العدوان الإسرائيلي على عين
الصاحب وقانون محاسبة سوريا:
مرحلة جديدة من الضغوط على سوريا ولبنان وكل الاحتمالات متوقعة
بيروت/قاسم قصير
تسارعت التطورات الإقليمية والدولية في الأسابيع الأخيرة بشكل خاص بسيران نحو
مرحلة جديدة مختلفة كلية عما كان عليه الوضع قبل ذلك. وشكّل العدوان الإسرائيلي
على منطقة عين الصاحب في سوريا بعد عملية استشهادية لحركة الجهاد الإسلامي في
حيفا المؤشر الجديد في تطورات المنطقة، مما يعني ربط الوضع في فلسطين وتفاعلاته
بالأوضاع في سوريا ولبنان.
وتزامن ذلك مع إقرار الكونغرس الأميركي مشروع ((قانون محاسبة سوريا)) في إشارة
واضحة إلى ازدياد الضغوط الأميركية على دمشق بسبب مواقفها في لبنان وفلسطين
والعراق، مع العلم أن المسؤولين الأميركيين أعلنوا بوضوح دعمهم للعدوان
الإسرائيلي على سوريا وعطّلوا مناقشات ((مجلس الأمن)) لهذا العدوان ومنعوا صدور
أي قرار عن المجلس يدين العدوان. وانطلاقاً من هذه المعطيات وتزامناً مع ما
يجري في العراق من تطورات والضغوط المتزايدة على سوريا وإيران ولبنان، فإن
المراقبين والمحللين السياسيين أشاروا إلى إمكانية تصاعد هذه الضغوط مما يفتح
الباب واسعاً أمام المزيد من الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ولبنان وإمكانية
توسعها إلى ما يشبه الحرب المفتوحة.
فما هي الدلالات السياسية والاستراتيجية لما حصل من تطورات وكيف ستنعكس على
الوضع اللبناني والفلسطيني؟
الضغوط على سوريا
تؤكد مصادر دبلوماسية مطلعة في بيروت أنه سبق العدوان الإسرائيلي على سوريا
إرسال رسائل مباشرة للمسؤولين السوريين عبر مصادر أوروبية وعربية تشير إلى أن
هناك تغيرات جديدة في المنطقة، وأن سوريا ستواجه المزيد من الضغوط العسكرية
والسياسية، وأن على سوريا أخذ ذلك بعين الاعتبار، إن على صعيد إدارة الوضع في
لبنان أو تجاه الملف العراقي واحتضانها لهذه القوى ودعمها لها. وأبرز ما قيل في
هذا المجال ما نُقل عن الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى السوريين حول خطورة
المرحلة المقبلة، وما أشار إليه الرئيس المصري حسني مبارك والمسؤولون في قطر.
بعد أقلّ من 48 ساعة على وصول هذه الرسائل التحذيرية إلى المسؤولين السوريين
جاء العدوان الإسرائيلي على منطقة عين الصاحب بحجّة الانتقام للعملية
الاستشهادية التي نفّذتها حركة الجهاد الإسلامي في حيفا وباعتبار وجود مركز
تدريب للحركة في هذه المنطقة.
وخطورة العدوان الإسرائيلي على سوريا أنه يأتي بعد مرور حوالي 30 عاماً على وقف
النار بين سوريا والكيان الصهيوني عام 1974، وأنه يُسقط معاهدة فكّ الاشتباك
التي وقّعت بعد حرب تشرين 1973 ويجعل العمق السوري في مرمى الطيران الإسرائيلي،
كما أن العدوان نال موافقة ودعم أميركيين على لسان الرئيس جورج بوش وغيره من
المسؤولين.
وتلا العدوان الإسرائيلي إقرار مجلس الكونغرس الأميركي لقانون محاسبة سوريا
وموافقة الإدارة الأميركية على ذلك، بعد أن كانت تمتنع عن الموافقة سابقاً، مما
يشير إلى أن الأميركيين لم يعودوا في وارد التعاطي الإيجابي مع السوريين
وانتقلوا من مرحلة التفاوض والمطالبة بتحقيق بعض المطالب إلى مرحلة الضغوط
العملية في ظل توافق أميركي – إسرائيلي كاملين.
وتتلخص المطالب الأميركية والإسرائيلية بإقفال مكاتب المنظمات الفلسطينية في
دمشق وعدم استضافة قادة هذه المنظمات، نشر الجيش اللبناني على الحدود اللبنانية
ووقف عمليات المقاومة وسحب سلاح حزب الله، ضبط الحدود السورية – العراقية لمنع
تسلل عناصر عربية وإسلامية مقاوِمة إلى داخل العراق، الانسحاب العسكري والسياسي
من لبنان وعدم التدخل في الانتخابات الرئاسية وعدم تشجيع تعديل الدستور. كما
وصلت لائحة المطالب إلى بعض القضايا التي تمسّ الوضع السياسي داخل سوريا.
تركيا وإيران
وإضافة للضغوط الأميركية – الإسرائيلية المباشرة فقد حصلت عدة تطورات على صعيد
المنطقة تكشف عن عمق وخطورة ما يجري، ومنها موافقة البرلمان التركي على دخول
الجيش التركي للعراق، ورغم أن الحكومة التركية قد أعلنت تأجيل تنفيذ هذا القرار
بسبب المعارضة العراقية والإقليمية، فإن مجرّد إقراره مبدئياً بعد ضغوط ومطالب
أميركية، يشير إلى أن تركيا يمكن أن تلعب دوراً مباشراً في المنطقة من البوابة
العراقية ويمكن أن يعمد الأميركيون لاستخدام الأتراك كورقة ضغط على سوريا كما
حصل قبل عدة سنوات، مما اضطر السوريين لتوقيع اتفاقيات أمنية مع تركيا.
