:
وردت معلومات من استخباراتنا في منطقة طولكرم عن حشد قوات صهيونية في مستعمرة
((كفار سابا)) وما جاورها من المستعمرات للهجوم على مدينة قلقيلية العربية وما
حولها وربما امتدت غزوتها إلى مدينة طولكرم. وفي القوت ذاته وردت معلومات بأن
العصابات الصهيونية فتحت معركة حامية في مدينة يافا، وأن الموقف فيها حرج لضعف
سلاح المدافعين عن يافا، واستمرار وصول الإمداد للعصابات الصهيونية من سلاح
ومتطوعين.
كانت أوامر القيادة العامة إليّ واضحة: إذا استطعت أن ترد العدوان المرتقب على
قلقيلية فواصل التقدّم نحو المستعمرات الواقعة بين ((كفار سابا وتل أبيب))
وهاجمها بأشد ما أمكن من كثافة النيران لتخفف الضغط عن يافا.
تحركتُ ومن معي من المجاهدين إلى طولكرم وأنا في مدرعة القيادة ((هورموك)) التي
غنمتها في معركة ((باب الواد)) وبصحبتي عدد من الضباط الممتازين، وكذلك الملازم
اليوغسلافي المسلم المدفعي خالد في السيارة العسكرية التي تسحب مدفعه المتوسط
خلفه. وصلنا طولكرم والتقينا باللجنة القومية للمدينة في مبنى البلدية.
عرّفتُ بمن معي من الضباط وبقوة المجاهدين التي معي، وشرحت لهم المعلومات التي
وصلت عن حشود اليهود في ((كفار سابا)) والمستعمرات المجاورة لها للهجوم على
قلقيلية، وإذا نجحوا في تحقيق هدفهم ربما واصلوا زحفهم شمالاً نحو مدينة
طولكرم. وطلبت منهم دعمنا بمن عندهم من المجاهدين وبخبراء في المنطقة لإرشادنا
إلى أفضل الطرق للوصول إلى قلقيلية دون الوقوع في كمائن أو مفاجآت من اليهود
خلال السير إلى هدفنا.
تحركتُ والقوة التي معي والمجاهدون الذين التحقوا بنا في طولكرم، وسرنا بخطة
عسكرية مدروسة بعناية، ووزعت العيون والأرصاد في كل اتجاه، وحمدنا الله أن
أوصلنا المدينة بسلام.
كان لا بد من ضبط النفوس وتهدئة المشاعر؛ فالأمر جدّ، والمعركة ليست عراضة في
عرس، أو مشاجرة بين أسرتين. لذا: ضبطت الأمر بحزم وشدة، ووضعت الخطة التالية:
- مفرزة من عدة فصائل بقيادة أحد الضباط تتولّى حراسة مداخل مدينة قلقيلية
ومحيطها لضمان عدم التفاف اليهود علينا، أو مباغتة أطراف المدينة وتدمير منازل
فيها، أو الاعتداء على النساء والأطفال.
- مفرزة من المجاهدين المدربين عسكرياً –ممن حضروا معي من القيادة- تنتشر في
بساتين البرتقال (وتُسمى بيّارات)، وتمكن فيها لمباغتة اليهود المتقدّمين من
((كفار سابا)) والقضاء عليهم.
- تركيز المدفع بترتيب من الملازم المدفعي خالد في موقع اختاره بحيث يستطيع أن
يضرب منه مستعمرة ((كفار سابا)) والمستعمرات المجاورة، والطرق الخارجة منها
باتجاه قلقيلية؛ وكلّفت الملازم خالد بالصعود على خزان من الماء القريب من
قلقيلية، ويرتفع نحو خمسة عشر متراً عن سطح الأرض، ليقوم بتوجيه الرامي عن طريق
جهاز الاتصال (اللاسلكي)، لإطلاق القنابل على العدو. وقد كان لهذا المدفع أثر
فعال في كسب المعركة.
بإنجاز هذه الترتيبات اتخذت مركزاً لقيادتي ومن معي من ضباط ومعاونين في موقع
متوسط أستطيع منه أن أدير المعركة. وبدأ الاشتباك مع العصابات الصهيونية
المتقدّمة التي فوجئت بالنيران من الكمائن والمواقع المخفية بعناية، فانكسرت
موجة هجومهم. وتبيّن لي من الصدمة الأولى التي تلقوها من نيران أسلحة المجاهدين
أنهم لم يكونوا متصوّرين أن يقابلهم أحد في طريقهم إلى قلقيلية. وشاهدناهم
يُخلون قتلاهم وجرحاهم من الميدان. ثم عادوا ينظمون صفوفهم دون أن يكتشفوا
مواقع المدافعين الذين صدّوهم وقتلوا وجرحوا عدداً كبيراً منهم.
فاتني أن أشير في هذه الفقرة إلى أن الترتيبات التي اتخذتها للدفاع عن قلقيلية
أخذت منا يوماً وليلة كاملين وأن عيوننا ورصدنا كان يرقب كل حركة حولنا خشية
المفاجأة. وأني تحدثت إلى وجهاء المدينة ومخاتيرها وشبابها وطمأنتهم بأننا
سنموت كلنا شهداء قبل أن تتمكن العصابات الصهيونية من الوصول إلى مدينتهم أو
احتلالها.
دارت معركة اليوم الثاني وكانت أعنف من التي سبقتها، وحصل التحام بين قوات
(الله أكبر) وعصابات ((كاديما)) –وتعني بالعبرية ((تقدّموا)).
وإن أنسى فلا أنسى الشريفات من نساء قلقيلية وهنّ يحملن الماء والطعام
للمجاهدين، ويُشرفن مع المختصين على تضميد جراحات بعض المجاهدين، وإخلاء من
استشهد منهم.
ثم لو رأيت -أخي القارئ- الملازم خالد المدفعي اليوغسلافي المسلم، من على خزان
الماء القريب من قلقيلية، وهو يوجّه رامي المدفع –من خلال جهاز اللاسلكي-
وقنابل مدفعه تشتّت إمدادات العصابات لأفرادها، ويعود فيطلق قذائفه باتجاه
المستعمرات اليهودية ليفرّ أهلها من بيوتها وأحيائها؛ إذاً لرأيت قوة الله (فوق
أي قوة).
وانتهت محاولات عصابات اليهود، وأنجى الله مدينة قلقيلية من الاحتلال وأعراض
حرائرها من الانتهاك. وقدّمت قوّتنا عدداً من الشهداء وعدداً آخر من الجرحى.