إرادة الشعب تهزم التفوّق العسكري
أكّد الشهر المنصرم أن الحرب الشاملة التي أعلنها شارون وبوش على الشعب
الفلسطيني لم تتحول إلى حرب شاملة، وإنما بقيت ضمن معادلة إعلان حرب كلية
بتنفيذ جزئي ضمن السقف السابق. وذلك لأن استمرار اغتيال القادة الميدانيين
واجتياحات محدودة هنا وهناك، بالرغم من المجزرة التي ارتكبت في اجتياح رفح
البطلة التي قاتلت وصمدت ولم ترفع راية بيضاء واحدة. ولكن أين القرار الذي
يتضمن إعادة احتلال كل المناطق وقتل بعض القادة واعتقال بعضهم الآخر، وأين قرار
إبعاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات؟ كل ذلك بقي في حدود القرار بلا تنفيذ،
الأمر الذي يؤكد أن بوش وشارون خائفان من عواقب تنفيذ ما أعلنا من حرب شاملة.
هذه العواقب ببساطة، تبدأ بالخشية من خسارة كل المكاسب التي حققها اتفاق أوسلو
للدولة العبرية فلسطينياً وعربياً وعالمياً. لأن الاجتياح الواسع الشامل يعيد
الوضع إلى احتلال مباشر في مواجهة شعب صمّم على الانتفاضة والمقاومة والصمود،
ولم يعد بحاجة إلى عِلم الشهيد المهندس بعدما أصبح علمه مشاعاً بين المئات
والآلاف. أما اغتيال القادة أو اعتقالهم أو نفيهم بالرغم مما تركه استشهاد من
يُستشهد من خسارة كبرى وما يتركه فقدُ الأحبة من ألم وحزن لا يذهبان مع السنين
والعقود، فإن الشعب الفلسطيني سيواصل الانتفاضة والمقاومة والصمود بأعلى وأشد
مما حصل حتى الآن. فوعي المقاومة وروحها ترسخا في الناس العاديين بما يشبه
الأرض، التي تشبّعت بالماء حتى راح الماء ينبع منها نبعاً إن لم تفجر ينابيع
جديدة.
بكلمة، إذا كان طريق اجتياح المناطق كلها بالقوات العسكرية مفتوحاً، إلا أنه
مغلق تماماً من ناحية تركيع الشعب الفلسطيني وتحقيق النصر السياسي أو الأمني
ولا حتى العسكري بمعنى القضاء على المقاومة. ولهذا فإن شارون وبوش كلما فكرا في
هذه العواقب، وبصورة الوضع بعدها، ترددا وراحا يبحثان عن بدائل، وقد صعُب
عليهما، في الآن نفسه، أن يُقرّا بانسداد الآفاق والتعرض إلى التراجع – الفشل –
الهزيمة السياسية.
من هنا ندرك لماذا هربا لفتح جبهة مع سوريا من خلال استهلالها بالغارة على بيت
في عين الصاحب ثم التهديد بمحاسبة سوريا، والتلويح بتوسيع العدوان. ولكن الهروب
من المأزق الفلسطيني أدخلهما في مأزق جديد. فمن جهة جاء الرد في اليوم التالي
بقتل جندي إسرائيلي وجرح آخر أو أكثر ليكون إنذاراً أولياً بعدم جدوى تلك
الغارة، ثم تتالت التصريحات السورية واللبنانية التي تؤكد على الصمود؛ بل أعلن
عن الاستنفار والاستعداد للرد. أما من الجهة الثالثة فقد حدث شجب عربي وإسلامي
للعدوان الذي مثّلته تلك الغارة على عين الصاحب مما زاد من عزلة شارون وبوش،
وعمّق في مأزقهما وتورطهما. فقد أصبحا هنا، أيضاً، في وضع يشبه إعلان الحرب، أو
في الأقل، وضع يهدّد بتكرار العدوان ولكن مع وقف التنفيذ والتردد وإعادة
الحسابات.
صحيح أن المرء لا يستطيع أن يُسقط من اعتباره تماماً إمكان اللجوء إلى المغامرة
العسكرية الواسعة من جانب القيادتين الأميركية والإسرائيلية المتّسمتين بالتطرف
والعنجهية وتبني سياسة حل المشاكل من خلال مطرقة الحرب. وهو ما يتطلب الارتفاع
بمستوى الحذر والحيطة والاستعداد للأسوأ، ولكن مع اليقين بأن أية مغامرة عسكرية
مصيرها الفشل أمام صمود من يتعرّض لها، مع الرد مهما كان متواضعاً. لأن التفوّق
العسكري الذي تمتلكه الإدارة الأميركية أو الحكومة الإسرائيلية يمكنه أن يحقق
هدفه في الميدان إلا أنه لا يستطيع الانتصار سياسياً بل سيجد نفسه في ورطة أمام
مقاومة شعب بأسره، وبكل أشكال المقاومة. مما يتركه بعد حين نادماً على استخدام
عضلاته ومطرقته. فما حدث في العراق يؤكد هذه الحقيقة, وما أكدته التجربة طوال
ثلاث سنوات في فلسطين يعزّز هذه الحقيقة أيضاً. وأن الأمر لكذلك في أفغانستان.
