|
لا تزال الشعوب تختزن في ذاكرتها الحيّة تلك اللحظات التاريخية في مطلع
التسعينات، عندما انهار ((جدار برلين)) تحت وطأة ضربات الشعب الألماني، الذي
تدافعت جماهيره من الشرق والغرب لتحطّم بأيديها جداراً بُني ليكون فاصلاً
وعازلاً بين شعب واحد تمّ تقسيمه عنوة وظلماً إلى شعبين، ولكن إرادة هذا الشعب
كانت في النهاية هي الأقوى والأمضى، فانهار الجدار بانهيار بانيه.
إن ذاكرتنا تستدعي الآن هذا المثال، ونحن نرى جداراً من نوع آخر يجري تشييده
على أرض فلسطين المباركة بذريعة توفير الأمن للكيان الصهيوني، ولكننا على يقين
بأن هذا الجدار سيلقى مصيراً مشابهاً لمصير ((جدار برلين))، ولعلّ بناءه يعطينا
مؤشرات ودلالات إلى بدايات انهيار المشروع الصهيوني، الذي بشّر بقيام دولة
يهودية على أرض فلسطين تحمل شعارات ((الديمقراطية))، و((المساواة))، و((حقوق
الإنسان))، وإذا بهذه الدولة تكشف وتسفر عن عنصريتها البغيضة، ووجهها العدواني
الكالح، حيث بدأت ببناء جدار داخل ((الأرض الموعودة)) تعزل فيها أصحاب الأرض
الأصليين، الذين كان المشروع الصهيوني يعمل طيلة العقود الماضية على تدجينهم
وإخضاعهم.
إن الجدار الأمني يمثّل فشلاً ذريعاً لعملية التسوية السياسية التي بدأت بتحقيق
شعارات ((السلام))، و((الأمن))، و((التعايش بين الشعب الفلسطيني والمحتل))،
فإذا بهذا الجدار ينسف ويسقط كل تلك الشعارات التي كانت أوهاماً حاول
((المنظّرون)) زرعها في العقول والنفوس، ولكنها تكسّرت على صخرة الواقع، فهذا
الجدار سيؤدي إلى:
تقطيع أوصال الضفة الغربية، ومصادرة مساحات كبيرة من أراضيها، وإقامة مناطق
عازلة بين أجزائها، وتحويل مئات الألوف من أبناء شعبنا إلى أسرى ومعتقلين في
سجون كبيرة. وهو ما يعني في المحصلة استحالة قيام كيان سياسي فلسطيني قابل
للحياة، والفشل المبكر لمشروع ((خارطة الطريق))، الذي بشّرت الإدارة الأميركية
بأنه سيحمل في ثناياه دولة فلسطينية ((مؤقتة))!
إن هذا الجدار يذكّرنا بقول الله سبحانه في وصف اليهود (لا يقاتلونكم إلا في
قرى محصّنة أو من وراء جدر تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا
يعقلون). نعم إنهم لا يعقلون، فهذه القرى المحصّنة التي يبنونها (المستوطنات)،
وهذا الجدار الذي أنجزوا 140 كلم منه وسيستكملونه خلال بضعة شهور، لن يحميهم من
ضربات المجاهدين والمقاتلين، وسيكون وبالاً عليهم بإذن الله، ولعلّ عملية
((نتساريم)) البطولية التي نفّذها مجاهدان بطلان من كتائب عز الدين القسام
وسرايا القدس فجر يوم الجمعة 24 تشرين الأول/أكتوبر 2003 هي الدليل الأوضح
والأنصع على ذلك، حيث اقتحم المجاهدان معسكراً لجيش الاحتلال في قطاع غزة
وجندلا بسلاحهما ثلاثة من الجنود الصهاينة، وأصابا آخرين، وسط ذهول وصدمة
المحتلين الذين ظنوا أن مانعتهم حصونهم.
إننا على يقين بأن إرادة الشعب الفلسطيني وتصميمه سيكون أقوى من هذا الجدار،
الذي سينهار بإذن الله هو والذين بنوه، وسيندحرون عن أرضنا المباركة يجرّون
أذيال الخيبة، تحت وطأة ضربات المجاهدين (ويقولون متى هو قل عسى أن يكون
قريباً) .
التحرير
|