مهووسو
المفاوضات:
((تفاهمات سويسرا)) اتفاقية عبثيّة يرفضها الفلسطينيون
القدس/مها عبد الهادي
كانت التصريحات والتلميحات التي وجّهها رئيس الوزراء الفلسطيني الثاني أحمد
قريع (أبو العلاء) ومطالبته قوى المقاومة الفلسطينية بعدم ((استفزاز الخصم))
وبضرورة الخنوع خوفاً من تمادي حكومة شارون في غيّها دليلاً على مدى الفجوة
التي باتت تفصل بين توجهات الشعب الفلسطيني وقمّة الهرم السياسي لدى سلطة الحكم
الذاتي.
فهذه التصريحات تقول وكأنّ حكومة شارون تنتظر فقط الهدوء لتسلّم قادة السلطة
وعلى رأسهم قريع الضفة والقطاع على طبق من فضّة، مع أن الحقيقة التي فهمها قريع
من حكومة سلفه الماضية (حكومة أبو مازن) تقول الشيء المعاكس، فالحكومة السابقة
التي تساوقت مع مطالب شارون لم تجن إلا الفشل ليس فقط على الصعيد الفلسطيني
الداخلي وإنما عند شارون نفسه.
فعلى الصعيد الفلسطيني الرسمي لا زالت السلطة مشلولة ورئيسها محاصر مهدد،
والرئيس لا يملك من رصيد سوى مشاعر الفلسطينيين الجيّاشة في الداخل، وهذا فقط
ما يؤجل ما تنوي (إسرائيل) القيام به.
أما وزراء السلطة فهم متنافرون مختلفون وكل منهم كما يقول المثل ((يغنّي على
ليلاه)) وليس على ليل الفلسطينيين الذي تضيء سماءه طائرات القصف الإسرائيلية.
وآخر من غنّى كان ياسر عبد ربه ومجموعته المسالمة والمهووسة بالمحادثات وراء
الكواليس كما كان في أوسلو ليخرج باتفاق جديد فيما أطلق عليه ((تفاهمات
سويسرا))، وكأنّ الحديث أو التفاهم مع يوسي بيلين ملزم لحكومة الليكود أو حتّى
للعمل إن كان في السلطة.
وحتى المقربون من عبد ربّه نفسه يقولون إنه لم يحسن توقيت الإعلان عن الاتفاق
الجديد فلسطينياً، لكن الرجل كما يقولون أزعجه الخروج من الحكومة مؤقتاً وعزّ
عليه الانتظار والوقوف مكتوف الأيدي، وأراد أن يعيد لنفسه البريق والأضواء،
فشرع بالمحادثات ولا يهمّه مدى قوّة تأثير محاوره، رغم تصريحاته المتكرّرة أنّ
الإسرائيليين لا يلتزمون بما يتفقون عليه وينقُضون ما يُبرمون دوماً.
اتفاقية سويسرا: وهْمٌ آخر
التفاهمات الجديدة التي أُطلق عليها ((تفاهمات سويسرا)) وجرى التوصل إليها في
شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي 2003 بين اليسار الصهيوني ورموز في السلطة
الفلسطينية لم تكن أصلاً إلا تكراراً لاتفاقات أو وثائق سابقه مثل وثيقة بيلين
- أبو مازن، أيالون - نسيبه وغيرها... التي شكـّل بعضها تمهيداً لاتفاق أوسلو
الذي تحوّل إلى ركام مع كل مساوئه، لأن الطرف الإسرائيلي اعتبره اتفاقاً أمنياً
قبل أن يكون سياسياً وتعامل معه على هذا الأساس.
ورغم أن تفاصيل الاتفاق لم تنشر تفاصيل بعد؛ إذ سيجري نشرها والتوقيع عليها في
ذكرى اغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إسحاق رابين في الرابع من شهر
تشرين الثاني/نوفمبر برعاية الحكومة السويسرية. لكن بالإمكان التطرق إلى ما كشف
منه وتسجيل بعض الملاحظات الأولية الخطيرة جداً:
1-إن الضجة الإعلامية التي رافقت وترافق نشر هذه التفاهمات والردود المعارضة
الغاضبة من جانب اليمين وبعض رموز حزب العمل، تحاول إثارة الانطباع وكأن تحولاً
جذرياً في مسار الصراع نحو حل عادل وشامل على وشك الحدوث، في حين أن المستفيد
الأول منها هو اليسار الصهيوني الذي يعاني أزمة عميقة وضعف كبير.
وما يزعج اليمين الصهيوني من هذه التفاهمات ليس المبادرة بحد ذاتها ولكن لأن
مشروع الليكود ذو سقف أقل مما تنص عليه هذه التفاهمات.
