|

































| |
|
أوراق ثقافية 1 |
قبسات
المؤتمرات: أهداف سامية وأساليب احتفالية
في شهر أيار/مايو الماضي سادت ظاهرة المؤتمرات المتخصّصة بالنكبة في
ذكراها الخامسة والخمسين عدداً من عواصم الشتات الفلسطيني، بدءاً من لندن
وصولاً إلى دمشق وبيروت وعمان وغيرها..
لم يشهد العالم العربي كثافة في المؤتمرات الشعبية كالتي شهدها في العقد الأخير
من السنين. ولعلّ أوّل خاطر في بال المراقب حول سبب هذه الكثافة هو أن
المؤتمرات شعبيّة، وأنه كلّما زادت الشُّقة والمسافة بين الحكّام والأنظمة وبين
شعوبها، كلّما كانت الحاجة إلى المؤتمرات أكثر، من أجل التعبير الحرّ القريب من
خيارات الشعوب بعيداً عن ضرورات الأنظمة 'إذا أحسنّا الظنّ بهذه الضرورات'.
ويكون المؤتمر أكثر تمثيلاً كلّما استقطب مفاصل مهمّة في هذه الأمّة، على مختلف
شرائحها ومستوياتها. إلا أن الملاحظ أن من يحضرون هذه المؤتمرات يتكرّرون..
يتقابلون، يتسامرون ثمّ ينفضّون على وعد اللقاء بمؤتمر قادم.
هذا التكرار المستغرَب لم يعُد مستغرباً.. يتغيّر المكان والزمان والعناوين
والشعارات والأسباب، ولا يتغيّر أو يزيد أو يتنوّع المشاركون في هذه
المؤتمرات.. ولعلّها عدوى الأنظمة التي انتقلت إلى المؤتمرين، حسب نظريّة
التأثير والتأثّر عند ابن خلدون وغيره.
ولقد بات في هذا المجال متخصّصون محترفون يمتهنون المؤتمرات، وبات واضحاً تشابه
وتطابق المؤتمرات من قاعدتها إلى رأس هرمها، حتى أن بعضهم ينظّم مؤتمرات
لجماعته ولخصومها لقاء مبالغ طائلة، فهُم يستفيدون من مساهمي مؤتمراتهم على
اختلاف مسمّياتها ويتولّون تنظيم مؤتمرات لغيرهم.
فيما خلا المؤتمرات العلميّة الأكاديميّة التي ترتكز على بحوث ومساهمات، فإن
معظم هذه المؤتمرات باتت نوعاً من الاحتفالية الموسميّة لبعض الشخصيّات
والهيئات، ولعلّ من الأجدى دعوة رجال الأعمال من أجل الاستفادة من تبرّعاتهم
المادية بدلاً من تبرّعات المثقّفين الخطابية التي يتبارزون فيها أيّما
مبارزة!.
وهذا ما دعا بعض المراقبين إلى السؤال عن جدوى هذه المؤتمرات والاستمرار فيها،
ولعلّ صيغة السؤال الأكثر تفاؤلاً هي كيف نستغلّ هذه المؤتمرات كما يجب؟.
فكثير من اللجان التي انبثقت عن هذه المؤتمرات ماتت، أو أنها وُلدت ميتة!،
وبذلك فإنها –أي المؤتمرات- تفتقر إلى لجنة متابعة تضمن الاستمرارية.
كما أن هذه المؤتمرات تقمعها قاعات الفنادق وتخنق صوتها المكيّفات قبل أن
تتولّى الأنظمة ذلك، فنرى المؤتمرات تبتعد عن قواعدها في الجامعات والأحياء
والمساجد وغيرها.
لست ممّن لا يؤمنون بجدوى المؤتمرات، ولكنها عندما تصبح ظاهرة لذاتها لا
لأهدافها، فإن العلّة تكون فيها، وكثير منها ما ينتهي إلى.. لا شيء.
لا شيء في المواقف، لا شيء في التوثيق، لا شيء في الأبحاث، لا شيء سوى "حيّاكم
الله، ودمتم ودامت مؤتمراتكم الجامعة".
