|

































| |
|
شؤون عربية |
انتخابات أردنية على وقع
المتغيّرات الإقليمية
لماذا تشارك الحركة الإسلامية؟
عمّان/غسّان دوعر
مع انتهاء الترشيح لانتخابات مجلس النوّاب الأردني الرابع عشر -والتي
امتدّت ثلاثة أيام سجّل خلالها '821' مرشّحاً أسماءهم للتنافس على مقاعد المجلس
الـ'104' إلى جانب ستّة مقاعد ستتنافس عن الكوتا النسائية من الرمثا في الشمال
وحتى العقبة في الجنوب-، تكون المرحلة الأولى من بانوراما الانتخابات الأردنية
لهذا العام قد انتهت، لتبدأ معها يافطات المرشّحين وشعاراتهم التي ملأت شوارع
المدن والبوادي والمخيّمات، فبدت غابة متعدّدة الألوان والأشكال تحمل معاني
وعبارات ووعوداً سياسية واقتصادية وخدماتية وحتى بيئيّة، لا تبدو أنها مختلفة
عن مجمل المشهد الذي اعتاد عليه الجمهور الناخب خلال الانتخابات الماضية.
قد يرتفع عدد المرشّحين، بعد رفض الحكّام الإداريين قبول طلبات ترشيح ستّة
أشخاص، حين تبُتّ المحاكم خلال الأيام القادمة في هذه الطلبات. وأبرز هؤلاء
النائب الأسبق السيّدة توجان فيصل التي أُبلغت برفض طلبها لوجود حكم قضائي
بحقّها صادر عن محكمة أمن الدولة، على أثر رسالتها الشهيرة إلى الملك عبد الله
التي اتّهمت فيها رئيس الوزراء علي أبو الراغب بإصدار تعديلات قانونية تتوافق
مع مصالحه التجارية. وأشار خبيران قانونيان بارزان هما نقيب المحامين السابق
صالح العرموطي ووزير العدل الأسبق حمزة حداد إلى عدم قانونية منعها من الترشيح.
إلى جانب فيصل هناك أيضاً المعارض القومي البارز ورئيس لجنة دعم العراق حاكم
الفايز الذي قضى عشرين عاماً في أحد السجون العربية لأسباب سياسية، والذي
يتوقّع أن يصدر حكم قضائي بالسماح له بالترشيح عن الدائرة التي تقدّم لها.
مشاركة إسلامية
اتّسمت حركة الانتخابات الحالية بانخفاض عدد الناخبين بسبب الأوضاع
التي تمرّ بها المنطقة في فلسطين والعراق، إلى جانب ما أتت به حزمة رفع الأسعار
الصعبة التي اتّخذتها الحكومة مؤخراً وبخاصّة المحروقات والمشتقّات البترولية،
والتي أثّرت سلباً على قدرة المواطن في تخطي متطلّبات الحياة المعيشية، يقابله
حراك انتخابي ملحوظ مردّه قرار الحركة الإسلامية التي قاطعت الانتخابات السابقة
بالمشاركة هذه المرّة في الانتخابات العامّة، الأمر الذي انعكس في تسخين وتسريع
وتيرة حمى الترشيح.
وقد أوضحت الحركة الإسلامية أن قرارها بالمشاركة في الانتخابات جاء نتيجة
لتقييم قرار المقاطعة عام 1997، الذي عبّرت من خلاله عن رفضها للسياسات الرسمية
وقانون الانتخاب الذي وصفه الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي حمزة منصور
في مؤتمره الصحفي لإعلان قائمة مرشّحي الحزب الثلاثين بـ"المتخلّف وغير
الديمقراطي". وعلى الرغم من أن الظروف المحلية والإقليمية اليوم أسوأ من تلك
التي قاطعت بسببها الحركة انتخابات عام 1997، إلا أن الحركة الإسلامية عدلت عن
ذلك القرار إلى المشاركة تقديماً لمصلحة الشعب، واستجابة لمطالب قطاعات واسعة
أدركت الحاجة الماسّة لمشاركة الإسلاميين في هذه المرحلة العصيبة والتحدّيات
المحدقة بالوطن والأمّة، وفق ما جاء في كلام منصور الذي اعتبر أيضاً أن
المشاركة جاءت أخذاً بقاعدة "أخفّ الضررين وأهون الشرّين".
