من يخلف عرفات في حال غيابه؟
القدس/خاص
ظل ياسر عرفات المقرّر الأبرز في صياغة الأوضاع الفلسطينية وتوجهاتها، أولاً،
لكونه رئيساً لمنظمة التحرير، وثانياً، لكونه زعيماً لحركة فتح، كبرى المنظمات
الفلسطينية وهي حزب السلطة، وثالثاً، لكونه رئيساً منتخباً للسلطة، ورابعاً،
بفضل الكاريزما التي تمتع بها عرفات بكافة أماكن تواجده.
وعرفات كغيره من قيادات العالم الثالث عمد إلى اختزال القضية والأطر القيادية
بشخصه ودعّم سلطته السياسية والرمزية والأبوية، بسلطات مادية، بما يتعلق بمنح
النفوذ والمناصب والمال، مستغلاً غياب المؤسسات وظروف الشتات وتعقيدات العمل
الفلسطيني.
وقام عرفات على مدى عدة عقود بتقريب الموالين له، وتنصيبهم في المواقع القيادية
الحساسة، من دون أي تفحّص لمدى مصداقيتهم من الناحيتين المسلكية أو الوطنية، مع
استبعاد ذوي الصدقية من القياديين والكوادر، بسبب مواقفهم النقدية، ومن ضمن ذلك
نقدهم لكيفية إدارة عرفات لأوضاع الساحة الفلسطينية.
وقد أدى ذلك إلى نشوء طبقة قيادية تحوم حولها شبهات الفساد بالموقع وبالمال
وبالسياسة، وهي على الضد من مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه، وقد تفاقم أمر هذه
الطبقة قبل الانتفاضة، ما أضعف من مصداقية السلطة وحتى عرفات ذاته.
لكن شعبية عرفات عادت وارتفعت بعد التهديدات الإسرائيلية بإبعاده أو اغتياله
منذ أشهر قليلة، حيث أشارت استطلاعات الرأي الأخيرة إلى زيادة شعبية عرفات
مقارنة بمنافسيه من داخل فتح، وارتفعت هذه الشعبية من 35% في حزيران/يونيو
الماضي إلى 50% في الاستطلاع الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية
والمسحية، في الفترة بين 7-14 تشرين أول/أكتوبر الماضي ونشرت نتائجه بتاريخ 15
من الشهر نفسه، وهي أعلى نسبة تأييد يحصل عليها عرفات منذ أكثر من خمس سنوات،
وهو ما سيجعل مهمة خليفته غاية في الصعوبة، خصوصاً وأن حوالي 79% يعتقدون أن
عرفات قد أصبح أكثر قوة وشعبية بسبب التهديدات الإسرائيلية بإبعاده واغتياله.
وقد زاد مرض عرفات ((الطين بلّة)) حيث أدى تواتر الأنباء في شهر تشرين
الأول/أكتوبر الماضي 2003 عن تدهور الحالة الصحية لعرفات (74 عاماً)، إلى إثارة
الجدل مرة أخرى على الساحة الفلسطينية حول خلافته وحول إمكانية نشوب صراع داخل
حركة فتح التي يتزعمها.
من يخلف عرفات؟
يُجمع العديد من الخبراء على أن خليفة عرفات المحتمل في حال موته ربما يكون من
الناحية النظرية البحتة محمود عباس (أبو مازن)؛ باعتباره أمين سر اللجنة
التنفيذية (الرجل الثاني) لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي أعلى سلطة قيادية
فلسطينية، وبالتالي فهو النائب الفعلي للرئيس عرفات، أو رئيس المجلس التشريعي،
باعتبار أن الدستور الفلسطيني ينص على أن رئيس المجلس التشريعي يحل مكان الرئيس
إلى حين إجراء انتخابات فلسطينية.
وتختلف السلطة الفلسطينية عن منظمة التحرير الفلسطينية؛ فالمنظمة وفقاً لقرار
مؤتمر القمة العربي الذي عقد بالرباط عام 1974 كيان سياسي يعتبر الممثل الشرعي
والوحيد للشعب الفلسطيني، أما سلطة الحكم الذاتي فهي كيان إداري وسياسي تكوّن
بموجب اتفاق أوسلو الذي وقّعته (إسرائيل) ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993
لتكون أداة لتنفيذ اتفاق لحكم ذاتي محدود في بعض مناطق الضفة الغربية وقطاع
غزة.