بالطبع، التعميم في هذه الحالة ليس فضيلة، ولكنّنا نرى أن هذه المؤتمرات يجب أن
تترفّع عن المصالح الشخصية الآنيّة والضيّقة، وأن تعطي كلّ ذي حقّ حقّه، وأن لا
تنسى القضايا الكبرى كفلسطين، في حالة مثل حالة غزو العراق، فذلك فخّ مزدوج تقع
فيه الهيئات المنظِّمة كما حدث الشهر الماضي حين أُلغيت كلمة فلسطين المعتادة
في أحد المؤتمرات.
وعندما نترفّع عن المصالح الشخصية نحقّق الأهداف الأسمى ونكون بمستوى قضايانا
لنضع بصماتنا على صفحات التاريخ، كما حصل في المؤتمرات الإسلامية في القدس
والتي ما زالت مرجعاً توثيقياً حتى الآن.
ولمن لا يعرف أهمية المؤتمرات نذّكره أن الحركة الصهيونية بدأت رسمياً بمؤتمر
عام 1897، ووعدت بدولة بعد خمسين عاماً، وحقّقوها رغماً عن الرافضين عام 1948.
وعلّق هرتزل على ذلك المؤتمر بقوله: لو لم أُنجز غير عقد هذا المؤتمر لكفاني..
وتوفي بعدها دون أن يعرف ما كانت النتيجة.
المحرّر الثقافي
أصداء
في أصداء المؤتمرات الفلسطينية التي تُعقد في الشتات وغيرها ما يبشّر بخير.
فالأجيال الفلسطينية المتعاقبة تتناوب على إدارة وتنفيذ هذه المؤتمرات.
في شهر النكبة، في مؤتمر العودة، قد يتوقّع الغريب أنه سيحضر مؤتمراً يؤمّه
وينظّمه العجائز والشيوخ الذين يطالبون بالعودة إلى بيوتهم وأراضيهم، في سبيل
التعويض عليهم بشيء من المال. وربمّا يتوقّع أو تحدّثه نفسه أن هذه المؤتمرات
سوف تنقرض بموت أصحاب الأراضي الذين جاؤوا من فلسطين قبل أكثر من نصف قرن.
إلا أن الظاهرة الصحية التي ستصدم المراقب الغريب أن الأجيال الفلسطينية تتعاقب
وتتوالد، فكلّما مرّ الزمن أو اتّسع المكان سُجّل مزيدٌ من التمسّك، وقد يرى
المراقب في مستقبل الأيام الجيل العاشر أو العشرين يقيم مؤتمراً لحقّ العودة في
أبعد نقطة ممكنة عن فلسطين.
في المؤتمر الأخير الذي عُقد في بيروت، وحاضر فيه عدد من الباحثين من كبار
السنّ، أشادوا بهذه الظاهرة حتى قال أحدهم "أستطيع أن أموت وأنا مطمئنّ بأن
فلسطين لن تضيع، طالما أن الأجيال تحمل القضيّة رغم بُعد الزمان والمكان".
الشاعر الدكتور حسن الأمراني:
الدفاع عن فلسطين دفاع عن الوجود الإنساني والحضارة
الإبداع قرين للتجديد والشعر الرسالي وحده الملتزم
حاوره/ ياسر علي
الدكتور حسن الأمراني، أستاذ جامعي مغربي وشاعر
ملتزم، كانت له مساهمات مميّزة في مجلّة "فلسطين المسلمة" لعدّة سنوات في صفحة
ثقافيّة شهريّة بعنوان "مقابسات". آخر ما صدر له هو: "شرق القدس.. غرب يافا"،
كتاباً وشريطاً، وهو الديوان الثاني المخصّص للقضيّة الفلسطينية، بعد ديوان:
"المجد للأطفال والحجارة"، عدا قصائد أخرى عن القضيّة مبثوثة في دواوينه
المختلفة.. وبين يديه من الدواوين المخطوطة: "المراثي"، و"يوميات ملك المغول"،
و"قلوب على بركان"، و"هوامش على طبائع الاستبداد"، و"نبض القوارير"، كما يعدّ
الآن دواوينه السابقة لإعادة الطبع، لأن الطلب عليها كثير، وقد نفدت من السوق.
هذا في مجال الشعر، أما في مجال النقد والدراسة، فهناك كتاب "بديع الزمان
النورسي أديب الإنسانية"، و"صدى الغاوين: قراءة في شعر الكبار"، و"الشاعر يؤسس:
قراءة في شعر الشاعر الفلسطيني محمود مفلح".