2- وأكثر ما يعزز خطورة هذه الوثيقة أنها تأتي في ظل ظروف صعبة يعيشها الشعب
الفلسطيني، ناتجة في جانب منها عن العدوان (الإسرائيلي) المتصاعد على الشعب
الفلسطيني، وناتجة في جانب آخر عن التخبط الرسمي الفلسطيني في المواضيع
الداخلية وفي ترتيب الأولويات.
3- يجب أن نلاحظ أيضاً أن الطرف الإسرائيلي الذي تم التوصل معه إلى هذه
التفاهمات ليس في الحكم، في حين أن الطرف الفلسطيني يشمل رموزاً في السلطة
الفلسطينية، ولكن دون أن تكون الموافقة على هذه التفاهمات صادرة عن أي مرجعية
فلسطينية وطنية.
وهذه المشاركة ((الرفيعة المستوى)) من قبل قيادة سلطة الحكم الذاتي تثير
التساؤلات حول الهدف أصلاً من المشاركة في هذه المبادرة التي تقدم المزيد من
التنازلات المجانية؟ والجواب يتراوح ما بين يأس السلطة وعجزها عن إدارة الصراع
مع الاحتلال بصورة ناجحة، وما بين وهمها بالتأثير على المجتمع الإسرائيلي عبر
هذه التنازلات المجانية التي قدمها المشاركون الفلسطينيون.
الخطوط العامة للاتفاق
أ-شطب حق العودة من خلال إعادة تكييف تعريفه بحيث يكون من حق اللاجئين
الاستقرار في الدولة الفلسطينية الموعودة أو في دول أخرى باستثناء (إسرائيل)،
مع لَمّ شمل رمزي لبضعة ألوف إلى المناطق التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1948
ضمن جدولة زمنية تمتد لأكثر من عشر سنوات.
ب-دولة فلسطينية في حدود 1967 منزوعة السلاح مع تعديلات على الحدود تضمن
لـ(إسرائيل) ضم الكتل الاستيطانية الأساسية (غوش عصيون، معاليه أدوميم، جبل أبو
غنيم) وقبول الفلسطينيين بمبدأ تبادل الأراضي تكراراً لسابقة وادي عربة بين
(إسرائيل) والأردن، القدس عاصمة أبدية لـ(إسرائيل)، والأخذ بصيغة الرئيس
الأمريكي السابق كلينتون التي تدعو إلى أن تكون الأحياء العربية في القدس
العربية المحتلة 1967 تحت سيادة فلسطينية والأحياء اليهودية تحت السيادة
الإسرائيلية، وأن تكون منطقة الحوض المقدس (الأماكن الدينية؛ أي الحرم، كنيسة
القيامة) بدون سيادة لأحد عليها وتحت رقابة دولية، وفي هذا تنازل وهبوط عن
مشروع كلينتون/ديسمبر 2000.
ج- التزام فلسطيني بمكافحة ((الإرهاب)) وفقاً للتعريف الإسرائيلي الذي يعتبر
المقاومة المشروعة للاحتلال إرهاباً، بدءاً بالرصاصة وصولاً إلى الكلمة ومناهج
التدريس.
د- تفكيك بنى الفصائل المقاومة.
والأخطر أن الاتفاق سيُعتبر إنهاء كاملاً للنزاع سيؤدي إلى تسوية دائمة ويسقط
أي مطالب لاحقة.
وفي ظل النقاط السابقة يمكن التوصل إلى حقيقة أن الاتفاق يقوم على مبدأ
المقاربة مع الرؤية الإسرائيلية للحل القائمة على إسقاط حق العودة، وجعل أساس
الحل ما يتفق عليه الطرفان المتفاوضان وليس تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات
الشأن بالقضية الفلسطينية.
وأيضاً أنه لا يوجد دور مقرر للأمم المتحدة والمجموعة الدولية في المفاوضات
المرحلية، أو مفاوضات الحل الدائم، وكل تسوية يجب أن تتحقق بمفاوضات مباشرة بين
الطرفين.
كما ستبقى السيطرة الأمنية على الحدود المصرية والأردنية من صلاحيات الجيش
الإسرائيلي، إلى جانب الاعتراف بطابع ((يهودية دولة إسرائيل))، وحقها التاريخي
في الوجود، وإدانة حق الشعب الفلسطيني المشروع في المقاومة ووصمه بالإرهاب.
وبالنظر إلى البنود المتفق عليها نرى أن المتفاوضين قد عادوا إلى النقطة التي
توقفت عندها مفاوضات ((كامب ديفيد 2)) وطابا في العام 2000، وكانت السبب في
انهيار المفاوضات ووصول اتفاقيات أوسلو إلى الطريق المسدود.
وكما يبدو فإن الفريق الفلسطيني المشارك في هذه المفاوضات ومن خلفه ياسر عرفات
كما تعلن مجموعة ((التفاهمات)) نفسها، اختار مرة أخرى طريق تقديم التنازلات
للإسرائيليين واهماً بإمكانية انتزاع تنازلات مقابلة، خلافاً لكل دروس سنوات
أوسلو العشر العجاف الماضية.