وتزامناً مع ذلك تصاعدت الضغوط الأميركية – الإسرائيلية – الدولية على
الجمهورية الإسلامية الإيرانية بسبب الملف النووي، ووصل حجم الضغوط إلى قيام
الإسرائيليين بتوزيع مخطط أعدّه الموساد حول إمكانية قيام الجيش الإٍسرائيلي
بقصف المواقع النووية الإيرانية.
وقد أدّت هذه الضغوط إلى مسارعة إيران للتخفيف من التوتر عبر تسليم قضية الملف
النووي للدول الأوروبية وإعطائها الموافقة على التوقيع على البروتوكول الإضافي
لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وإخضاع برامجها النووية للمراقبة من قبل
الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومقابل ذلك حصلت إيران على وعود أوروبية بمساعدتها في برامجها النووية السلمية.
لكن اضطرار إيران للموافقة على المطالب الدولية يكشف حجم الضغوط التي تتعرض لها
المنطقة والتي يمكن أن تزداد مستقبلاً.
المنطقة إلى أين؟
الذي يبحث عنه الجميع: المنطقة إلى أين؟ المصادر السياسية والدبلوماسية في
بيروت تؤكد أن الأوضاع تتجه نحو مرحلة خطيرة وجديدة وأن أي اشتباك عسكري جديد
قد يدفع الوضع كله نحو الانفجار، مما يفتح الباب أمام كل الاحتمالات، خصوصاً
إذا قررت سوريا الرد على أي عدوان إسرائيلي جديد (بعد حصول عمليات استشهادية في
فلسطين) بعمل عسكري مضاد غير محدد على صعيد طبيعته وحجمه ومكانه. ورغم أن
الأداء السوري السياسي والأمني والعسكري بقي حتى الآن ملتزماً بسقف محدد
واعتماد اللجوء إلى المؤسسات الدولية ومجلس الأمن، فإن ذلك لا يمكن أن يستمر،
ولعل ما جرى على الحدود اللبنانية – الفلسطينية بعد العدوان الإسرائيلي ومقتل
جندي إسرائيلي وإطلاق صواريخ الكاتيوشا، كشف بعض وجوه الرد المتوقع مستقبلاً.
فماذا سيحصل إذا تكررت العمليات الاستشهادية في فلسطين وتصاعد التوتر في العراق
وقرر الأميركيون والإسرائيليون تنفيذ اعتداءات جديدة على سوريا ولبنان؟ وكيف
سيكون الرد السوري وما هو حجمه ومكانه؟ وهل ستبقى التفجيرات محصورة في سوريا أم
ستمتد إلى دول أخرى في المنطقة (لبنان، الأردن، العراق، مصر)؟
الخيارات السورية؟
وفي ظل تصاعد التوتر في العراق وفلسطين وتصاعد الضغوط، كيف سيتعاطى السوريون مع
هذه الضغوط؟
هناك عدة احتمالات وخيارات:
الأول: أن تستجيب سوريا لبعض المطالب كضبط الحدود السورية – العراقية، وإقفال
المكاتب الفلسطينية في دمشق والتخفيف من الحضور السياسي والإعلامي للقيادات
الفلسطينية في سوريا، وتعزيز حضور الجيش اللبناني على الحدود اللبنانية –
الفلسطينية، وإيجاد وضع لبناني جديد يحقق بعض مطالب المعارضة المسيحية. على أن
تتم هذه الخطوات في إطار قاعدة ((الانحناء أمام العاصفة وعدم الاصطدام مع الثور
الأميركي – الإسرائيلي الهائج)) بانتظار تغير الأوضاع في أميركا أو في المنطقة.
وإن كان هذا الاحتمال ينبغي أن يدرس في إطار الموقف السوري الثابت والمعروف.
الثاني: عدم الاستجابة السورية لأي من المطالب الأميركية – الإسرائيلية ورفض
الخضوع للتهديدات، وحصول تطورات ميدانية متصاعدة في العراق وفلسطين وقيام
الإسرائيليين باعتداءات جديدة على سوريا وقيام السوريين بالرد على الاعتداءات،
مما يعني أن المنطقة ستتجه نحو التصعيد وعلى شارون أن يتحمل المسؤولية، وعلى
الإدارة الأميركية أن تعرف إلى أي مدى يمكن أن تسمح لشارون بالاعتداء على
الآخرين.
الثالث: حصول تطورات إقليمية ودولية تشغل الأميركيين والإسرائيليين عن الملف
السوري، كحصول تطورات دراماتيكية في العراق أو في فلسطين، أو تعرّض الأميركيين
لعمليات استشهادية ضخمة شبيهة بما جرى عام 1982، وهذا الوضع قد يخفف الضغوط على
سوريا.
وحصول أي من الاحتمالات السابقة يشير إلى أن المنطقة ستكون أمام مرحلة جديدة،
والوضع اللبناني سيتلقى الانعكاسات السياسية والأمنية والعسكرية طبقاً لما
سيحصل، وانطلاقاً من ذلك فإن العديد من الأوساط السياسية والحزبية اللبنانية
دعت للإسراع في معالجة المشكلات اللبنانية الداخلية والاستعداد لكل الاحتمالات
والخيارات وزيادة التعاون والتنسيق اللبناني – السوري – الإيراني – الفلسطيني،
لتحديد كيفية التعاطي مع مختلف التطورات.
وقد سعى المسؤولون السوريون للضغط على المسؤولين اللبنانيين لضرورة تخفيف
المشكلات فيما بينهم وخصوصاً حول مشروع موازنة العام 2004 والابتعاد عن
المشكلات السياسية بالنسبة للانتخابات الرئاسية المقبلة. على رغم ذلك فإن الوضع
اللبناني ما زال في دائرة الخطر.