لماذا خسر الشعر دوره وتأثيره في هذا العصر؟ وما هو
دور الشعر في قضايا الأمة؟
• لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين، وحين يضمر صوت الشعر في هذه الأمة،
ويسكت ناي الشاعر، وتصير ربابته خرساء، فمعنى ذلك أن خللاً ما قد أصاب هذه
الأمة. نحن أمة شاعرة، وإذا كان الشعر "علم قومٍ لم يكن لهم أصحّ منه"، كما قال
أمير المؤمنين عمر فاتح القدس رضي الله عنه، فإن الشعر لم يفتر في هذه الأمة
حاضراً حتى في الفترات الحالكة من تاريخها، ولذلك يكون من غير الطبيعي أن
يتوارى الشعر من الخارطة الحضارية، أو تتخلف رسالته.
لعل السؤال أولاً هو: هل خسر الشعر دوره؟ وثانياً، كيف يستعيد رسالته؟ والحق أن
الأمر يتعلق بحالة الإحباط الحضارية الشاملة التي تعاني منها أمتنا، وحالة
الاستضعاف التي مرّ عليها أكثر من قرن من الزمان، ولم تنفع دعوات الإصلاح أو
الثورة أو التغيير في رأب الصدع وإصلاح الخلل، لضعف في تلمس الطريق القويم.
والشعر جزء من هذه المعركة الحضارية الكبرى، والأمية المتفشية وجو الكبت والقهر
في مجتمعاتنا من أهم العوامل التي تعترض التواصل بين المثقفين والناس. كما أن
دعاة التحديث الشعري أخطأوا الطريق، وراحوا يعلنون جهاراً أن الحاجةَ قائمةٌ
لشعر الخاصة، أو النخبة، منذ صيحة لويس عوض في "بلوتولاند"، وأن دعاة التأصيل
أخطأوا الطريق أيضا حين تصوروا التأصيل صنواً للتقليد والاجترار، أمكننا أن
ندرك سرّ الأزمة التي يمرّ بها الشعر، وسرّ انحسار رسالته الحضارية. فإذا أضفنا
إلى ذلك انحسار التواصل الجماهيري بين الشعراء والجمهور، بسبب ضعف قنوات
الاتصال الجماهيري، ازداد الأمر بياناً.
على أن هذا كله لا يعفي الشعراء من رسالتهم، بل هو يضاعف من تلك الرسالة، إذ
تصبح المعركة قائمة على أكثر من واجهة، أهمها الواجهتان الجمالية والرسالية، إذ
لا تتحقق الرسالية إلا من خلال الجمالية. والعلاقة بينهما جدلية، كما يقال.
فأين يقف الشعر من المعركة الحضارية إذن؟
• الأحداث تسرع، والشاعر بحاجة إلى التقاط أنفاسه، من أجل تمثلها وصوغها
صياغة جمالية، وقطار الحياة لا يتوقف. هذا يعني أنه لا بد من أن ندرك أن لكل
لحظة حضارية نمطها الكتابي، ولذلك يخطئ من يظن أنه ينبغي استبعاد الخطابية
والوعظ نهائياً من ساحة الشعر. لا ينبغي أن يحلم الشاعر بالخلود الفني فقط، بل
لا بد أن يعي أنه صاحب رسالة حضارية، وأن هذه الرسالة ربما تتطلب منه أحياناً
التضحية بلحظة التثقيف، وأن يترك للطبع والسجية مكاناً، وهذا يعني أنه ينبغي
استثمار أنماط كتابية متعددة، كالنشيد مثلاً، والمزاوجة بين الكلمة واللحن، أي
إنه ينبغي محاربة الرداءة التي تغزو الوسائل السمعية البصرية، ورفع ذوق الجمهور
القابل للتسامي، وإسقاط مقولة 'هكذا يريد الجمهور'. هذا افتراء. حين تقدّم
للشعب شيئاً جميلاً ونافعاً يتعلق بك، ولذلك ما تزال أغاني سيد درويش النضالية
متأججة حتى الآن، رغم أن بعض كلماتها لم تكن محكمة الصنع، إلا أنها كانت تشتمل
على الصدق والبراءة، وهذا ما نحن بحاجة إليه اليوم.