مرشّحو الحركة الإسلامية جرى فرزهم للانتخابات من قِبل قواعد وهيئات جماعة
الإخوان المسلمين بعد أن تمت مراعاة عدّة عوامل أبرزها فرص النجاح للمرشّح،
وثقة قواعد الحركة به، وحسن تمثيله لرؤية وغايات الحركة الإسلامية والتزامه بما
يصدر عنها من قرارات وتوجيهات. وعلى الرغم من غياب بعض رموز الإخوان المسلمين
عن قائمة المرشّحين لأسباب ودواعٍ شتّى، وإن كان بالإمكان زيادة عدد المرشّحين
وإغلاق بعض الدوائر الانتخابية، إلا أن الحركة كانت حريصة على مشاركة جميع
الأطياف والفئات وعدم احتكار مجمل الساحة السياسية، ناهيك عن أن الخبرات التي
يتمتّع بها المرشّحون في المجالات القانونية والتعليمية والنقابية وميادين
العمل العام تثري القائمة علماً وتجربة وممارسة، وتؤدّي الرسالة التي من أجلها
تشارك الحركة في هذا المعترك السياسي.
مخاوف من التدخّل
ومع أنه من المبكر في هذه المرحلة الحكم بشكل قاطع على فرص نجاح
المرشّحين الثلاثين، إلا أن المراقبين يرون أنها عالية قياساً إلى منافسيهم،
ومن خلال توجّهات الشارع الأردني، غير أن هناك خشية من تدخّلات غير نظيفة خارج
مقاييس العملية الديمقراطية قد تؤدّي إلى إلحاق الضرر بمجموعة من الشخصيات
القوية وذات الباع في معارضة الحكومة داخل مجلس النواب. وهناك مؤشّرات لذلك، إذ
تتابع الحركة الإسلامية باهتمام شديد مواقف الحكومة وإجراءاتها بشأن العملية
الانتخابية. وقد أعلن حزب جبهة العمل الإسلامي أنه لن يتساهل مع أيّة خروقات
تهدّد سلامة العملية الانتخابية محتفظاً لنفسه بحقّ التصرّف بالوسائل السياسية.
ويسجّل هنا انتقاد الحزب منح بعض الحكّام الإداريين 'ديسكات' تحتوى على قوائم
الناخبيين، بينما رفض هؤلاء الحكّام منح هذه القوائم لبقيّة المرشّحين. واعتبر
الإسلاميون أن مثل هذا القرار يأتي في سياق الجهود للضغط لصالح مرشّحين معيّنين
على حساب مرشّحي الحركة الإسلامية للعمل على تقليص فرصهم في النجاح
بالانتخابات. كما انتقدت الحركة الإسلامية بشدّة تسهيل الحكومة لبعض المرشّحين
ترحيل البطاقات الانتخابية، معتبرة أن كافّة هذه الإجراءات تأتي في غياب إرادة
إجراء انتخابات نزيهة، مطالبة الجهات الرسمية بوقف هذه الإجراءات ومنح
المرشّحين كافّة قوائم الناخبين كما درجت العادة في السابق.
قوائم منافسة
وإلى جانب حزب جبهة العمل الإسلامي، أعلن ائتلافان حزبيان يضمّان 14
حزباً وسطياً ومعارضاً قائمتين للمشاركة من خلالهما في الانتخابات الأردنية.
وتضمّ قائمة التيار الوطني الديمقراطي الذي تَشكّل من أحزاب يسارية وقومية
وشخصيات مستقلّة '14' مرشّحاً، وهي أول قائمة لائتلاف من هذا النوع في الأردن
منذ عودة الحياة الديمقراطية عام 1989. ويتنافس مرشّحوها في دوائر تمتدّ من
الرمثا إلى مأدبا في الجنوب الغربي من مدينة عمان بعنوان 'وحدة، ديمقراطية،
عدالة، مقاومة'. وفي المؤتمر الصحفي الذي تمّ فيه إشهار هذا التيار، أعلنت
الأحزاب المنضوية تحت لوائه أنه ليس تحالفاً لخوض الانتخابات النيابية فقط،
وإنما هو "مشروع طموح يتجاوز محطّة الانتخابات إلى ما بعدها"، مشدّدة أن التيار
قام على أساس الاتحاد في برنامج جامع وواضح في المجال السياسي والاقتصادي
والاجتماعي.