ومن هنا راحت المقالات تترى في الصحافة الأميركية والعالمية الأخرى
والإسرائيلية التي تعتبر بأن الاستراتيجية العسكرية لكل من بوش وشارون تتخبط في
مأزق العراق كما في المأزق الفلسطيني. وكلما جرت محاولة للهروب من خلال مغامرة
عسكرية جديدة تعمّق المأزق الأول وفتح الباب لدخول مأزق جديد. وهذا القانون
(السنّة الإلهية) هو الذي أدى إلى هزائم الاستعمار أمام مقاومة الشعوب التي
صمّمت على نيل حريتها. لقد كانت المعادلة دائماً اختلالاً هائلاً في ميزان
القوى العسكري ضد مصلحة تلك الشعوب تعوضه المقاومة طويلة النفس ويشمله
الاستعداد غير المحدود للصمود وتحمّل التضحيات ورفض الاستسلام. وزد على ذلك في
الحالة الفلسطينية والحالات العربية والإسلامية الإيمان والاتكال على الله و
طلب الشهادة.
على أن النقطة التي وصل إليها الوضع، كما أشير أعلاه، تفسر لماذا راحت تنشط
التحركات الدولية لإيجاد مخرج لإنقاذ بوش وشارون من نفسيهما أو الحيلولة دون
وقوع هزيمة لأي منهما في العراق أو فلسطين. وهذا الذي يفسر لماذا صدر قرار عن
مجلس الأمن موحد بخصوص العراق بالرغم من الخلافات العميقة حوله بين أميركا وكل
من فرنسا وروسيا وألمانيا. ويفسر المبادرة الأوروبية لتقديم مشروع توصية
للجمعية العامة حاولت فيها استرضاء الأطراف المعنية، بالرغم مما احتوته من ظلم
للشعب الفلسطيني. ولم تعارضها غير الولايات المتحدة والدولة العبرية ومكرونيزيا
وجزر مارشال. كما يفسر النشاط الصيني المستجد من خلال جولة الموفد الخاص إلى
المنطقة. والأهم المبادرة التي تبحث فيها الحكومة الروسية لإيجاد صيغة تفرض على
الفلسطينيين والإسرائيليين ويمكن أن يوضع في هذا الإطار، ما جرى من ((اتفاق))
بين ياسر عبد ربه ويوسي بيلين اعتبرته السلطة الفلسطينية ((غير رسمي)) بالرغم
من الثوابت التي تمّ التنازل عنها مجاناً. وكان يستحق أن تغسل يديها منه
وتشجبه، وبالرغم من موقف شارون الذي اعتبره بمثابة الخيانة لأنه شكّل تجاوزاً
من جانب وفد إسرائيلي ((يساري)) لصلاحيات الحكومة والدولة.
وبكلمة؛ إن مجموع التحركات السياسية الدولية تعبّر عن الخوف من عواقب التصعيد
أكثر في فلسطين، ومن هزيمة أميركية في العراق. وهذا ما يمكن أن يستشف من تصريح
الرئيس الفرنسي جاك شيراك بأن قرار مجلس الأمن، وبرغم الاختلاف حوله، يمثّل
رسالة (للعراقيين بالطبع) بأن المجلس موحّد. وكان كيسنجر قد حذّر بأن هزيمة
أميركا في العراق ستشكّل هزيمة للغرب. ولكن المشكل أن الأوروبيين والروس
والصينيين حين يحاولون مدّ يد العون لإنقاذ بوش وشارون من نفسيهما، ومن عواقب
سياساتهم لا يجدون تجاوباً من بوش وشارون، لأن التجاوب يتطلب منهما تنازلات،
بالضرورة، أولاً للأوروبيين والروس والصينيين، وثانياً للعراقيين والفلسطينيين
(ثمّة تحيّز ضد الفلسطينيين وإن اختلف عن الموقف الأميركي).
ولهذا فإن مسار الأحداث سيواصل مساره في شهري أيلول/سبتمبر وتشرين أول/أكتوبر
المنصرمين، وهو يتطلب مستوى أعلى من المواجهة والصلابة وحسن إدارة الصراع.