هل توافقون على استحالة تناول فلسطين والمقاومة في
الشعر الإنساني الوجداني، وأن مكانها فقط هو في الشعر الخطابي المنبري الموجه؟
على اعتبار أن البعض يراها عنفواناً فقط، ولا يراها لبّ القضايا الإنسانية؟
• لا خيار للشاعر اليوم، إن كان يريد أن يكون شاعرا، إلا أن يكون منحازاً إلى
قضايا أمته. وذلك هو أبهى مظاهر الانحياز. ولا يشك عاقل أن بؤرة قضايا أمتنا هي
فلسطين.. فلسطين العقيدة والتاريخ والهوية والشعب ورمز الشهود الإنساني.. ذات
يوم كانت فيتنام في البؤرة، حتى كادت تغطي بصائر شعرائنا، واليوم تستهدف الأمة
كلها، ولكن من خلال فلسطين، ولذلك فالدفاع عن فلسطين دفاع عن الوجود الإنساني
والكينونة الحضارية. ليس لأحد أن يمنّ على فلسطين بأنه قدم في سبيلها ماله أو
عمره أو ولده أو حياته.. بل هي التي لها أن تمنّ علينا، لأنها هي وحدها التي
أعادت إلينا بهاء وجودنا الحضاري، عير الجهاد المتواصل لأبنائها، شيباً
وشباناً، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء..
نحن باختصار بحاجة إلى كل شعر تحريضي.. لأن رسالة الشعر الخالدة هي التحريض..
وإذا قال الله تعالى: 'وحرّض المؤمنين'، فلا كان الشعر إن لم يقم بوظيفة
التحريض.. التحريض ضد كل ما هو قبيح وبشع وشر.. التحريض ضد الظلم.. ضد البغي..
ضد الاستسلام.. ضد الهزيمة.. ضد الركون إلى الحلول الترقيعية المستوردة من
واشنطن.. ضد الذين يركنون إلى الذين ظلموا يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة.. ضد
الذين يوالون الكفار ويتخذونهم أولياء من دون المؤمنين.. ضد الذين يسرقون عنب
الخليل.. وبرتقال يافا.. ويغتالون عصافير الجليل.. وحمائم القدس.. ضد الذين
يأكلون من لحم القضية.. ولست بحاجة إلى التذكير بأن كل ذلك لا يتم في مجال الفن
إلا بإعطاء الجمالي نصيبه غير منقوص..
كيف توفّق كشاعر وكناقد، بين الالتزام والحداثة في
الشعر العربي؟
• الحداثة لفظ غير مفهوم، أحياناً حتى في الغرب نفسه، فكيف بالعالم العربي الذي
هو ليس إلا مستهلكاً للإنتاج الفكري الذي ينتجه الغرب؟ وكثير من الناس يخلطون
بين الحداثة، باعتبارها مفهوماً فلسفياً، يشمل كل مناحي الحياة، وبين الدلالة
اللغوية للفظ، مما يجعلها رديفاً للجدة. ولذلك فإن التفصيل في الأمر يطول،
وتكفي الإشارة هنا إلى أنه إذا كان يقصد بالحداثة المذهب الفلسفي الذي يسعى إلى
القطيعة الشاملة مع الماضي بكل صوره، وفي مقدمته الخطاب الديني، وانتزاع
الملكية من الغيب والمطلق وما إلى ذلك من الصفات التي ترمز إلى الذات الإلهية،
لتوضع تلك الملكية في يد الإنسان المؤله، فلست من الحداثة ولا الحداثة مني، أما
إذا كان يراد التجديد، فإن الإبداع الحق هو دائماً قرين للتجديد وعدو للتقليد،
وبهذا الفهم لا يكون هناك أي تضارب أو تعارض بين الالتزام والحداثة، بل على
العكس هناك تكامل، فأنت لكي تكون ملتزماً ينبغي أن تكون قادراً على التبليغ
الرسالي، ولكي تكون قادراً على ذلك بالصورة المثلى لا بد أن تكون على وعي بما
يتطلب منك عصرك من أدوات تعبيرية قادرة على نقل قيَمك الشعورية بأمانة ولكن في
قوة أيضاً، وذلك من أجل حصول التأثير المطلوب.
ما هو موقع الالتزام؟
• وما قيمة الالتزام إذا كان مجرد تصوير آلي، لا يفتح للقارئ الآفاق
التي تساعد على تحقق النص في ذاته بصورة جديدة وفعالة، يبني من خلالها رؤيته
المستقبلية؟ لقد كان سيف الحداثة في السبعينات سيفاً مصلتاً على رقابنا، وكان
عدم الأخذ بمقولات الحداثيين يعني عدم الالتزام، وعدم الالتزام يعني التخلف
والرجعية والانغلاق.. ثم تكشفت الحقيقة بعد ذلك، وتبين أن شعار الحداثة كان
عملة زائفة.. تخلى عنها أصحابها.. وانتقلوا من الالتزام إلى ما سمي التجريب..