وأما الائتلاف الآخر فهو ما سمّي بتجمّع الإصلاح الديمقراطي الذي يضمّ سبعة
أحزاب وسطية، أعلن أنه سيخوض الانتخابات بقائمتين إحداهما سرية والأخرى علنية.
وبرّر التجمّع قرار عدم الإعلان عن أسماء معظم المرشّحين بأن قانون الصوت
الواحد وعدم تجذّر العمل الحزبي يدفع إلى عدم الرغبة في إحراج المرشّحين. ولكن
مهما قيل من مبرّرات لهذه المنهجية، فإن المراقبين يعتقدون أن محصّلة هذا الفعل
السياسي، ستكون سلبية على منتهجيه، إنْ لجهة صورتها على الساحة الحزبية، أو
لجهة علاقتها بالمجتمع وصورتها أمامه. وعلى العموم فإن قائمتي التيار الوطني
الديمقراطي والإصلاح الديمقراطي لم تحظيا بتوافق جميع الأحزاب المنضوية تحت
لوائهما، لا سيّما وأن هذه الأحزاب قد رشّحت أكثر من مرشّح في الدائرة نفسها،
وهو ما يضعف فرصها في المنافسة على مقاعد المجلس النيابي القادم. وعليه، فإن
صورة مجلس النوّاب الأردني الرابع عشر لا تبدو مختلفة كثيراً عن المجلس الذي
سبقه، باستثناء عودة كتلة نوّاب الحركة الإسلامية، والتي مهما كان حجمها لن
تكون قادرة على مواجهة السيل الجارف من النوّاب المقرّبين من الجانب الرسمي
بالمقاييس السياسية.
تأثيرات
أما النتائج النهائية للانتخابات الأردنية فستكون متأثّرة بعدّة
عوامل أبرزها: الاحتلال الأميركي للعراق، استمرار الانتفاضة في فلسطين، مواصلة
'إسرائيل' سياستها الإرهابية ضدّ الفلسطينيين، ثبوت فشل عمليّة التسوية، الهجمة
على الإسلام والمسلمين، تراجع الاقتصاد الأردني بعد سقوط بغداد التي كانت تزوّد
الأردن بمساعدات كثيرة أغلبها نفطي، رأي الشارع الأردني في الأساليب التي
اتّبعتها الحكومة أثناء الأزمة العراقية.
ولا شكّ أن مزاج الشارع الأردني سيتأثّر بكلّ هذه العوامل وبالتالي على توجّه
الناخب نحو التصويت لهذه القوّة أو تلك.
من فلسطين إلى العراق.. تحالف الغزاة وسنن الاستعمار
والتحرير
د. محمد خالد الأزعر/القاهرة
لن يكون جديداً ولا مستحدثاً أن يشرع غزاة العراق في العبث بأحشاء العقل
العراقي والضرب بمعاولهم الفكرية والثقافية والدعائية في تضعيفه، وذلك بغية
ثنيه عن ثوابته إزاء العرب والعروبة والموقع القومي والدور الحضاري... إلخ،
وكان في طليعة ما أفصحت عنه أوساطهم بهذا الصدد أنهم سيعمدون إلى تغيير
المساقات التعليمية والمناهج الدراسية بذريعة أنها تُنشئ العراقيين على
"التطرّف".
لا نستبعد إطلاقاً أن يسعى الطرف الأميركي بالذات إلى وضع هذا الهدف على رأس
أجندته الاستعمارية هناك، محاولاً الاستهداء بتجربته في ألمانيا واليابان غداة
الحرب العالمية الثانية، وإنْ مع بعض التعديلات المناسبة لمقتضى الحال، نطرح
ذلك جدلاً ونحن ندرك حجم التباين بين الحالة العراقية الحضارية الثقافية وبين
التجربة المذكورة، بَيد أن ما ندركه نحن شيء وما يحتمل في برامج الغزاة وظنونهم
شيء آخر، فمن خطابهم بهذا الخصوص لا نعثر على ما يؤكد وعيهم بالفرق بين هذه
الحالات، ولا باحتمال الاستفادة من الخبرة الإسرائيلية الفاشلة في الحالة
الفلسطينية.