ومما يلفت النظر أن الوزراء المدانين من قبل المجلس التشريعي الفلسطيني
بالفساد، والذين كان مطلب إقالتهم محل إجماع وطني يقفون على رأس الوفد
الفلسطيني المشارك في هذه المفاوضات، وهو ما يقول -بكلمات أخرى- إن الخلافات
التي دارت بين أجنحة السلطة الفلسطينية كانت بعيدة تماماً عن المواقف البدائية،
وأن مبعثها ومحركها الأساسي كان مجرد نزاعات فئوية ضيقة على المناصب
والصلاحيات، دارت رحى معاركها الرئيسية في اللجنة المركزية لفتح (حزب الحاكم
وليس الحزب الحاكم)، وعكست نفسها على الوضع الفلسطيني ككل.
وبرأي عدد من المحللين فقد حاول تيار رئيس السلطة ياسر عرفات أن يجير الحملة
الشعبية للتضامن معه ضد قرار الإبعاد لإعادة الأمور إلى الوراء، نحو نظام رئاسي
فردي مطلق بما يمكنه من الاستفراد بالقرار الوطني الفلسطيني وتضييق دائرة
اتخاذه، وكان المدخل لذلك فرض قانون وحكومة الطوارئ بمرسوم رئاسي خلافاً لأحكام
القانون الأساسي للسلطة دون حاجة موضوعية أو وطنية لذلك.
سياسات بعيدة عن الشارع
إن هذه السياسات العبثية التي مارسها وما يزال تيار الاستسلام من خلف ظهر الشعب
الفلسطيني ومؤسساته الوطنية الشرعية أضرت كثيراً بالقضية الوطنية الفلسطينية،
واستمرارها سيزيد من هذه الخسائر. كيف لا والهجمة الاستيطانية الشرسة تتواصل
بشكل غير مسبوق من خلال بناء الجدران العازلة التي تلتهم مساحات شاسعة من الأرض
الفلسطينية، وبناء المستوطنات وتوسيعها، في محاولة لفرض الوقائع على الأرض
وإحداث تغيير ديمغرافي يكون له أكبر الأثر في تحديد خط سير المفاوضات وشكل
الحل.
لذلك فليس بمقدور أي عاقل أن يقبل بأن تبقى نفس الوجوه الفلسطينية التي فشلت في
امتحانات أوسلو وأخواتها من التفاهمات والاتفاقيات، ولا بالذين تسببوا بخراب
البيت الفلسطيني من الداخل والخارج تقود السلطة وتشكل حكومات جديدة وتعين وزراء
عليهم شكوك وملاحظات، تمس صدقهم ونزاهتهم وحتى طبيعة عملهم قبل وبعد أوسلو.
فهؤلاء لن يستطيعوا إدارة الصراع والحوار والمفاوضات حول مصير القضية والشعب
والوطن، وهذه المجموعة لا تمثل سوى نفسها، كما أن نفس السلطة بدورها لا تمثل
الشعب الفلسطيني كله، وبالأخص اللاجئين منهم.
فأركان السلطة يمثلون أنفسهم ونهج سلطتهم فقط لا غير، ولا يتمتعون بأغلبية ولا
حتى بأقلية نسبية في الشارع الفلسطيني تؤيد سياساتهم وتفاهماتهم، كما يدعي
الوزير عبد ربه، حيث قال ((إنه حظي بتشجيع كبير من الشارع الفلسطيني)) وقوله إن
((الناس أدركوا ماذا سنفعل وأدركوا أهمية الخطوة التي قد تخلق وضعـاً جديداً))،
كان يعني نشر خبر تفاهماته.
بالمقابل فإن الشعب الفلسطيني يتمسك بخيار المقاومة وباستمرار العمليات
الاستشهادية لأنها السلاح الوحيد الذي لا يستطيع العدو مواجهته.
فهذه العمليات حتى وفق الرؤية الإسرائيلية ساهمت في تأكيد العجز الإسرائيلي عن
حسم الصراع حتى بالقوة المسلحة، وفي تعميق التصدع الداخلي وتراجع القدرة على
الصمود.
وانعكاسات المقاومة على الكيان الصهيوني تظهرها إحصائيات عام 2002؛ حيث نفّذ
الفلسطينيون حوالي تسعة آلاف نشاط مقاوم ضد (إسرائيل)، منها 1781 عملية أصيب
فيها إسرائيليون بينها 227 وقعت داخل الخط الأخضر‚
أما الإحصائيات الفلسطينية فتشير إلى وقوع 11212 عملية حتى نهاية 2002، وصارت
المعادلة في العام الماضي ((5)) شهداء فلسطينيين مقابل 3 قتلى إسرائيليين.
|