وكان التجريب هو الحبل الذي تعلقوا به من أجل التخلص من تبعات الالتزام
وأعبائه.. وصار الشعر الرسالي وحده هو الملتزم بحق بقضايا الأمة وهويتها
الحضارية المستعصية على الذوبان..
من العوامل المؤثرة في الشعر والشعراء، القضايا،
الجمهور، الذات، وغيرها.. ما هو موقع هذه العوامل في شعرك؟
• القضايا.. الجمهور.. الذات.. هي قضايا متشابكة، وأتصور أن الذين يفصلون بينها
يرتكبون خطأ فادحاً، فينعكس ذلك على ما ينتجون.. لا أعرف شاعراً كبيراً في
التاريخ لم يكن ذاتياً، ولا سيما حين نتحدث عن الشعر الغنائي الذي يكاد يكون
الميسم الغالب على شعرنا العربي.. أكبر شاعر ذاتي في تاريخ الشعر العربي هو
المتنبي، فذاته حاضرة في شعره حضوراً يكاد يصل حد التضخم.. ومع ذلك ما استطاع
شاعر أن يتغنى بقيم أمته 'ويتحدث عن خواطر الناس' كما يقول ابن الأثير مثلما
فعل المتنبي.. هو الذي يقول بحضرة الأمير سيف الدولة، وهو يمدحه:
ليعلم الجمع ممن ضم مجلسنا بأنني خير من تسعى به قدم
وسواء أكنا من أنصار أبي فراس في قوله: 'إذا مت ظمآناً فلا نزل القطر'، أم كنا
من أنصار أبي العلاء في قوله:
فلا نزلت عليّ ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلادا
فإن الذات هي المنطلق. لكن الذات ستنتهي إلى نوع من النرجسية المستهجنة
والمنغلقة إذا لم تحسن مد جسور بينها وبين الناس.. ومن هنا يكون الشاعر الفذ هو
الذي ينطلق من ذاته ليعانق قضايا الجمهور، أو هو ينطلق من قضية إنسانية ما،
ولكنه لا يخرجها إلى الناس إلا بعد تصفيتها بمصفاة الذات.. وهذا ما يفسر لنا أن
أكثر الشعراء تعبيراً عن الإنسان في كل مكان هم في الوقت ذاته أشد الشعراء
التصاقاً بالواقع المحلي.. تغنى لوركا بغرناطة.. وتغنى السياب بجيكور.. وتغنى
الشابي بالجريد.. وقبلهم تغنى البارودي بسرنديب، كما تغنى بمصر.. ولكن غرناطة
لوركا لم تعد غرناطة المحلية.. وانتقلت جيكور، القرية العراقية الصغيرة، لتصير
على يد السياب رمزاً للطهارة..
ومن هنا يكون علينا تجاوز التصنيف القديم الذي ينظر إلى القصيدة على أساس
غرضها: قصيدة غزل، قصيدة فروسية، قصيدة رثاء. الخ... أصبح الشاعر اليوم يقدم،
أو هو مدعو إلى أن يقدم، عملاً تركيبياً، لا ينفصل فيه الغزل عن السياسة، عن
الفروسية، عن هموم الأمة.. الخ.. بل حتى عندما يقول الشاعر الفلسطيني سالم
جبران:
لحم أبي وأمي
وإخوتي في النار
وأنت تطلبين أن أكتب في جمالك الأشعار
لا يكون ذلك تنكراً منه للمرأة، بقدر ما اتخذ المرأة نفسها طريقاً للتعبير عن
القضية الجوهرية. وماذا كان يكون هذا المقطع/القصيدة لو أن الشاعر اكتفى بتقرير
أن لحم أبيه وأمه وإخوته في النار؟ لا يكون قد صنع شيئاً. ويدلنا على ذلك أن
الشاعر اختار أن يجعل عنوان هذه القصيدة البرقية: 'لا وقت للغزل'.
المغربي محمد علي الرباوي في قصيدته: 'أجّلي حبك'، يلتقي مع سالم جبران في هذا
المفهوم، فالحب المرتبط بالشهوة العابرة مؤجل أمام الحب الكبير: حب الوطن، وحب
الأمة..
|
| |
|