الشاهد في كل حال أن الغزو الأميركي البريطاني للعراق نموذج يحمل كل ملامح
السوابق الاستعمارية على مستوى الخطاب والسلوك، إنه بصيغة أخرى لا يمثّل ظاهرة
استثنائية كما ذهبت الحملة الإعلامية السياسية التي مهّدت له ثم صاحبته،
الاستعمار أمر مناقض للحرية وليس ظهيراً لها.
المقاومة تفرض ذاتها
وعليه، فإن مقاربة هذا الغزو لا ينبغي لها أن تخرج بنا عما ألفناه وتعارفنا
عليه من معادلات في حقل الظاهرة الاستعمارية، ومن ذلك معادلة
الاستعمار/التحرير، فكل غزوة استعمارية مهما بلغت قوتها وطغيانها جوبهت بردّ
فعل تحرري، بحركة تحررية، قد يطول الزمن باستقرار الغزاة، ولسبب أو لآخر قد
يتأخر ردّ الفعل، غير أن المعادلة تفرض ذاتها في التحليل الأخير، ولأن الشعب
العراقي يجمع في خصاله بين الإباء والذكاء، فلن يطول به الوقت حتى يفطن إلى
خطاب الغزوة الراهنة الزائف، هذا إن لم يكن قد فطن إلى ذلك سريعاً، وليس بعد
ذلك إلا أن يستجمع قواه المنهكة الآن بالفعل، وعندئذ سيكون له معها شأن آخر من
المقاومة، هذا أحد أهم جوانب "ما بعد الاحتلال" التي لم يَفِها الغزاة حقها من
الاهتمام.
فهم أهلكوا وقتاً وجهداً في الترويج لما اعتبروه نمطًا آخر غير تقليدي من
التعامل مع البلاد المحتلة، وقيل: إن القوات الغازية تلقت فى هذا السياق أوامر
بعدم رفع العلمين الأميركي والبريطاني على كثير من المنشآت العراقية، لإخفاء
مظهر الاحتلال المعتاد، غير أن الشعوب التي حرّكتها تجارب الاستعمار، ومنها
الشعب العراقي ليست بتلك الدرجة من السذاجة كي تبتلع مثل هذه الحيل الصغيرة،
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فلنا أن نستحضر أحد مشاهد الأيام التالية للاحتلال
الإسرائيلي للقدس عام 1967. فقد أراد القادة الميدانيون الصهاينة التعبير عن
فرحتهم بهذه الخطوة "التاريخية" صهيونياً برفع العلم الإسرائيلي على أحد أركان
المسجد الأقصى، فما كان من موشي ديان وزير الدفاع آنذاك بعد أن عَلِم بالواقعة،
إلا أن أصدر أمراً بإنزال ذلك العلم، تحسباً من اهتياج مشاعر ملايين المسلمين
في العالم، معتبراً أن الاحتلال والسيطرة قد حدثا بالفعل سواء تم رفع العلم أم
لا، ونحن الآن بعد قرابة أربعة عقود نعرف مدى صحة هذا التقدير.
عراق جديد
الاحتلال إذاً هو الاحتلال في العراق، كما في فلسطين، مهما كانت اليافطات التي
يرفعها المستعمرون ويختفون خلفها، ولكن بعض أصحاب موضة "المابعد" يمارسون
أدوارهم المسمومة في الترويج للمفهوم الأميركي لهذه الغزوة "غير الاعتيادية"،
غزوة تحرير العراق وتسليمه لأهله خالياً من كل سوء، وتقديرنا أن لهذا "المابعد"
وجهاً حقيقياً هو أن هدم النظام السابق كان وسيلة إلى أغراض أخرى، تتلاقى في
جلها ومرادات 'إسرائيل' التي هللت من دون كيانات الشرق الأوسط للغزو!.