لكن قسماً آخر من المحللين يتوقعون حدوث صراعات على خلافة عرفات بين قيادات
الصف الأول في حركة فتح، مشككين في الوقت نفسه في إمكانية إجراء انتخابات عامة
لاختيار خليفة لعرفات، في ظل الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني حالياً.
ويرى هؤلاء صعوبة في تصور ما ستؤول إليه الأوضاع حال غياب ياسر عرفات عن الساحة
الفلسطينية، التي اعتادت على أن يتحكم عرفات بكل شيء تقريباً، وبالتالي سيكون
برأيهم نوع من الخلل أو سوء إدارة الأوضاع على الساحة الفلسطينية.
ولا شك أن المفرزات الجديدة لانتفاضة الاقصى في عامها الثالث قد أضافت عنصراً
مؤثراً على مسألة خلافة عرفات، فهذا الموضوع ((اختيار خليفة لعرفات)) بات
مرتبطاً بالصراع داخل حركة فتح، ومما يزيده صعوبة هو إشكالية ترتيب الأوضاع في
هذه الحركة، خصوصاً أننا شهدنا في الأيام الأخيرة وخلال تشكيل الحكومتين
الأخيرتين (حكومة أبو مازن وحكومة قريع) صراعات داخل اللجنة المركزية للحركة قد
لا تفضي إلى ترتيب الأمور بسرعة.
وتبدو فرص مروان البرغوثي عضو المجلس التشريعي الفلسطيني المعتقل في السجن
الإسرائيلي منذ أكثر من عام في حال الإفراج عنه واقعية برأي البعض في مجال
خلافة عرفات، وإن كان آخرون لا يعطون بصيص أمل في هذا المجال على الأقل من جانب
(إسرائيل) التي ترى في مروان البرغوثي شخصاً مختلفاً سياسياً، وأنه لن يكون
أقرب إلى (إسرائيل) في كل الأحوال من الشخصيات الأخرى المطروحة لخلافة عرفات،
فعلى الرغم من شعبية البروغوثي داخل حركة فتح فإن هناك شخصيات أقوى منه داخل
الحركة نفسها، وبالتالي فإن فرصه في خلافة الرئيس عرفات برأيهم ضعيفة على الأقل
في المرحلة الحالية، وإن كانت عناصر المعادلة قابلة للتغير في المستقبل.
ويرى آخرون أن رئيس الحكومة الفلسطينية (أياً كان) سيكون أقوى الشخصيات لخلافة
الرئيس عرفات، لكن من سيكون رئيس الحكومة في اللحظة التي يكون الرئيس فيها غير
موجود؟ هذا سؤال آخر؟
وكانت صحيفة معاريف الإسرائيلية قد زعمت في 9-10-2003 أن خطر الموت يتهدد حياة
الرئيس عرفات بسبب التهاب خطير أصابه في الجهاز الهضمي، ثم انتقل إلى الكبد؛
وهو ما أدى إلى تدهور حالته الصحية بشكل خطير، كما ذكرت صحيفة ((جارديان))
البريطانية أن عرفات أصيب بأزمة قلبية، لكن مصادر فلسطينية رسمية نفت ذلك وأكدت
أن عرفات بحالة صحية جيدة. وكانت مصر والأردن (الأطراف الأخرى في معادلة
التأثير والتغيير على الساحة الفلسطينية) قد أرسلتا فريقين طبيين للاطمئنان على
صحته.
الكوادر الشبابية لفتح
أما العامل الحاسم الآخر في مسألة خلافة عرفات فستلعبها قيادة حركة فتح الشابة
التي باتت ذات ثقل ووزن سياسي داخل الحركة.
فمستوى مشاركة العنصر الشبابي في الاجتماعات الأخيرة التي عقدتها الهيئات
القيادية للحركة للتشاور بشأن الحكومة الجديدة، مثّل واقعياً حجم تأثير هذه
الشريحة في فتح. فقد شعر العنصر الشبابي في فتح بكثير من الرضا لمشاركته في هذه
الاجتماعات، خصوصاً في الاجتماع الموسع الذي عقد مساء الخميس 18 أيلول/سبتمبر
في مقر عرفات بمشاركة ممثلين عن اللجنة المركزية والمجلس الثوري والتعبئة
والتنظيم التي تضم اللجنة الحركية العليا، والذي خصص للتباحث بشأن الخطوط
العامة للحكومة المقبلة، والمواصفات التي يجب أن يتمتع بها الوزراء المختارون.