'إسرائيل' هذه تريده عراقاً جديداً آخر، لا مكان فيه للقوى العروبية على صعيدي
الفكر والتنظيم، عراقاً يرتفع فيه شعار "العراق أولاً" حيث تختفي البواعث
القومية ومنظورات التحرير القومي العربي الشامل والغيرة على عروبة فلسطين،
عراقاً متخلفاً يرتد إلى مصافّ بقية الأقطار العربية من حيث مستويات التطور
الاقتصادي والعلمي، وتذهب منه إلى غير رجعة محاولات اختراق الخطوط الحمر التى
تريدها 'إسرائيل' لمحيطها الإقليمي من حيث هذه المستويات، ولذلك كانت برامج
التعليم فاتحة المستهدفين هناك ولم ينافسها الأولوية في ذلك سوى ملاحقة أكثر من
ثلاثة آلاف عالم مبرَّز في مجالات العلوم والآداب، وقبل ذلك وبعده، لن تجد
'إسرائيل' المهمومة بتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين خيراً من زمن الاحتلال
الأميركي، لمحاولة تنفيذ هاجسها القديم، بتوطين الشطر الأعظم من اللاجئين في
أرض الرافدين، هذه هي الجزئية الاستثنائية التي ستتسامح فيها 'إسرائيل' مع
مفهوم عروبة العراق، ذلك على اعتبار أن هذا المفهوم سوف يسهل الهدف، فاللاجئون
الفلسطينيون سيكونون عرباً بين عرب!
موقع إقليمي
قبل احتلاله، ظلّ العراق بين القوى العربية القليلة التي استعصمت بمفهوم
المقاومة والرباط لتحرير فلسطين، وشكّل هذا الموقف ظهيراً للقوى الفلسطينية
التي عكفت على هذا المفهوم، ومن المعروف أن بغداد لم تشترك في عملية التسوية
الجارية للقضية الفلسطينية 'والصراع العربي-الصهيوني' منذ مستهل تسعينيات القرن
الماضي، وهذا صنّف العراق أميركياً وإسرائيلياً بين القوى المستبعدة من الأطر
التي أفرزتها هذه العملية، وهذا يثير السؤال عن صلة "العراق المطلوب تصفيته
وإعادة هيكلته" بعد الاحتلال بالمدار الإقليمي لحركة التسوية.
أغلب الظنّ أن جماعات المعارضة التي تمّ إعدادها بمعرفة الغزاة لتسلم زمام
الحكم في "العراق الجديد"، سوف تتواطأ لتمرير المرادات الأميركية والإسرائيلية
من بغداد، غير أن الإرهاصات تشي بالصعوبات التي ستواجه هذا المسعى الخبيث، ذلك
أن جماعات قوية ممن شاركت في معارضة النظام السابق، رفضت أن يجري بناء النظام
البديل تحت سيطرة القوات الغازية، ولم تعبّر عن الارتياح إزاء العناصر الموسومة
بالعمالة والاستتباع من المعارضة على نحو فجّ، هناك إذاً من يميّز بين عدائه
للنظام السابق وتبعيّته للغزاة ومخططاتهم، بمعنى أن الخصومة مع النظام الأقل لا
تبرّر بناء نظام بديل تابع بالمطلق للولايات المتحدة، ومتواطئ بالتداعي مع
'إسرائيل' أو كاره لعروبة العراق.
هذه في حقيقة الأمر هي القوى التي يمكن أن تشكّل قاعدة لانطلاق المقاومة، إذ لن
يكون سهلاً على الغزاة تقبّل قوى كهذه، مما سيوجب عليهم الإفصاح عن الوجه
القبيح للغزو، ويوجب من جهة أخرى مقاومة هذا الوجه.
لقد صار المشرق العربي محفوفاً بقوتين استعماريتين بينهما شراكة عضوية، ومثلما
فرضت سُنن التاريخ، سنن الاستعمار والتحرير، ذاتها في فلسطين فستفرض ذاتها في
العراق، ولأن العدو واحد والمستهدفين به أمّة واحدة، فإننا نطمع في المقاومة
الواحدة، نطمع في معاكسة إرادة التحالف الاستعماري الصهيوني، فهو يتطلع إلى
تثبيت معطيات التجزئة التي وضعها ذات حين، وإضافة المزيد إليها، فلماذا لا تكون
مقاومة هذه الغزوة الجديدة والغزوة الأقدم، سبيلاً إلى إزاحة هذه المعطيات،
قديمها وجديدها معاً؟!