وقد برز صوت الكادر الشبابي في هذا الاجتماع بصورة ملحوظة، وقال مشاركون بأن من
بين ثلاثين متحدثاً في الاجتماع الذي استغرق خمس ساعات متواصلة، كان هناك حوالي
النصف من الكادر الشبابي.
وقد تركزت مطالبات المشاركين في هذه الاجتماعات على اختيار وزراء جدد وأكفاء،
وطالب بعضهم بحكومة شباب، وآخرون طالبوا بحكومة تكنوقراط، وذهب البعض حد
المطالبة بالفصل بين الوزارة والنيابة.
وفي الموضوع السياسي طالب المتحدثون بالالتزام بالبرنامج الوطني، وتجسيد الوحدة
الوطنية، وتكريس مبدأ الشفافية والمحاسبة، واستبعاد الوجوه المشكوك بولائها
ونظافة يدها.
وتسود الهيئات الوسطى والقاعدية لفتح حالة من عدم الرضى جراء حالة الجمود
التنظيمي الناجمة عن توقف الحراك الداخلي فيها منذ فترة طويلة من الزمن، يؤرخها
البعض بانعقاد المؤتمر الخامس للحركة في العام 1989.
وكانت فتح أجرت انتخابات داخلية على مستوى المحافظات ((الأقاليم)) في الأراضي
الفلسطينية العامين 99 و2000، وهو ما أشاع حالة من الحركة والحيوية التنظيمية
في هيئاتها القاعدية.
ويتطلع الكادر الشبابي في فتح اليوم إلى تمثيل أوسع في حكومة أبو علاء، وترددت
في أوساط فتحاوية أسماء عدد من القيادات الشابة مثل جمال الشوبكي وقدورة فارس و
محمد الحوراني وأحمد غنيم وأحمد حلس وسمير مشهراوي.
إشاعات إسرائيلية
يرى المقربون من عرفات في الأنباء المتضاربة عن مرضه ومصيره إحدى وسائل الحكومة
الإسرائيلية وأجهزتها في حربها على الفلسطينيين.
وبهذا الخصوص علق نبيل أبو ردينة المتحدث باسم عرفات بالقول: ((كما يحدث دائماً
فإن الأجهزة الإسرائيلية تقف وراء هذه الشائعات لأغراضها المعروفة)).
وأضاف يقول: ((هذا يذكرنا بما فعلته (إسرائيل) بشأن مرض الرئيس أثناء فترة حكم
نتنياهو حيث كانوا يبثون الشائعة تلو الأخرى عنه)).
وكانت وسائل الإعلام الإسرائيلية ومن ورائها الكثير من وسائل الإعلام الغربية
قد نشرت في ذلك الحين تقارير تبين لاحقاً أنها زائفة حول ما أُسمي بمرض الرعاش
(الباركنسون) الذي أصاب عرفات.
أزمة نظام
ان ما يمكن استخلاصه في هذه المرحلة الحساسة هو أن أزمة القيادة الفلسطينية
وأزمة خلافة عرفات هي أزمة سياسية وبنيوية، لها معطيات تاريخية، وثمة تبسيط في
إبرازها على أنها مجرد أزمة شخصية.
فقضية الخلافة سواء بوجود عرفات على قيد الحياة او بموته لم تبدأ مع تعيين
محمود عباس (أبو مازن) رئيساً للوزراء ولم تنته باستقالته، وهي لم تبدأ مع
استنكاف أحمد قريع رئيس الوزراء المكلف عن مهمته، بنتيجة خلافه مع رئيس السلطة،
ولا مع رفض نصر يوسف أداء القسم الدستوري أمام الرئيس عرفات، والأهم أن هؤلاء
الثلاثة هم أعضاء في اللجنة المركزية لحركة فتح.
فأزمة القيادة في الساحة الفلسطينية في حال موت عرفات هي أزمة نظام الزعيم
والأب وشيخ العشيرة. وبمعنى آخر، إن أزمة النظام السياسي الفلسطيني هي نتاج
هلامية الهياكل وغياب المؤسسات التمثيلية ومصادرة العلاقات الديمقراطية وانعدام
تقاليد القيادة الجماعية والإدارة الحديثة.