خطّة أميركية لترتيب البيت الصومالي
الخرطوم/محمد الشيخ
دخلت المحادثات الصومالية في نيروبي - في شهر أيار/مايو الماضي شهرها
الثامن ولم تحقّق حتى اللحظة خطوة إيجابية واحدة، ممّا دعا بعض المراقبين إلى
القول بأن هذه المحادثات كسابقاتها ستنتهي إلى طريق مسدود، لكن لوحظ في الآونة
الأخيرة تحركات سريعة وجادّة بعض الشيء مما خلق آمالاً جديدة للمواطن الصومالي،
فاللجان المكلّفة بإعداد الميثاق والبرامج والخطط التي ستعمل بها الحكومة
القادمة شارفت على إنهاء أعمالها. ومن جانب آخر أخبر المسؤول الكيني المشرف على
المحادثات الصومالية الصحفيين في نيروبي أن المحادثات ستختتم أعمالها، وسيتم
تشكيل حكومة صومالية عمّا قريب، أضاف أن هناك ترتيبات لإرسال قوات دولية إلي
الصومال لمساعدة الحكومة المرتقبة في بسط الأمن وهيبة الدولة في كافة أنحاء
الصومال. وقد أفادت بعض المصادر أن هذه القوات ستكون من القارة الأفريقية وأن
المنظمة الدولية ستدفع الميزانية الخاصة بتلك القوات، وقد أورد موقع "هيران أون
لاين" الإخباري أن الاتحاد الأفريقي أوفد خبيراً عسكرياً برتبة جنرال إلى
الصومال لتقييم الأوضاع هناك، وقد فسّرها البعض أنها خطوة تمهيدية لإرسال قوات
دولية إلى الصومال.
تجدر الإشارة إلى أن الفصائل الصومالية المشاركة في المحادثات وقّعت اتفاقية
لوقف إطلاق النار في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2002، لكن أحداً منها لم يقم بتنفيذ
هذه الاتفاقية بل كان الاقتتال والاحتراب قائماً بين مختلف الفصائل في كثير من
الأقاليم والمحافظات الصومالية، وقد شكّلت الأمم المتحدة في نهاية العام
المنصرم لجنة لفحص خروقات حظر الأسلحة التي فرضها مجلس الأمن الدولي على
الصومال منذ شهر يناير 1991 ' قرار 733'، وقبل شهر واحد قدّمت اللجنة إلى
المنظّمة الدولية تقريراً مفصلاً حول هذا الموضوع.
ترغيب وترهيب
ولأول مرّة منذ صدور قرار الحظر عام 1991 كشف هذا التقرير عن الجهات
التي قامت وتقوم بخرق الحظر، والأسواق التي يشتري منها زعماء الفصائل أسلحتهم،
وأنواع هذه الأسلحة، والوسطاء والسماسرة، والرخص المستخدمة لجلب الأسلحة،
ووسائل النقل المستخدمة، والطرق التي يكسب من خلالها زعماء الفصائل الأموال
التي يشترون بها الأسلحة. كما كشف التقرير عن مصادر أموال وأسلحة الحكومة
الانتقالية، واقترح عقوبات مختلفة ومتنوّعة يتمّ فرضها على الأطراف الصومالية
إذا لم تستجب لقرار حظر الأسلحة المفروض عليها، ولم تقم بتنفيذ اتفاقية وقف
إطلاق النار التي وقّعتها، وهي خطوة عملية وجادة في نظر المراقبين.
وفي وقت سابق قال مساعد وزير الخارجية الأميركي في الشؤون الأفريقية والتر
كانستينر، أثناء محاضرة ألقاها في جامعة في لندن أن أميركا تساند المحادثات
الصومالية في نيروبي وتسعى جاهدة إلى إثبات الأمن والاستقرار فيها، نظراً لأن
من مصلحة الأمن القومي الأميركي أن تكون الصومال آمنة ومستقرّة، وعندما سُئل أن
حركتهم غير ظاهرة وغير مرئية أجاب بأن منظّمة الإيغاد ودول المنطقة التي
كلّفتها المنظمة لإنهاء الأزمة الصومالية وهي جيبوتي، وإثيوبيا، وكينيا طلبت
منّا عدم التدخّل المباشر في المحادثات، وقد استجبنا لهذا الطلب.
وفي 4 أيار/مايو زار وفد أميركي برئاسة مسؤول الشؤون الصومالية في السفارة
الأميركية في نيروبي غيلن وارين مدينة كسمايو في جنوب الصومال لإقناع القيادات
في تلك المنطقة بالعودة إلى المحادثات التي انسحبوا منها في مطلع هذا العام،
ثمّ انتقل الوفد إلى مقديشو والتقى مع كلّ من الزعماء الثلاثة في العاصمة: موسى
سودي يلحو، ومحمد قنيري أفرح، وعبد القاسم صلاد حسن، وممثلين من منظّمات
المجتمع المدني.
وعقب لقاءاته مع الفعاليات السياسية والاجتماعية عقد المسؤول الأميركي مؤتمراً
صحفياً في فندق انترناشيونال في مقديشو أكّد من خلاله أنه سيكون للصومال برلمان
وحكومة وحدة وطنية في 15 من شهر حزيران/يونيو الحالي، وذكر أن أميركا والمجموعة
الأوروبية وبقيّة الدول المهتمّة في الشأن الصومالي متّفقة على ذلك، وحذّر
المسؤول الأميركي الأطراف التي التقى بها من أن تكون –أي الأطراف- سبباً
لانهيار هذه المحادثات التي وصفها بأنها تمرّ بمرحلة متقدّمة يتوقّع منها أن
تؤدي إلى تشكيل حكومة يعترف بها المجتمع الدولي. ونظراً لهذه التطورات فقد رشّح
حسين محمد عيديد نفسه للرئاسة الصومالية في المرحلة القادمة، وقد سبقه في هذه
الخطوة كلّ من العقيد عبد الله يوسف رئيس الإدارة الإقليمية في ولاية البونت،
وعبد الرحمن جامع بري وزير الخارجية الصومالي السابق، وابن عم الرئيس الراحل
محمد سياد بري، وفارح وهليه عدو رئيس الاتحاد العام لكرة القدم في وسط وشرق
أفريقيا سابقاً.
مكاسب أميركية
وقد جاءت هذه التطورات في الوقت الذي أعلن فيه نائب رئيس القيادة
المركزية للقوات الأميركية لمحاربة الإرهاب ميشل ديلونغ أن قواته حقّقت نجاحات
باهرة في تعقّبها للعناصر الإرهابية في منطقة القرن الأفريقي، وأنهم ألقوا
القبض على عدد من أعضاء تنظيم القاعدة. ومع أن ديلونغ أقرّ بأن هؤلاء الأعضاء
ليسوا أعضاء قياديين، وقلّل من أهميتهم إلا أنه رفض ذكر أسمائهم والدول التي
ينتمون إليها وأماكن تواجدهم أثناء إلقاء القبض عليهم، والجهات التي ساعدت في
القبض عليهم، وعلّل ذلك بأن دول المنطقة التي قدّمت لهم المساعدة طلبت منهم
ذلك، وقد أثنى ديلونغ على كل من كينيا وجيبوتي وأثيوبيا وإريتريا في دورهم
الفاعل في مجال محاربة الإرهاب.
ويُفهم من هذا أن التطورات المفاجئة التي شهدتها ساحة المحادثات الصومالية خلال
الأسابيع الثلاثة الماضية جاءت في إطار الجهود الأميركية لمحاربة ما تصفه
بالإرهاب وسد الثغرات التي يمكن أن تُستغلّ كالفراغ السياسي الذي تعاني منه
الصومال، وبالتالي يتوقّع أن تكون الشخصيات التي يتمّ تنصيبها لقيادة الصومال
في المرحلة القادمة شخصيات متحمّسة للقيام بهذه المهمّة.
|
| |
|